
د.نواف ال شافي
حين يصبح الإنسان عالمًا يدور حول نفسه يخسر أجمل ما في الحياة (الناس)..
كثر في الآونة الأخيرة من يرددون عبارات تمجد الأنا، وتدعو الإنسان أن يكون لنفسه فقط وكأن الحياة رحلة فردية لا مكان فيها للتآلف والتكامل. والحقيقة أن الإنسان لم يُخلق ليعيش أسير ذاته بل خُلق للتعارف والتعاون وبناء الحياة مع الآخرين.
ولعل ما نشهده اليوم من تصاعد النزعة الفردية في كثير من الرسائل المتداولة يدفع البعض إلى الاعتقاد أن النجاح يعني الاستغناء عن الناس، وأن القوة تعني عدم الحاجة إلى أحد. بينما تؤكد تجارب الحياة أن أعظم الإنجازات الإنسانية لم تُبنَ على الفردية المطلقة، بل على التعاون وتبادل الخبرات وتكامل الأدوار. فالأسرة لا تقوم بفرد، والمجتمع لا ينهض بشخص، والحضارات لم تصنعها الأنا بقدر ما صنعتها العقول والقلوب حين اجتمعت على هدف واحد.
لقد سخر الله للإنسان هذا الكون، وجعل الناس بعضهم لبعض سندًا وعونًا، فلا تقوم الحياة على الأنانية، وإنما تزدهر بالتعاون والتراحم وتبادل الخير. نعم، كن لنفسك في حفظ كرامتها وبناء شخصيتها وتحقيق أهدافها، لكن لا تجعل ذلك على حساب مشاعرك تجاه الآخرين أو مسؤوليتك تجاه مجتمعك.
إن التوازن هو جوهر الحكمة؛ فليس المطلوب أن يذوب الإنسان في الآخرين حتى يفقد ذاته، ولا أن ينغلق على نفسه حتى يفقد إنسانيته. وإنما أن يعرف حق نفسه في التقدير والبناء، وحق الآخرين في الاحترام والعطاء. فالحياة لا تستقيم بالإفراط في الأنا، كما لا تستقيم بإلغاء الذات.
فالإنسان العظيم ليس من يعيش لنفسه وحدها، بل من ينجح في أن يبني ذاته ويترك أثرًا جميلًا في حياة من حوله. وما أجمل أن يكون المرء قويًا بنفسه، نافعًا لغيره، يجمع بين احترام ذاته وحسن العطاء للآخرين.
إن أجمل ما في هذه الحياة ليس ما نملكه لأنفسنا، بل ما نزرعه في قلوب الآخرين من ود وأثر وذكر حسن. فبعد سنوات العمر لن يتذكر الناس مقدار ما جمعنا، بقدر ما سيتذكرون مقدار الخير الذي مرّ عبرنا إليهم، والكلمات الطيبة التي قلناها، والمواقف النبيلة التي وقفناها، والقلوب التي أضأنا فيها شعلة أمل.
نختم ونقول :
الذات وحدها تصنع نجاحًا محدودًا، أما القلوب المتآلفة فتصنع حياة أجمل، وأثرًا أبقى.
This site is protected by wp-copyrightpro.com