
صالح سالم
كثيراً ما نقول إن رمضان شهر التغيير، وأن الإنسان يخرج منه أفضل حالاً.
لكن الواقع يقول إن رمضان لا يغيّر الناس بقدر ما يُظهر حقيقتهم.
فحين يقلّ الأكل، وتهدأ الشهوات، ويبقى الإنسان مع نفسه، تبدأ الطباع بالظهور.
في رمضان، نصوم عن الطعام، لكن ليس كلنا يصوم عن الأذى.
نمسك عن الشراب، لكن بعضنا لا يمسك عن الكلمة الجارحة، أو عن التضييق على الآخرين، أو عن القسوة التي يبررها بالتعب والصيام.
رمضان لا يصنع الصبر من العدم، لكنه يُظهر من كان صبوراً في الأصل.
ولا يصنع الرحمة، لكنه يكشف من يحملها فعلاً، ومن يستخدمها فقط حين تكون مريحة له.
تأمل من حولك:
من يهدأ في رمضان؟
ومن يزداد عصبية؟
من يخفف عن الناس؟
ومن يثقل عليهم بحجة الصيام؟
هنا تتضح الصورة.
في العمل، من المفترض أن يكون رمضان شهراً للتفهّم والتخفيف، لكنه عند البعض يتحول إلى ضغط إضافي.
تُرهق الفرق، وتكثر الطلبات، ويُطلب من الموظف أن يكون صائماً، ومنتجاً، ومتحملاً، وصامتاً في الوقت نفسه.
وفي الشارع والبيت، وفي أبسط المواقف اليومية، يظهر التعامل الحقيقي.
هناك من يلين، ومن يشتد.
من يبتسم، ومن يجعل الصيام عذراً لسوء الخلق.
العبادة الحقيقية لا تقف عند الجوع، بل تبدأ من كف الأذى.
ومن لم يتغير تعامله مع الناس في رمضان، فلن يغيّره الامتناع عن الطعام وحده.
فما فائدة صيام لا يخفف حدتنا؟
وما فائدة قيام لا يعدل سلوكنا؟
وما فائدة عبادة لا تُصلح علاقتنا بالآخرين؟
رمضان ليس شهراً نتحمل فيه أكثر، بل شهر نراجع فيه أنفسنا.
ليس وقتاً لعرض أفضل صورة مؤقتة، بل مرآة تكشف ما نخفيه طوال العام.
ومن فهم رمضان على حقيقته، لم يسأل:
هل تغيّرت؟
بل سأل نفسه بصدق:
ماذا كشف هذا الشهر عني؟
لأن البداية دائماً من الصدق…
ورمضان، لمن أراد، فرصة صادقة.
This site is protected by wp-copyrightpro.com