حين تصبح الذكرى أهم من اللحظة
27 أغسطس 2026
0
1188

جدة – صالح سالم

 

هناك أشياء نعتقد أننا نحتفظ بها، بينما الحقيقة أننا نفقدها ونحن نحاول الاحتفاظ بها.

نظن أن الصورة تحفظ اللحظة، وأن تسجيلها يمنعها من الرحيل، وأن العودة إليها بعد سنوات ستعيد إلينا كل ما شعرنا به يومها.

لكن هل تستطيع الصورة فعلًا أن تحفظ اللحظة؟

أم أنها تحفظ شكلها فقط؟

ربما لهذا أصبحنا في كثير من الأحيان نهتم بأن نوثّق ما نعيشه أكثر من اهتمامنا بأن نعيشه فعلًا.

نبحث عن الزاوية المناسبة، وننتظر الضوء الأفضل، ونكرر المشهد حتى يبدو كما نريد، ثم نعود إلى بيوتنا ونحن سعداء بما جمعناه من صور.

لكننا أحيانًا لا ننتبه إلى شيء بسيط:

أن اللحظة التي كنا نحاول الاحتفاظ بها… كانت تمضي أمامنا.

وهنا تبدأ الحكاية.

في كثير من المطاعم والمقاهي، وقبل أن تصل الملعقة إلى الطبق، يظهر الهاتف.

تُصوَّر المائدة، ثم الأطباق، ثم القهوة، ثم الحلوى، وربما يعاد التصوير أكثر من مرة حتى تخرج الصورة بالشكل المطلوب.

وتبدو هذه العادة أكثر حضورًا لدى النساء، خصوصًا في تصوير الطعام والمقاهي والمناسبات.

لا مشكلة في أن نصور.

فالصور جميلة، والذكريات تستحق أن تُحفظ.

لكن السؤال ليس: لماذا نصور؟

السؤال الأهم:

متى أصبحت الصورة أهم من اللحظة التي نريد الاحتفاظ بها؟

قد تجلس عائلة كاملة حول مائدة واحدة، لكن كل فرد يكون منشغلًا بهاتفه للحظات.

الأم تريد أن تلتقط صورة للطعام.

الأب ينتظر.

الأطفال ينتظرون.

والطعام نفسه ينتظر أن تنتهي جلسة التصوير حتى يبدأ دوره الحقيقي.

ثم نأكل.

ونضحك.

ونغادر.

ويبقى الهاتف يحمل عشرات الصور.

لكن ماذا بقي من اللحظة نفسها؟

الصورة تستطيع أن تحفظ شكل الطبق، لكنها لا تحفظ طعمه.

تستطيع أن تحفظ شكل المائدة، لكنها لا تحفظ الحديث الذي دار حولها.

تستطيع أن تحفظ وجوهنا ونحن نبتسم، لكنها لا تستطيع أن تحفظ السبب الذي جعلنا نضحك.

وهذا هو الفرق بين أن نوثق الحياة… وأن نعيشها.

لقد أصبحت بعض اللحظات تمر من خلال شاشة الهاتف قبل أن تمر من خلال أعيننا.

الرحلة تُصوَّر قبل أن تُعاش.

الهدية تُصوَّر قبل أن نشعر بها.

المائدة تُصوَّر قبل أن نأكل.

والجلسة تُوثَّق قبل أن نستمتع بها.

ومع الوقت، قد يتحول التوثيق من وسيلة لحفظ الذكرى إلى وسيلة لإثبات أننا كنا هناك.

لكن لمن نثبت ذلك؟

ولماذا نحتاج أصلًا إلى أن يرى الآخرون كل ما نعيشه؟

ربما لأننا اعتدنا أن نربط قيمة اللحظة بما يحدث بعدها: عدد المشاهدات، الإعجابات، التعليقات، أو حتى مجرد شعورنا بأننا امتلكنا صورة جميلة لها.

بينما الحقيقة أن أجمل اللحظات ليست دائمًا تلك التي حصلت على أفضل صورة.

أحيانًا أجمل ما في الجلسة هو الحديث الذي لم نصوره.

وأجمل ما في الرحلة هو الطريق الذي لم نصوره.

وأجمل ما في المائدة هو الضحكة التي لم نفكر أن نسجلها.

والأجمل من ذلك كله أن نكون حاضرين فعلًا عندما تحدث.

فالذكريات لا تحتاج دائمًا إلى كاميرا حتى تبقى.

بعضها يسكن في القلب لأننا عشناه بكل تفاصيله، لا لأننا احتفظنا بصورة منه.

ولهذا، ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نضع الهاتف جانبًا، ونترك اللحظة تأخذ حقها منا.

أن نأكل قبل أن نصور.

أن نتحدث قبل أن ننشر.

أن نضحك دون أن نفكر في تسجيل الضحكة.

وأن نعيش بعض الأشياء لأنها لنا… لا لأنها تصلح لأن يراها الآخرون.

ففي النهاية، ستبقى الصور في هواتفنا، وقد نبقى نعود إليها بعد سنوات.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:

حين ننظر إلى كل تلك الصور يومًا ما… هل سنتذكر أننا عشناها، أم سنتذكر فقط أننا كنا مشغولين بتصويرها؟

فالذكرى جميلة…

لكنها لا ينبغي أن تصبح أهم من اللحظة التي صنعتها.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com