القوة الناعمة وسلاح الحدين: كيف شكلت منصات التواصل واقع المنتخب السعودي في المونديال؟
28 يونيو 2026
0
1188

عزة الغامدي

منذ أن أطلق موقع “ماشابل” العالمي المبادرة الأولى للاحتفاء بـ اليوم العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي في الثلاثين من يونيو عام 2010، لم يكن العالم يدرك أن تلك الشاشات الصغيرة ستتحول في غضون سنوات قليلة من مجرد منصات للدردشة العابرة، إلى أقوى برلمان رقمي مفتوح يقود السياسة، ويوجه الاقتصاد، ويعيد هندسة قضايا الرأي العام. اليوم، ونحن نقف في قلب هذا الفضاء الافتراضي الشاسع، ندرك تماماً كصنّاع للكلمة وإعلاميين، أن “التغريدة” لم تعد نصاً مجرداً، بل تحولت إلى أداة لإدارة القوة الناعمة وصناعة السجال الإقليمي والدولي، وهي سلطة تفرز أثراً حاداً ومباشراً يتأرجح باستمرار بين البناء والهدم.ولعل الساحة الرياضية، وتحديداً الأداء الأخير لـ المنتخب السعودي في نسخة كأس العالم الحالية 2026، تمثل النموذج الأبرز والمختبر الحي لقياس مدى قوة وتأثير هذه المنصات في وجدان المجتمع.

نبض الشارع الرقمي.. حين يصبح الهتاف عابراً للقارات

لقد شهدنا خلال المونديال كيف تحولت الحسابات والوسوم إلى ساحات خضراء موازية للمستطيل الأخضر. الشعب السعودي بكافة أطيافه ونخبه وجماهيره، لم يكتفِ بالمشاهدة، بل قاد ملحمة رقمية جسدت مفهوم القوة الناعمة للمملكة بأبهى صورها.إن الإشادات العالمية والمحلية التي رافقت الحضور السعودي، والتفاعل الجماهيري الطاغي عبر المنصات، أثبتت أن الرسالة الثقافية والرياضية للسعودية قادرة على اختراق الحدود والتأثير في الرأي العام الدولي بلمحة عين. هذا التلاحم الشعبي خلف الشعار لم يكن مجرد تشجيع، بل كان استعراضاً لوعي مجتمعي وشغف استثنائي أبهر العالم.

سلاح ذو حدين: بين الدعم الجارف وضغط المنصات

ومع ذلك، تضعنا الحقيقة بمرآتها الناصعة أمام الوجه الآخر للعملة؛ فوسائل التواصل هي سلاح ذو حدين بامتياز. في مقابل هتافات الدعم والمطالبات الإيجابية بالتطوير والإصلاح، يبرز أحياناً الجدل العقيم والضغط النفسي المسلط على اللاعبين.إن التدفق اللحظي للآراء، والنقد غير الممنهج الحاد في لحظات الإخفاق، يشكل عبئاً ذهنياً ثقيلاً على النجوم.
اللاعب اليوم لم يعد يعود إلى غرفته ليراجع أخطاءه مع المدرب فحسب، بل يفتح هاتفه ليجد نفسه تحت مجهر ملايين النقاد والمحللين والجماهير الغاضبة.

الأثر على المستقبل: هندسة واقع الصقور

هذا الزخم الرقمي والهتافات المتواصلة عبر المنصات تترك أثراً عميقاً يمتد لـ مستقبل اللاعبين خاصة والمنتخب عامة:على مستوى اللاعبين: إن المطالبات الجماهيرية الواعية بالاعتماد على المواهب الشابة أو تصحيح الأخطاء تمثل “ترمومتر” حقيقي للاعب يستمد منه دافعيته. في المقابل، فإن المبالغة في التمجيد أو التحطيم قد تصنع فجوة في استقرارهم النفسي والاحترافي.على مستوى المنتخب والمنظومة: إن قوة الرأي العام الرقمي أصبحت شريكاً غير رسمي في صناعة القرار الرياضي. المطالبات البناءة والمقالات الرصينة تساهم في تسليط الضوء على مكامن الخلل وتدفع ببوصلة التخطيط نحو استراتيجيات أكثر استدامة لرفع كفاءة “الصقور الخضر” في الاستحقاقات القادمة.

الوعي الرقمي كمسؤولية وطنية

إن مدى إيجابية هذه الهتافات والمطالبات عبر المنصات يكمن في عقلنة العاطفة. عندما يتحول النقد الرقمي من الإحباط الشخصي إلى التحليل البناء، ومن تصيّد الأخطاء إلى الدفع نحو التميز، تصبح وسائل التواصل الاجتماعي وقوداً حقيقياً للبناء والنهضة الرياضية.في يومها العالمي، ستبقى وسائل التواصل الاجتماعي القوة الفضفاضة والمؤثرة، والرهان يظل دائماً على وعي الأقلام الصحفية والإعلامية التي تقود الدفة، وعلى وعي الجمهور الذي يملك بـ “تغريدة” واحدة قدرة المساهمة في صياغة مستقبل جيل رياضي كامل.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com