طلال بن أحمد العريقي رئيس جامعة الأمم الرقمية … يكتب : *حين يتغيّر العالم… يجب أن يتغيّر التعليم*
12 سبتمبر 2026
0
396

.

الدراسة الرقمية وبناء عقول المستقبل
عندما بدأت في كتابة هذا المقال، لم تكن الفكرة هي التي حيّرتني بقدر ما حيّرني عنوانها، كنت أعرف جيدًا ما أريد قوله، لكنني أردت عنوانًا يختصر الفكرة دون أن يظلمها.
كتبت أولاً: (الدراسة الرقمية وبناء عقول المستقبل)، ثم شعرت أنه لا يعبّر عن اتساع الفكرة كما أريد.
فغيّرته إلى: ( التعليم الرقمي: النموذج الذي يواكب عقل الإنسان وتغيّرات العالم)، لكنه بدا طويلًا أكثر مما ينبغي.
ثم اختصرته إلى: (الدراسة الرقمية وتغيّرات العالم) ، وكان أقرب، لكنه ظل بالنسبة لي عنوانًا يصف الموضوع أكثر مما يعبّر عن رسالته.
وبعد تفكير طويل، وجدت أن جوهر المقال ليس في الحديث عن الدراسة الرقمية وحدها، بل في سؤال أكبر، ( كيف يمكن أن يتغير العالم من حولنا بهذه السرعة، بينما يبقى التعليم متمسكًا بالنموذج نفسه؟)

عندها استقر العنوان أخيرًا على:
*حين يتغيّر العالم… يجب أن يتغيّر التعليم*
وربما كان هذا الصراع الصغير مع العنوان جزءًا من الفكرة نفسها؛ لأن ما أحاول مناقشته في هذا المقال ليس تغيير وسيلة التعليم فحسب، بل إعادة التفكير في مفهوم التعليم ذاته، وفي الطريقة التي نصنع بها عقول المستقبل.

أقول: يتغيّر العالم من حولنا بسرعة غير مسبوقة، تغيّرت طريقة عملنا وتواصلنا وإدارة أعمالنا والوصول إلى المعرفة، وتغيّرت معها طبيعة المهن والمهارات التي يحتاج إليها الإنسان، ومع ذلك، ما زالت أجزاء واسعة من التعليم الجامعي تعمل وفق نموذج يكاد يكون ثابتًا منذ زمن طويل:
قاعة دراسية، ووقت موحّد، ومحاضرة واحدة، وحضور إلزامي، ووتيرة تعليم يُفترض أنها تناسب جميع العقول.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
إذا كان العالم كله قد تغيّر، فلماذا نصرّ على أن يبقى التعليم كما كان؟

إن التعليم الرقمي الحقيقي ليس مجرد نقل المحاضرة من القاعة إلى الشاشة، وليس تقليلًا من دور الأستاذ أو اختصارًا لمسيرة التعليم، إنه فلسفة مختلفة تقوم على التعلم الذاتي المنظم، والمناهج الحديثة، والإشراف الأكاديمي، والمتابعة المستمرة، والتقييم الحقيقي، والمرونة في الزمان والمكان.

▫️وحين تُبنى هذه المنظومة بصورة صحيحة، فإنها لا تجعل الطالب أقل ارتباطًا بالتعليم، وإنما تجعله أكثر مسؤولية عن معرفته وأكثر قدرة على بناء عقله بنفسه.

• التعليم الحقيقي لا يُقاس بساعات الجلوس داخل القاعات، فوجود الطالب في الجامعة لساعات طويلة لا يعني بالضرورة أنه تعلم، المعيار الأهم هو:
ماذا فهم؟ ماذا يستطيع أن يطبق؟ وهل أصبح قادرًا على البحث والتحليل والمناقشة وحل المشكلات؟ ومن هنا ينقل التعليم الرقمي مركز الاهتمام من الحضور إلى الفهم والإنجاز والكفاءة.

▪️• التعلم الذاتي لا يعني ترك الطالب وجيدا، ففي النموذج الرقمي المتقدم، يتعلم الطالب باستقلالية، بينما يظل الدكتور حاضرًا بوصفه مرشدًا ومتابعًا ومقيمًا لمسيرته العلمية، وهنا يرتقي دور الأستاذ من ناقل للمعلومات إلى موجّه للعقل وصانع لمنهجية التفكير.

العقول لا تتعلم بالطريقة نفسها ولا بالسرعة نفسها، فبعض الطلاب يحتاج إلى إعادة المحاضرة، وبعضهم إلى البحث والتوسع، وآخر يحتاج إلى التطبيق حتى يفهم الفكرة، لذلك التعليم الرقمي يمنح كل عقل مساحة أكثر ملاءمة له، دون أن يخفض مستوى المتطلبات العلمية.

النموذج التعليمي التقليدي تشكّل بدرجة كبيرة في عالم مختلف عن عالمنا، فلقد ازدهرت أنظمة التعليم الجماهيري الحديثة بالتوازي مع العصر الصناعي الذي كان يحتاج إلى التنظيم والتوحيد والانضباط والجداول الموحدة، أما عالم اليوم فلا يحتاج فقط إلى إنسان يجيد اتباع التعليمات، وإنما إلى إنسان يعرف كيف يتعلم ويبحث ويبتكر ويتكيف مع معرفة تتغير باستمرار.

