الهجرة…إلى الله .. الهجرة…. من وطن …إلى …..وطن
24 سبتمبر 2026
0
693

لم أفهم الحياة يوم غادرت جدة إلى نيويورك…

كنت أظن أنني أغير قارة، ولم أكن أعلم أن الله كان يغيّر رؤيتي للوجود كله.

أتذكر تلك اللحظة كما لو أنها تحدث الآن.

وقفت أمام نافذة الطائرة، وكانت المدينة التي ولدت فيها تصغر شيئًا فشيئًا، حتى ابتلعها الأفق. في تلك اللحظة شعرت أنني أودع مكانًا، لكن السنوات علمتني أن الإنسان لا يغادر المدن، بل تغادره النسخة التي كان يعيش بها.

لم تكن الرحلة من الشرق إلى الغرب…

بل كانت من اليقين الذي تصنعه العادة، إلى اليقين الذي يولد بعد الانكسار.

ولم أكن أعلم أن الله يخبئ لي من الدروس ما لا يمكن أن يتعلمه إنسان في جامعة، ولا في كتاب، ولا على يد فيلسوف.

مرت الأعوام…

ولم تمضِ وحدها.

كانت تأخذ معها في كل عام شيئًا مني.

أحبة رحلوا.

وأبواب أغلقت.

وأحلام تبدلت.

وجسد عرف المرض.

وروح تعلمت كيف تبكي بصمت حتى لا يسمعها أحد إلا الله.

وفي كل مرة كنت أظن أنني بلغت أقصى ما تستطيع النفس احتماله، كانت الحياة تفتح بابًا جديدًا من الامتحان، حتى أدركت أن الله لم يكن يختبر قدرتي على الصبر، بل كان يحررني، طبقة بعد طبقة، من كل ما كنت أظنه أنا.

كم هو غريب هذا الإنسان…

يبني تعريفه لنفسه من الأشياء التي يمكن أن يفقدها.

يقول: أنا صحتي…

ثم يمرض.

أنا مالي…

ثم يخسره.

أنا منصبي…

ثم يتركه.

أنا أولادي…

ثم يكتشف أنهم أمانات يعبرون طريقهم إلى الله، لا إلى ملكيته.

حتى إذا تهاوت هذه التعريفات واحدة تلو الأخرى، وقف عاريًا أمام الحقيقة الأولى…

أنه لم يكن يملك شيئًا منذ البداية.

وأن الشيء الوحيد الذي بقي معه في كل المراحل…

هو الله.

ولذلك كانت أعظم لحظة في حياتي، ليست يوم تحقق حلم، ولا يوم نجوت من محنة.

بل يوم بدأت أفهم معنى قوله تعالى:

﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.

سنوات طويلة كنت أقرأها كما يقرأها ملايين المسلمين.

لكنني لم أعشها.

ثم جاء الابتلاء…

فأصبحت أراها بعين أخرى.

الصمد…

هو الذي لا يحتاج إلى شيء، بينما يحتاج إليه كل شيء.

الشمس تحتاج إلى أمره لتشرق.

والمجرة تحتاج إلى إرادته لتبقى معلقة في فضاء لا أعمدة له.

والذرة تحتاج إلى إذنه حتى لا يتفكك عالم المادة كله.

وأنا…

ذلك الكائن الضعيف الذي يظن أحيانًا أنه يدير حياته…

لم أكن أتنفس إلا لأنه أذن للنفس أن يدخل، ثم أذن له أن يخرج.

فكيف انشغلت بالمخلوق أكثر من الخالق؟

وكيف منحت قلبي لأشياء كتب الله عليها الفناء، ثم تعجبت حين كسرتني؟

يا الله…

كم كانت رحمتك واسعة حين أخذت مني ما كنت أظنه حياتي، لتردني إلى الحياة التي لا تموت.

وكم كنت كريمًا حين أغلقت أبوابًا، لأنك كنت تريد أن تفتح لي باب معرفتك.

لقد اكتشفت أن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه، ليس ارتكاب الأخطاء.

بل أن يوزع انتباهه على كل شيء، إلا على الله.

والانتباه ليس مجرد نظر…

الانتباه عبادة.

لأن القلب يسجد دائمًا لما يكثر الالتفات إليه.

فمن أكثر الالتفات إلى الناس، عاش أسير رضاهم.

ومن أكثر الالتفات إلى الخوف، عبد المستقبل.

ومن أكثر الالتفات إلى المال، صار فقيرًا مهما ملك.

أما من أكثر الالتفات إلى الله…

فقد خرج من كل السجون وهو ما يزال يمشي على الأرض.

عندها فقط بدأت أفهم سر القرآن.

لماذا يدعونا الله دائمًا إلى النظر.

انظروا إلى السماء…

إلى الليل…

إلى الجبال…

إلى البحر…

إلى أنفسكم…

لم يكن الله يعلّمنا علم الفلك.

كان يعيد ترتيب وعينا.

فالكون كله يصرخ بحقيقة واحدة…

لا شيء قائم بنفسه.

كل شيء قائم بالله.

المجرة لا تحمل نفسها.

والأرض لا تثبت نفسها.

وقلبك لا ينبض بنفسه.

حتى الفكرة التي تعبر عقلك الآن…

ما كانت لتعبر لولا أن الله شاء لها أن تعبر.

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.

القيوم…

الكلمة التي لو تدبرتها الإنسانية حقًا، لانتهت نصف مخاوفها.

فكل ما تخاف عليه…

يقوم بالله.

وكل ما ترجوه…

بيده.

وكل ما فقدته…

لم يكن خارج علمه.

وكل ما ينتظرك…

لن يأتي قبل وقته، ولن يتأخر عن حكمته.

يا رب…

علّمني أن أنظر إلى الأحداث كما تنظر إليها حكمتك، لا كما تراها مخاوفي.

واجعلني كلما ضاقت بي الأرض، اتسعت بك.

وكلما تكاثفت حولي الأسباب، رأيت فوقها مسبب الأسباب.

وكلما ارتفع ضجيج العالم، سمعت في أعماقي نداءك:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾.

الآن فقط…

بعد رحلة عمر، أدركت أن أعظم هجرة ليست من وطن إلى وطن.

ولا من قارة إلى قارة.

ولا من مرحلة عمر إلى أخرى.

الهجرة الحقيقية…

أن يهاجر القلب من الاعتماد على كل شيء…

إلى الاعتماد على الله وحده.

ومن الخوف من كل شيء…

إلى خشية الله وحده.

ومن التعلق بكل ما يفنى…

إلى التعلق بالحي الذي لا يموت.

وهناك…

فقط…

لا تنتهي المعارك لأن العالم تغيّر.

بل لأنها لم تعد تجد في قلبك مكانًا تعيش فيه.

امل شلتوني


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com