
ش اس – صالح سالم
أكد صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن النظام العالمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية يواجه اليوم مرحلة من التصدع والتراجع، مشددًا على أن العودة إلى منطق موازين القوى وصراع الدول الكبرى ليست خيارًا مقبولًا، وأن الطريق الوحيد القابل للاستمرار يتمثل في إعادة هيكلة النظام الدولي ليصبح أكثر عدالة وشمولًا وتمثيلًا للواقع العالمي، في إطار تعددية حقيقية لمراكز القوة.
وأوضح سموه أن المنطقة العربية والإسلامية كانت من أكثر المناطق تضررًا من اختلالات النظام الدولي، مؤكدًا أن تحقيق السلام والاستقرار العالميين يظل مرهونًا باحترام القانون الدولي والاحتكام إلى مبادئ العقل والأخلاق والإنصاف.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها سموه بعنوان «النظام العالمي اليوم: رؤية إسلامية» في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، بدعوة من مدير المركز الدكتور فرحان نظامي، الذي أشاد الأمير تركي الفيصل بدوره في ترسيخ مكانة المركز بوصفه إحدى أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في الدراسات الإسلامية على مدى أربعة عقود.
واستحضر سموه كلمة جلالة الملك تشارلز الثالث التي ألقاها في المركز عام 1993م عندما كان وليًا للعهد، والتي أكد فيها أهمية تعزيز الروابط بين العالمين الإسلامي والغربي في ظل عالم تزداد فيه مستويات الترابط والتداخل.
ووصف سموه المشهد الدولي الراهن بأنه يتسم بقدر كبير من الاضطراب وعدم الاستقرار، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة وتراجع الالتزام بالقانون الدولي ومؤسساته. كما أشار إلى تحذيرات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من مخاطر استبدال «قوة القانون» بـ«قانون القوة»، وما يترتب على ذلك من إضعاف للنظام الدولي القائم على القواعد وزيادة معاناة الشعوب.
كما لفت إلى ما طرحه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حين وصف المرحلة الحالية بأنها تمثل «تمزقًا» للنظام الدولي القائم على القواعد، وليس مجرد مرحلة انتقالية.
واستعرض الأمير تركي الفيصل تطور النظام الدولي منذ عام 1945م، مشيرًا إلى نجاحه في الحد من الحروب بين القوى الكبرى والمساهمة في إنهاء الاستعمار وترسيخ مبادئ المساواة بين الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها. إلا أن هذا النظام، بحسب سموه، انتقل من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية، ثم إلى ما وصفه بـ«الأحادية الانفرادية» التي تجاوزت قواعد النظام الدولي وأضعفت فعاليته.
وأضاف أن الآمال كانت معقودة على أن تقود مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى نظام أكثر عدالة يجسد مبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان والحرية والمساواة، غير أن هذه التطلعات تراجعت مع تصاعد النزعات القومية والإرهاب الدولي، وما تبع أحداث الحادي عشر من سبتمبر من حروب وتدخلات عسكرية.
وأكد سموه أن الحروب التي شهدتها كل من العراق وأفغانستان، ثم غزة ولبنان وإيران، أسهمت في إنهاء مرحلة الأحادية القطبية دون أن تنهي النزعة الانفرادية في إدارة قضايا الحرب والسلم، مشددًا على أن العودة إلى منطق القوة والحروب الكبرى لا تمثل حلًا للأزمات الدولية، وأن العالم ليس بحاجة إلى حرب عالمية جديدة لإنتاج نظام دولي جديد.
ودعا سموه إلى إعادة هيكلة النظام الدولي بما يضمن عدالة التمثيل ومواكبة التحولات الديموغرافية والسياسية العالمية، متسائلًا عن غياب التمثيل الفاعل لمليارات البشر من المسلمين والهنود والأفارقة وشعوب أمريكا اللاتينية في مراكز صناعة القرار الدولي.
وأشار إلى أن العالم الإسلامي، وفي مقدمته المنطقة العربية، كان الأكثر تضررًا من اختلالات النظام الدولي عبر مراحله المختلفة، موضحًا أن القضية الفلسطينية تمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك، في ظل استمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
كما انتقد استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، معتبرًا أنه شكّل عائقًا أمام الجهود الرامية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وداعيًا إلى إصلاح منظومة اتخاذ القرار الدولي، بما في ذلك منح الجمعية العامة للأمم المتحدة دورًا تشريعيًا أكثر فاعلية لا يخضع لتعطيل الفيتو، إلى جانب مراجعة آليات استخدام هذا الحق في القرارات التنفيذية المرتبطة بقرارات سبق اعتمادها.
وتناول سموه التصعيد العسكري القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واصفًا إياه بأنه انعكاس خطير للاعتماد المفرط على القوة العسكرية، ومؤشر على تصاعد رؤى أيديولوجية متصارعة تسهم في تعقيد المشهد الإقليمي والدولي.
وأشار إلى أن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، دعا منذ البداية إلى تجنب الخيار العسكري، وهو الموقف الذي تبنته كذلك دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مؤكدًا أن استهداف دول الخليج رغم حرصها على عدم التصعيد يفرض ضرورة البحث عن حلول أكثر استدامة تحفظ أمن المنطقة واستقرارها.
وفي ختام كلمته، شدد الأمير تركي الفيصل على أن وجود نظام دولي فاعل وقائم على القواعد كان كفيلًا بتجنب كثير من الصراعات التي شهدها العالم منذ تأسيس الأمم المتحدة، مؤكدًا أهمية ترسيخ قيم العدالة والحوار والاحترام المتبادل بين الشعوب والأمم، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للجميع.

This site is protected by wp-copyrightpro.com