* بيئة العمل.. منبر الإبداع أو ساحة الاستنزاف*
31 يناير 2026
0
2079

 

*بقلم : زامل عبداللة شعـراوي*

لم تعد بيئة العمل في العصر الحديث مجرد إطار تنظيمي تُنجز فيه المهام اليومية، بل أصبحت عنصراً حاسمًا في جودة الأداء، واستقرار الموظفين، وقدرة المؤسسات والشركات على الاستمرار والمنافسة ومع تغيّر طبيعة العمل وتزايد الضغوط المهنية، لم يعد الاهتمام ببيئة العمل ترفاً إدارياً، بل ضرورة عملية تمس الإنسان قبل الإنتاج.
أصبحت مشاعر الموظف في بيئة العمل معياراً أساسياً لتقييم جودتها، متقدمةً على عدد ساعات الدوام أو مستوى الدخل، إذ تشمل الشعور بالأمان الوظيفي، والاحترام المتبادل، والعدالة في التعامل فهذه العوامل هي ما يحدد إن كان الموظف سيبذل أقصى طاقته ويبدع، أم يكتفي بأداء الحد الأدنى ، وبيئة العمل الصحية لا تُبنى بالمكاتب الأنيقة أو الأنظمة المتقدمة فحسب، بل بثقافة مؤسسية واضحة المعالم، تُحدَّد فيها الأدوار بدقة، وتُقيَّم الجهود بعدل، وتكون فيها الإدارة قريبة، مُنصتة وداعمة.
في المقابل تتشكل بيئات العمل السامة بصمت ، و تبدأ بغياب التواصل الواضح، وتترسخ بثقافة اللوم، وتكتمل بعدم تقدير الجهد ، و في هذه الأجواء يشعر الموظف بأن وجوده مجرد رقم، وأن اجتهاده لا يُرى، وأفكاره لا تُسمع، ومع الوقت يرتفع التوتر ويتسلل الاحتراق المهني ويبدأ الأفضل أداءً في البحث عن مخرج ، لا لأنهم غير قادرين على التحمل، بل لأنهم يدركون أن الاستمرار في بيئة تستنزفهم ثمنه باهظ نفسياً ومهنياً .
هنا يظهر الدور المحوري للإدارة فالمدير ليس مجرد قائد مهام، بل صانع مناخ وأسلوبه في التعامل وعدله في التقييم وقدرته على احتواء المواقف هي ما يحدد إن كانت بيئة العمل محفّزة أم طاردة، و المدير الواعي يخلق أمانًا نفسياً يسمح بالاختلاف دون صراع، وبالخطأ دون خوف، وبالمبادرة دون قلق، أما الإدارة الغائبة أو المتحيزة، فغالبًا ما تكون الشرارة الأولى لسمّية المكان.
ومع التحولات المتسارعة في سوق العمل، يبرز الترابط داخل بيئة العمل كأحد أهم عناصر النجاح فطبيعة العمل الحديثة تعتمد على فرق متكاملة، لا على جهود فردية معزولة والترابط لا يعني غياب الاختلاف، بل إدارة التنوع في الآراء والخبرات بشكل بنّاء يخدم الهدف المشترك وفرق العمل المتماسكة تكون أكثر مرونة في مواجهة التحديات، وأسرع في تبادل المعرفة، وأكثر استعدادًا للتطور.
هذا النوع من البيئات لا يقتصر دوره على دعم الأداء الحالي فحسب، بل يسهم في إعداد المؤسسات والشركات لمتطلبات المستقبل، ويعزز لدى الموظفين شعوراً بالاستقرار والانتماء ، وفي ظل تصاعد المنافسة على استقطاب الكفاءات، بات الاستثمار في بيئة العمل أحد أهم عوامل الجذب، وميزة تنافسية حقيقية.
في النهاية..تؤكد التجارب أن بيئة العمل ليست مسألة شكلية، بل ركيزة من ركائز النجاح وحين يشعر الإنسان بأن مكان عمله يحترمه، ويقدّر دوره، ويمنحه مساحة للنمو والتعاون، يتحول العمل من عبء يومي إلى شراكة حقيقية، وتتحقق الإنتاجية كنتيجة طبيعية لا كمطلب قسري.
*وقفة :*
المكان يصنع الفرق .. لكن الإنسان هو من يمنحه المعنى .


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com