
احمد علي الزهراني
هناك ذكريات لا تمضي مع الأيام، ولا تغيب مهما ابتعدنا عنها؛
تبقى في القلب كما هي، تحمل رائحة المكان، ودفء الطفولة، وأصوات الأحبة.
نعود إليها بين حين وآخر، فنجد أنفسنا ما زلنا أولئك الأطفال الذين عاشوا أجمل الأيام ببساطتها، وضحكاتها، وشوارعها القديمة.
ذكريات لا يطويها الزمن… لأنها سكنت القلب قبل أن يسكنها الماضي. قادني قلبي إلى مكان بيتنا، إلى حارتنا القديمة…
حيث كانت طفولتي، وذكرياتي، وأجمل أيام العمر.
وقفت هناك، فإذا بالمكان ما زال يسكن في القلب،
وكأن السنين لم تمر، وكأن خطواتي الصغيرة ما زالت تتردد في أزقته.
هناك، حيث تركت جزءًا من روحي، عدت اليوم لأستعيد بعضًا من ذكريات لا يطويها الزمن.
وقفت على اطلال بيتنا الذي شهد مولدي ونشأتي وطفولتي وشبابي اقلب صفحات الماضي الذي تتطاير منه الذكريات المؤرقة والجميلة واتذكر (ابي –امي –اخوتي-عائلتي -جيراني –اصحابي –زملائي كلُّ ذرةٍ من تراب بيتنا تحكي قصة. هنا ضحكنا يوماً ملء قلوبنا، وهنا تركنا جزءاً من أرواحنا، لتبقى الحجارة الصامتة شاهدةً على أيامٍ لن تعود.” أرخيتُ قبضتي تدريجياً، ليتساقط الترابُ من بين أصابعي ويعود إلى أصله، تماماً كما عادت تلك الأرواح التي أحببتها إلى بارئها. أغمضتُ عيني لثوانٍ، واستنشقتُ أنفاس المكان الأخيرة، وكأنني أستودع أهلي والحارة كل ما خبا في صدري من كلامٍ لم يُقال. في بيتِنا، لم تكن الساعةُ معلّقةً على الجدار، بل كانت في قلبِ أمي.. كانت لا يرتاحُ لها بالٌ حتى نعود، تحسبُ الخطواتِ بالدُّعاء، وتعدُّ الدقائقَ بالانتظار، كأنَّ أمانَ العالمِ كلِّهِ يتوقَّفُ على عودتِنا، ، كانت أمي هي الروحَ التي تُحيي جدرانَهُ، والضوءَ الذي لا يَنطفئ. وصوتُ خطواتِها الهادئةِ يُخبرُنا أنَّنا في أمانٍ تام، كان والدي يملأُ البيتَ بحكمتِهِ ويمنحُنا من هيبتِه وطِيبِتهِ قوّةً ونوراً.
استدرتُ ببطء وابتعدتُ عن موقع بيتنا بخطواتٍ ثقيلة، يتبعني صمتٌ أبلغ من كل مرثية. لم ألتفت ورائي، ليس زهداً بالذكرى، بل لأنني علمتُ حينها أنني أترك قلبي هناك.. بين شواهد الحاره ، وقفت متأملا ناظرا الى بقايا تلك الحارة لم يبقى منها سوى مقبرة شاهر الأولى والثانية الأموات هم من بقيو اما الاحياء فهم من رحلوا كان الهدوء سيد المكان ، لا يوجد به أحد غيري ، لا أعلم ما الذي حدث لي ، شعرت برغبة شديدة في الصراخ سرحت بخيالي وعيناي توجهاني نحو الشاهرية وزيد بن حارثه وأبو عبيده وحراء المتوسطة ذكريات الدراسة تجلت لي
في لحظات أعود بأفكاري لذلك الزمن الجميل وأفتش بين ثناياه عن سعادتنا وتأخذني الأحاسيس إلى أحلامنا وأرى الثواني تمضي من أمامنا ولا زال نفس الشعور فينا ودفاترنا لا زالت مملوءة برسم طفولتنا ومقاعدنا لا زالت تحوي دفئ حكاياتنا ومشاغباتنا وجدنا وهزلنا .وكأني اشاهد شريط سينمائي ابتداء من قصر خزام حيث كان المتنفس الوحيد لأهل النزلة حيث المساحات الخضراء التي تزينها نبات الخزامى واشجار النخيل الباسقة ويحتضنه قصر يفوح منه عبق التاريخ (قصر الملوك ) قصر خزام ويقف امامه ذلك البرج الشامخ والمعلم الشهيرولن انسى ذلك الملعب الذي يحتضنه قصر خزام (ملعب الصخرة) وملعب الشبك الذي اشبه ما يكون بمعسكر رياضي يضم ابرز فرق النزلة اليمانية والشرقية والحارات المجاورة كانت هذه الملاعب شاهدةً على أجمل أيام طفولتي…
كنت أذهب إليها تحت شمسٍ حارقة، لا أبالي بحرارتها ولا بطول ساعات اللعب. أظل هناك حتى يحين وقت المغرب، ثم أعود إلى البيت متعبًا، وقد غطّى الغبار ملابسي وامتزج العرق بوجهي، وثيابي من شدة ما أصابها من اللعب تبدو وكأنني أحد عمال المناجم العائدين من يومٍ شاق.
