“حين نهزم السكينة بأيدينا” رغم بقاء الحب تنهار البيوت قبل أن تموت المشاعر.
24 يوليو 2026
0
99

 

سلطان سعيد 

كم من بيت لم يهدمه غياب الاهتمام والاحترام و الحب او التفاهم والإنسجام بل الهادم الأكبر “سوء الفهم” فالعلاقات لا يقتلها ما يأتي من الخارج فقط بقدر ما يفتك بها ما يتسلل بصمت إلى الداخل حتى يتحول الخلاف الصغير إلى معركة وخلاف واسع بين قلبين ظنا أن القرب وحده يكفي.

فالانهيار لا يحدث دفعة واحدة بل يتسلل بهدوء حيث تبدأ الحكاية بكلمة لم تجد من يحتويها ثم بنظرة فسرت على غير معناها ثم بصمت طال اكثر مما ينبغي حتى يصبح كل طرف غريبا عن الاخر رغم انهما يعيشان تحت سقف واحد.

والانسان بطبيعته يبحث عن سبب يعلق عليه المه وحين تضيق به الحياة يكون اقرب الناس اليه اول من يتلقى ذلك الثقل فيظن ان شريك حياته هو مصدر تعاسته بينما الحقيقة ان الضغوط حين تتراكم تجعلنا نرى الاشياء بعيون متعبة لا بقلوب عادلة ومن هنا اذا لم ينتبه الى هذا الخلل في بدايته فانه لا يبقى سوء فهم بل يتدرج سريعا الى غضب يغير ملامح العلاقة كلها وعندما يتحول سوء الفهم الى غضب تصبح المشكلة اكبر من حدث عابر اذ لا يعود الخلاف مجرد موقف بل يبدأ كل طرف في النظر الى الاخر بوصفه سبب الالم كله وهنا يتغير كل شيء لان الازمة لم تعد واقعة محددة بل صارت عدسة يقرأ من خلالها الانسان كل كلمة وكل تصرف وكل صمت.

واكثر ما يهدد العلاقات ليس وجود المشكلات وانما تحولها الى هوية دائمة فبدلا من ان يقول الزوجان لدينا مشكلة يصبح كل واحد منهما يقول مشكلتي هي انت وعند هذه النقطة لا يعود الحوار بحثا عن حل بل يتحول الى دفاع وهجوم والى محاولة لاثبات الذات بدل انقاذ ما تبقى من المودة

ولعل من اخطر ما يفعله الغضب انه يعيد كتابة تاريخ العلاقة ففي لحظة واحدة ينسى الانسان سنوات من الوفاء من اجل موقف واحد ويغيب الامتنان امام الانفعال ويصبح الماضي الجميل بلا قيمة لان الحاضر امتلأ بالضجيج لذلك كان النضج الحقيقي ان يعرف المرء متى يصمت ومتى يعتذر ومتى يتنازل ومتى يؤجل الحديث حتى يهدأ القلب قبل اللسان

لكن الغضب مهما اشتد لا يفسر وحده ما يحدث داخل البيوت فهناك ما هو اعمق من الانفعال وهو الوعي الذي يحدد ان كانت الازمة ستكسر العلاقة ام تنضجها

والحقيقة ان العلاقات الطويلة لا يحفظها الحب وحده بل يحفظها الوعي فالحب يمنح البداية اما الوعي فهو الذي يحمي الاستمرار لان المشاعر بطبيعتها تتغير بينما القيم هي التي تمنح العلاقة جذورها العميقة والوعي لا يعني ان لا نختلف بل ان نعرف كيف نختلف دون ان نهدم ما بيننا انه القدرة على رؤية الشريك انسانا يخطئ ويصيب لا خصما يجب الانتصار عليه وهو ان تختار ما يحفظ العلاقة لا ما يثبت الانتصار اللحظي وان تدرك ان القوة ليست في رفع الصوت بل في ضبط النفس حين يغريك الغضب بان يسبق العقل.

فالاعتذار يرفع قيمة الانسان والتسامح يحفظ الكرامة واللين علامة على ان المرء انتصر على نفسه قبل ان ينتصر على غيره وكل بيت سيمر بايام ثقيلة وستطرق بابه ظروف لم يخترها احد لكن البيوت التي تصمد هي التي تتذكر دائما ان المشكلة ليست شخصا يجلس امامك وانما ظرفا يمر بكما وان اليد التي امسكت يدك في بداية الطريق تستحق ان تتمسك بها اكثر حين تصبح الطريق وعرة.

ومن هنا يظهر خطر اخر لا يقل اثرا عن الغضب وهو المقارنة لانها تسرق من الوعي صفاءه وتدفع الانسان الى ان يرى بيته بعين غيره لا بعينه ! لقد اصبح العالم اليوم يبيع للناس صورة مثالية عن الحياة حتى ظن كثيرون ان السعادة تعني غياب المشكلات وان الزواج الناجح هو الذي لا يعرف الخلاف بينما الحقيقة ان اجمل العلاقات ليست التي لم تختلف بل التي تعلمت كيف تختلف دون ان تكسر ما بينها.

وسائل التواصل لم تسرق استقرار البيوت لكنها صنعت مقاييس لا تشبه الواقع فصار البعض يقارن تفاصيل حياته بلحظات منتقاة من حياة الاخرين وينسى ان لكل بيت ابوابا مغلقة لا يراها احد وان خلف كل صورة جميلة حكايات من الصبر والتعب والتنازل وهكذا لا تعود المقارنة مجرد عادة عابرة بل تصبح سببا خفيا في اضعاف الرضا لان “النفس كلما ركضت خلف حياة الاخرين ابتعدت عن جمال حياتها هي” والعلاقة التي تعيش على المقارنة تموت ببطء لان المقارنة لا تشبع النفس بل تزيدها عطشا وكلما ركض الانسان خلف حياة الاخرين ابتعد عن النعم التي بين يديه وفقد القدرة على رؤية ما يمنحه بيته من سكينة لا تشترى ولا تستعار وعندما يتوقف عن المقارنة يعود ليرى البيت كما هو مساحة للطمأنينة لا ساحة للمنافسة

عندها يتضح ان البيت ليس مكانا للهروب من الحياة بل هو المكان الذي نستعيد فيه قوتنا لمواجهتها فاذا تحول الى ساحة خصام فقد الانسان اخر حصونه ولذلك فان اجمل هدية يقدمها الزوجان لبعضهما ليست المال ولا الهدايا ولا السفر بل شعور دائم بالامان وان هذا القلب سيظل مكانا صالحا للعودة مهما اشتدت الايام.

يجب معرفة وإدراك ان مفهوم البيت المنزل او مكان السكن اكثر من مجرد جدران وعقود ومظاهر اجتماعية بل ارواح اختارت ان تسير معا وما دام الحب يجد طريقه الى الحوار وما دام الاحترام يسبق الغضب وما دامت الرحمة اقوى من الكبرياء فان كل ازمة ستصبح درسا وكل عثرة ستزيد البناء رسوخا فالدرع الحقيقي الذي ينبغي ان نحتمي به ليس خلف ارائنا ولا خلف عنادنا بل خلف الرحمة وحسن الظن والتغافل والوفاء وتقديم ما يصلح البيت على ما يرضي الانا هنا فقط تنتصر البيوت وتبقى القلوب عامرة مهما تبدلت الفصول ولا يحرس البيت الجدار بل يحرسه قلبان يعرفان كيف يكونان ملاذا لا ساحة حرب.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com