ثقافة الشكر بدل الحق… كيف سرقوا حقوقنا بالكلمات
23 يناير 2026
0
1089

صالح سالم

في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتقلّ فيه الأفعال، نشأت ثقافة جديدة لا تُدرّس في المعاهد ولا تُكتب في لوائح الموارد البشرية، لكنها تُمارَس يومياً بمهارة عالية: ثقافة الشكر بدل الحق.

ثقافة تُتقن استخدام الكلمات الناعمة لتخدير المطالب المشروعة، وتحويل الحقوق الواضحة إلى مجرّد عبارات مجاملة.

أصبحت كلمات مثل:

“نقدّرك”

“وجودك مكسب”

“ما قصّرت”

“نعتبرك من أعمدة العمل”

عملةً بديلة عن الترقية، وعن الزيادة، وعن الإنصاف، وعن أبسط أشكال العدالة الوظيفية.

المشكلة ليست في الشكر بحد ذاته، فالشكر قيمة إنسانية راقية، لكن الكارثة حين يُستخدم الشكر كبديل للحق، لا مكمّلاً له.

حين تتحول الكلمة إلى رشوة معنوية، تُسكِت بها الإدارات صوت الموظف، وتؤجّل بها استحقاقه، وتُقنعه أن الرضا اللفظي يكفي.

في كثير من الإدارات، يُكافأ الموظف المجتهد بمزيد من الأعباء، ويُثنى عليه بمزيد من الكلام، بينما يبقى راتبه ثابتاً، ومسمّاه الوظيفي جامداً، ومستقبله معلقاً على وعود لا تاريخ لها.

وحين يطالب بحقه، يُقابل باستغراب، وكأن السؤال عن العدل خيانة، وكأن المطالبة بالترقية جحود.

هنا يبدأ الخلل الأخطر:

يُصوَّر لك أن السكوت فضيلة، وأن المطالبة وقاحة، وأن الرضا بالقليل ولاء.

ويُزرع في ذهنك أن مجرد ذكرك لحقك قد ينسف كل ما قيل عن تقديرك.

والحقيقة التي لا يحبون سماعها:

التقدير الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل بالقرارات.

لا يُقاس بالثناء في الاجتماعات، بل بالإنصاف في العقود.

لا يُقاس بالتصفيق، بل بالترقية، وبالأجر العادل، وبالاحترام العملي لا الشفهي.

الأخطر من ذلك أن هذه الثقافة لا تسرق الحقوق فقط، بل تُعيد تشكيل الوعي.

تجعل الموظف يشك في نفسه:

هل أستحق فعلاً؟

هل طلبي مبالغ فيه؟

هل الصبر أفضل؟

حتى يصل إلى مرحلة يبرر فيها الظلم، ويدافع عن من ظلمه، ويقنع نفسه أن “غيره أسوأ حالاً”.

بهذه الطريقة، لا تحتاج الإدارات الظالمة إلى القمع أو التهديد، لأن الموظف نفسه يصبح حارساً على صمته، ومبرراً لحرمانه، وشريكاً غير واعٍ في استنزاف ذاته.

إن أخطر ما في ثقافة الشكر بدل الحق أنها تبدو أخلاقية، لكنها في جوهرها استغلال ناعم.

هي ظلم بلا صوت، وسلب بلا صراع، وإقصاء مغلف بالابتسامة.

ولن تتغير هذه المعادلة ما لم نُعيد ترتيب المفاهيم:

• الشكر لا يلغي الحق

• التقدير لا يغني عن الترقية

• الثناء لا يعوض الأجر

• الولاء لا يعني التنازل

فالعمل علاقة، وليس منّة.

والإخلاص قيمة، لا استغلال.

ومن لا يملك الشجاعة ليعطيك حقك، لا يملك الحق في مطالبتك بصمتك.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة مهما غُلّفت بالكلمات:

الحقوق لا تُمنح بالشكر… بل تُحفظ بالعدل.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com