
د. نواف مستور المذاهبي
جلستُ في العيادة،
لكن هذه المرة لم يكن أمامي مريض واحد…
كانوا كُثُرًا.
جلس السكري أولًا، هادئًا ومنضبطًا،
وبجانبه ضغط الدم متوترًا لا يتوقف عن الحركة،
وفي الزاوية جلس الألم المزمن صامتًا،
بينما كان القلق يملأ المكان بالكلام.
سألتهم:
لماذا أنتم هنا دائمًا؟
قال السكري:
لستُ مفاجئًا كما يظنون، أنا نتيجة سنوات من الإهمال، جئتُ لأعلّم التوازن… لكنهم يرونني عقابًا.
وأضاف بهدوء: لو فهموني، لكنتُ أقل قسوة.
وتدخّل ضغط الدم وقال:
أنا لا أرتفع فجأة، أنا مرآة لما يكتمه الإنسان،
وللغضب الغير معلن،والضغوط التي لا يُفصح عنها.
ثم قال ساخرًا:
يلومون الملح… وينسون الحياة.
رفع الألم المزمن رأسه وقال:
أنا الأكثر ظلمًا، فحوصاتي غالبًا طبيعية،
فيشكّون بوجودي ولكنني حقيقي،
أعيش بين الأعصاب والذاكرة،
وأكبر كلما زاد الإنكار.
أما القلق فابتسم وقال:
أنا الأكثر حضورًا، والأقل فهمًا.
وأضاف بسرعة:
لستُ ضعفًا، أنا خوف لم يُحتوَى
وتنبيه أُهمل طويلًا.
سألتهم جميعًا: ماذا تريدون من الإنسان؟
أجابوا بصوت واحد:
أن يستمع قبل أن نضطر للصراخ،
أن يغيّر نمط حياته لا دواءه فقط،
وأن يفهم أن الشفاء ليس دائمًا اختفاء المرض
بل حسن التعايش معه.
نختم ونقول :
الأمراض المزمنة ليست ضيوفًا عابرين، ولا أعداء دائمين، بل رسائل طويلة المدى من يفهمها تخف وطأتها، ومن يعاندها تطيل البقاء، فالطب ليس مواجهة فقط، بل حوار صادق مع الجسد.
This site is protected by wp-copyrightpro.com