الانشغال الدائم … هل نحن نعمل أم نهرب؟
07 يناير 2026
0
4752

صالح سالم

أصبح الانشغال جزءًا من حياتنا اليومية، نردده كثيرًا حتى دون أن نفكر فيه. نقول “مشغول” وكأنها إجابة كافية، بينما السؤال الحقيقي لا يُطرح: هل هذا الانشغال ناتج عن عمل حقيقي، أم أنه مجرد وسيلة للهروب من التوقف والتفكير؟

نقضي أيامنا بين مهام متتابعة، واتصالات لا تنتهي، ورسائل تلاحقنا في كل وقت. نتحرك كثيرًا، لكننا أحيانًا لا نعرف إلى أين نتجه. فليس كل انشغال إنجازًا، ولا كل حركة تقدمًا.

التوقف بات أمرًا مزعجًا للبعض، لأن التوقف يعني مواجهة النفس. يعني أن نسأل أنفسنا: هل نحن راضون عما نفعله؟ هل ما نبذله من وقت وجهد يقودنا فعلًا إلى شيء نريده؟ لذلك نفضّل الانشغال المستمر، لأنه أسهل من التفكير، وأخف من المواجهة.

المجتمع بدوره يعزز هذه الفكرة. فالشخص المنشغل يُنظر إليه على أنه ناجح ومجتهد، بينما من يطلب وقتًا للراحة أو التفكير قد يُساء فهمه. وكأن الهدوء ضعف، وكأن التوازن تقصير. هكذا يتحول الانشغال إلى قيمة، لا يُسأل عن معناها بقدر ما يُمدح شكلها.

المشكلة ليست في العمل، فالعمل ضرورة، وهو جزء أساسي من حياتنا. المشكلة حين يصبح العمل غطاءً نختبئ خلفه، نهرب به من أسئلة مؤجلة، أو من قرارات لم نملك شجاعة اتخاذها. عندها نفقد الإحساس بالهدف، ونستبدله بشعور مؤقت بأننا “مشغولون”.

ومع مرور الوقت، يكتشف الإنسان أنه استهلك طاقته في الحركة فقط، دون أن يشعر بالإنجاز الحقيقي. تعب كثيرًا، لكنه لم يتقدم كما كان يتمنى، لأن الاتجاه لم يكن واضحًا منذ البداية.

ربما لسنا بحاجة إلى مزيد من الانشغال، بل إلى قدر من الشجاعة. شجاعة التوقف، ومراجعة الطريق، وسؤال أنفسنا بصدق: هل نعمل لأننا نعرف إلى أين نذهب، أم لأن الانشغال صار ملاذًا نختبئ فيه من مواجهة الحقيقة؟ فالخسارة الحقيقية ليست في ضياع الوقت، بل في أن نمضيه هاربين دون أن نشعر.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com