
سلطان سعيد
كغيرها ممن تسلطت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عليهم وحيدتهم وأبعدتهم عن الزمان والمكان ساعة الحائط ولمن لم يعاصر هذه الجميلة فقد كان لها في البيوت القديمة سلطة غير معلنة تشبه سلطة كبار العائلة لا تتحدث كثيرا لكنها حين تتكلم يسمعها الجميع صوتها تك تك لم يكن مجرد حركة ميكانيكية بل كان بيان حضور دائم يذكرك ان الزمن لا يجامل ولا ينتظر احدا
كانت معلقة في مكان استراتيجي لا يختاره الديكور بل تفرضه الهيبة صدر المجلس او منتصف الصالة بحيث تقع تحت بصر الجميع حتى من لا يريد ان ينظر اليها يجد نفسه يتفقدها كأنها تراقبه وتكتب تقريرا يوميا عن التزامه وتأخره
الاب كان يتعامل معها كحليف استراتيجي يبرر بها قراراته ويضبط بها مواعيده والام كانت تتخذها مرجعا اخلاقيا اذا تأخر الابن دقيقة واحدة اصبحت الساعة شاهدا رسميا في القضية الاطفال بدورهم كانوا ينظرون اليها كعدو خفي يسرق وقت اللعب دون استئذان
ولساعة الحائط طقوس لا تقل اهمية عن وجودها اذا بدأت تدق في منتصف الليل او عند اكتمال ساعة معينة يصمت البيت للحظة كأن الجميع يستمع الى خطاب رسمي عدد الدقات ليس مجرد رقم بل رسالة مشفرة يعرفها الجميع دون ترجمة
اما اذا توقفت هنا تبدأ الدراما الحقيقية حالة استنفار عائلي الاب يحضر الكرسي ويقف امامها بثقة المهندس الخبير رغم انه لم يصلح شيئا منذ سنوات يفتح الغطاء الخلفي بنظرة عميقة وكأنه يفهم لغة التروس الام تراقب المشهد وتطلق تعليقات بين التشجيع والقلق الاطفال يقفون في الخلف بترقب هل ستنجح العملية ام سنعيش في زمن بلا زمن
واذا عادت للعمل فجأة يشعر الجميع بانجاز جماعي وكأنهم اعادوا تشغيل الكون نفسه اما اذا فشلت تبدأ مرحلة الاتهامات من الذي لمسها اخر مرة ومن الذي اسقطها ومن الذي دعا عليها بالتوقف
ولم يكن الامر يقف عند هذا الحد حتى ضبط الوقت كان طقسا مستقلا له قوانينه اذا تقدمت دقيقة واحدة فهذه كارثة ادارية تستدعي اعادة معايرة دقيقة واذا تأخرت تصبح حجة لتبرير كل تأخير في المنزل لعدة ايام قادمة
ثم جاء العصر الحديث بكل هدوء وسحب البساط من تحتها دون حتى ان يودعها اختفى صوت تك تك وحل محله صمت رقمي بارد الوقت اصبح ارقاما تضيء وتنطفئ على الشاشات لا صوت لا حضور لا شخصية لا احد يرفع رأسه الى الجدار بل الجميع ينحني نحو الهاتف وكأن الزمن انتقل من السماء الى الجيوب.
الاغرب اننا اليوم نعيش محاطين بالساعات اكثر من اي وقت مضى ساعة في الهاتف وساعة في السيارة وساعة في اليد وساعة في كل جهاز لكننا فقدنا الاحساس بالوقت نفسه لم يعد هناك ذلك التوتر الجميل الذي تصنعه الدقائق وهي تتحرك ببطء امام عينيك بل اصبح كل شيء سريعا لدرجة اننا لا نشعر به
ساعة الحائط القديمة لم تكن مجرد اداة قياس بل كانت مدرسة في الانضباط ومسرحا صغيرا للعلاقات العائلية ووسيلة ضغط نفسي خفيفة الظل كانت تذكرنا ان لكل شيء وقته حتى الشاي له موعد والحديث له موعد والنوم له موعد
اليوم لا يوجد موعد حقيقي كل شيء قابل للتأجيل وكل تنبيه يمكن تجاهله بضغطة زر لم نعد نخاف من تأخر الوقت بل اصبح الوقت هو الذي يلاحقنا باشعارات لا تنتهي
ربما المشكلة ليست في اختفاء ساعة الحائط بل في اختفاء الطقوس التي كانت تمنح الوقت معنى انساني بسيطا كنا نعيش مع الزمن لا بجانبه نسمعه ونراه ونحس به اما الان فنحن نحمله في جيوبنا لكننا بالكاد نشعر بوجوده
وفي زاوية ما من بيت قديم ربما لا تزال ساعة حائط معلقة تصدر صوتها العنيد تك تك غير عابئة بكل هذا التطور تذكر من يسمعها ان الزمن الحقيقي ليس في الشاشة بل في ذلك الصوت البسيط الذي كان يوما ما يضبط ايقاع الحياة كلها.
This site is protected by wp-copyrightpro.com