
*طارق مبروك السعيد*
تتعاقب الأيام بما تحمله من سرّاء وضرّاء، وتمضي بنا الحياة سريعًا، ونحن نسير في دروبها مسيَّرين لا نملك من أقدارنا إلا الرضا والتسليم. حين يكتب القلب قبل القلم لا نعلم ما تخبئه لنا الغدوات (من زوال الشمس إلى غروبها)، ولا متى تتحول الذكريات إلى وجعٍ ساكنٍ في القلب.
بالأمس كنا أطفالًا نعيش في كنف والدينا – رحمهما الله – نستظل بحبّهما ودفئهما، ونحسب أن وجودهما دائم لا يزول. ثم تمضي الأعوام، وتغيب الوجوه، ويبقى الأثر… أثرٌ لا تمحوه الأيام، ولا تطفئه المسافات.
ومع قدوم شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة، تعود إلينا تلك الوجوه أكثر حضورًا، كأنها تجلس معنا على موائد الإفطار، وكأن أصواتها ما زالت تتردد في المجالس. نتذكر ضحكاتهم، دعواتهم، وصمتهم المطمئن، فنشعر بأن الحنين في رمضان مختلف… أعمق… وأصدق.
إنه شوقٌ ممزوج بالرضا، وحزنٌ يرافقه تسليم بقضاء الله وقدره. نؤمن أن رحمة الله أوسع من فقدنا، وأن من سبقونا إلى الدار الآخرة قد انتقلوا إلى جوار ربّ رحيم، أكرم وأبقى.
رمضان يعيد ترتيب المشاعر في قلوبنا، يعلّمنا أن الفقد ليس نهاية العلاقة، بل بداية الدعاء. وأن البرّ لا ينقطع بالموت، بل يستمر صدقةً جارية، وذكرًا طيبًا، واستغفارًا صادقًا في جوف الليل.
ومن بين الراحلين الذين يزداد حضورهم في رمضان، زوجةٌ شاركتني سنوات العمر، وكانت شريكة الدعاء قبل الإفطار، ورفيقة السحور، وسند الحياة. رحلت إلى الرحيم بعباده قبل أكثر عامين، لكن أثرها لم يرحل… فكل زاوية في البيت تهمس باسمها، وكل أذان مغرب يعيد صوتها إلى القلب قبل الأذن.
فقدان الأحبة موجع، نعم… لكنه في رمضان يتحوّل إلى دعاء، وإلى يقين بأن اللقاء حق، وأن الجنة موعد لا يخلفه الله لعباده الصابرين.
نسأل الله أن يجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وأن ينيرها بنور رحمته، وأن يكتب لهم أجر الصيام والقيام، وأن يجمعنا بهم في مستقر رحمته حيث لا فراق بعده ولا حزن.
اللهم اغفر لهم وارحمهم، ونقّهم من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، واجمعنا بهم في جنات النعيم على حوض نبيك محمد ﷺ.
This site is protected by wp-copyrightpro.com