لم تكن لدينا في ذلك الوقت وسائل الترفيه الكثيرة التي نراها اليوم، لكننا كنا نملك شيئًا أثمن… طفولةً بسيطة، وقلوبًا سعيدة، وذكريات لا تزال تعيش معنا حتى اليوم.
ما أجمل تلك الأيام… وما أجمل أن يعود الإنسان بذاكرته إليها، ولو للحظات. ثم نقلني خيالي صوب الشاهرية حيث المجمع التجاري المصغر الذي يلبي كل احتياجات اهل النزلة اما المساجد فما زال صدى أصوات المأذن يعطر مسامعنا مسجد باريان-مسجد الزاهد ومسجد شاهرولن انسى المصدر الرئيسي للمياه البازان الواقع على مقربه من عمارة محمد عبدها
رحلة البازان العظيمة
البازان لم يكن مجرد خزان أو عين ماء ، بل كان شريان الحي ومركز التجمع واللقاء، حيث تتبادل فيه الأخبار، وتلتقي فيه القلوب قبل الوجوه. أما السقا، فهو ذلك الرجل الذي أخذ على عاتقه مهمة جليلة؛ يحمل “القربة” أو “الصفيح” على ظهر حماره أو على كاهله،
كنت ارافق والدي الى هذه التظاهره المائيه كان يعطيني شعوراً بالأمان والرجولة المبكرة، وكأني الشريك الأصغر في رحلة البازان العظيمة.العوده كانت البهجه لي وانا امتطي صهوة الحمار يلتفتُ إليّ والدي بين الحين والآخر، تلمع عيناه بابتسامه كانت تلك الابتسامة تسير بجانبي خطوة بخطوة، بينما أتمايل فوق ظهر الحمار الذي يمشي بهدوء وكأنه يشاركنا اللحظة. كنتُ أشعر في تلك الأثناء بأني ملكتُ العالم بأسره لم يكن الحمار مجرد وسيلة نقل، بل كان بالنسبة لك بمثابة “جواد أصيل” الوح لأصحابي بنصر وهمي ولذة لا توصف. تلك النظرة المغرورة المحببة التي القيها على أصدقائي وهم ينظرون إلي بشغف وتمنٍّو أن يكونوا في مكاني، كانت تساوي الدنيا وما فيها.
بعد ان يفرغ السقا ذلك البرميل في خزان بيتنا يبدأفي توثيق حسابه يخط خطاً واحداً بالفحمة على الجدار بجانب الباب. دفتر الحساب الثنائي: الخطوط (أو الشخطات) كانت أصدق تعبير عن الثقة المتبادلة. لا السقا يزود خطاً من عنده، ولا صاحب البيت يمسح خطاً! وفي نهاية الشهر (أو عند الميسرة)، يأتي السقا، ويُعد الحصاد: يجمع الشخطات المكتوبة بالفحم، ويُدفع له والدي أجره، كانت الفحمة أصدق من ألف توقيع، والجدار أفضل من مئة عقد.
سؤال كان يلوح في خاطري بعد هذه السنين الطويله كيف لهذا البرميل يكفي لعائله كبيره
السر لم يكن في كمية الماء، بل كان في فلسفة الاستهلاك وطريقة الحياة في ذلك الوقت. كانت هناك بركة” عجيبة وإدارة صارمة لكل قطرة: في ذلك الزمن، كان الماء يُعامل كأثمن ممتلكات البيت.
هكذا هي الأيام تُخلق لتكون ذكريات وهكذا نحن لم نكن سوى ذكريات حفرناها داخل أعماقنا وصوراً حفظناها في عيوننا، حنين عظيم حبسناه داخلنا، والأشواق باتت واضحة بكلماتنا، الدروب التي مشيناها أيام صبانا
أخذنا الفرحة لنرحل مع أرواحهم بالحب وجنـة اللقاء، فاحتلوا القلب، فكان الحب من أسمى عطاياهم، والتسامح والرقة، من أجل أرواحاً احتضنتهم بالحب، فشاركونا أحزان وأفراح، ودموع وابتسامات، كم قضينا تلك الأحاسيس معاً نتفق ونختلف، نتحادث ونبكي، نُزين الشوق بأرق مشاعرنا، حتى تأتي تلك الغيمة السوداء لـتمطرنا سحابة الفراق، كأن الزمان ضاق بنا ويود التخلّص منا، يأتينا ذلك الشبح المخيف، الذي يحمل اسماً دائماً كنت أخشاه إنّه شبح الرحيل، يأتينا فجأة لينزع روحاً استوطنت فينا ليذيقنا الألم والآه، تاركاً لنا مساحة من الذكرى الدامعة، فيلبس الكون السواد ويعلن الإحساس الحِداد.
يأهل حارتي (النزلة) يامن كتبتوا أسمائكم على صفحات قلوبنا
قد تأخذنا الظروف بعيداً، وإلى حيث لا نعلم، وتشغلنا زحمة الحياة، وكل منا يبحث فيها عن الاستقرار والطمأنينة، ولكن رغم هذا وذاك تبقى لكم ذكرى طيبة بالنفس واوقات جميلة تقاسمناها معكم، تتخزن بالذاكرة كَذكرى طيبة مُغلفة بالحب، ومُزينة بالود والوفاء والأخوة وتبقى الأرواح متعلقة ببعضها. إذا غبتم عن العين فمكانكم في القلب
This site is protected by wp-copyrightpro.com