لذلك فإن النموذج الجامعي القائم على الحضور والجداول الموحدة تشكّل في زمن الثورة الصناعية الأولى، لإخراج عمال للمصانع، وليس عقولاً للبناء حين كان التعليم الجماهيري يميل إلى إعداد أفراد منضبطين لبيئة العمل المنظمة أكثر من تركيزه على بناء عقل مستقل ومبدع، أما التعليم الرقمي الحديث، حين يُصمَّم بإشراف أكاديمي ومناهج قوية، فيمنح التعلم سرعة ومرونة وفاعلية قد تقود إلى نتائج مدهشة في الفهم والإنجاز وتطوير القدرات.

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه المعلومة نادرة، وكان على الطالب أن ينتقل إلى مكان محدد حتى يحصل عليها، لقد أصبحت المعرفة اليوم في كل مكان، وأصبح التحدي الحقيقي ليس الوصول إلى المعلومة، بل القدرة على فهمها، وتمييز الصحيح منها، وتحليلها، وتحويلها إلى معرفة وإنجاز.

من القناعة إلى المشروع:
ومن هذه القناعة تحديدًا بدأت بالنسبة لنا رحلة مختلفة.

في عام 2023م أدركنا أن الحديث عن مستقبل التعليم وحده لا يكفي، وأن الفكرة لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى مؤسسة حقيقية، ومن هنا بدأت رحلة تأسيس جامعة الأمم الرقمية – Digital Nations University، وتفرغت بصورة كاملة للعمل على هذا المشروع، والبحث في أفضل البيئات التي يمكن أن ينطلق منها نموذج جامعي عالمي ورقمي من الطراز الأول.

▫️ولم يكن الهدف إنشاء جامعة تستخدم الإنترنت فحسب؛ بل كانت الفكرة أعمق من ذلك:
كيف يمكن بناء جامعة منذ يومها الأول على مفهوم صناعة العقول، لا مجرد تلقين المعلومات؟

ولهذا امتدت رحلة البناء والتأسيس والبحث والتطوير على مدى أربعة أعوام، عملنا خلالها على دراسة نماذج التعليم الحديثة، وبناء منهجية أكثر مرونة، والبحث عن محتوى أكاديمي معاصر، وآليات تعلم تجمع بين استقلالية الطالب والإشراف الأكاديمي والتقنية والمعرفة الدولية الحديثة.
وكانت رؤيتنا أن تكون جامعة الأمم الرقمية نموذجًا جامعيًا دوليًا متقدمًا، لا يحاول تقليد الجامعة التقليدية على شاشة، وإنما يعيد التفكير في التجربة التعليمية نفسها؛ جامعة يكون مركزها العقل لا المبنى، والمعرفة لا المقعد، والإنجاز لا مجرد الحضور.

وهذا في اعتقادنا هو الفرق الحقيقي بين (رقمنة التعليم والتعليم الرقمي).

الأولى قد تعني تحويل الكتاب إلى ملف، والمحاضرة إلى فيديو، والصف إلى اجتماع إلكتروني.

أما الثانية فتعني إعادة تصميم رحلة التعلم بأكملها وفق احتياجات الإنسان في هذا العصر.

التعليم الرقمي يمنح الإنسان مهارة المستقبل الأهم:
أن يعرف كيف يعلّم نفسه، فالجامعة لا تستطيع أن تقدم للطالب كل المعرفة التي سيحتاج إليها طوال حياته، لأن المهن تتغير والتقنيات تتطور باستمرار، ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه الجامعة هو أن تصنع إنسانًا قادرًا على مواصلة التعلم حتى بعد التخرج.

كما أنه يجعل المعرفة أكثر عدالة وانفتاحاً، كالموظف، وصاحب العمل، ومن يعيش بعيدًا عن المدن الجامعية، ومن لديه التزامات أسرية أو مهنية، يمكنه أن يتعلم دون أن يُطلب منه أن يوقف حياته حتى يحصل على المعرفة.
▫️ومع ذلك، ينبغي أن نقول بوضوح:
ليس كل تعليم رقمي تعليمًا جيدًا، كما أن ليس كل تعليم حضوري تعليمًا جيدًا.

فمجرد وضع المحاضرات على الإنترنت لا يصنع جامعة متقدمة، فالتعليم الرقمي الجيد يحتاج إلى مناهج قوية، وأساتذة متخصصين، ومتابعة أكاديمية، وتقييم حقيقي، ومشروعات وتطبيقات، ونظام قادر على التأكد من أن الطالب لم يشاهد المادة فقط، وإنما فهمها واستوعبها وأصبح قادرًا على استخدامها.

لهذا فالقضية ليست صراعًا بين شاشة وقاعة، ولا بين التكنولوجيا والأستاذ. القضية الحقيقية هي:
أي نموذج يستطيع أن يصنع عقلًا أكثر استقلالًا، وأكثر قدرة على التفكير والبحث والإبداع؟

▫️المستقبل لن يكون لمن يعرف كيف ينتظر المعلومة، وإنما لمن يعرف كيف يبحث عنها، ويفهمها، ويناقشها، ويختبرها، ويبني فوقها معرفة جديدة.

ومن هنا نرى أن التعليم الرقمي، عندما يجتمع فيه التعلم الذاتي، والإشراف الأكاديمي، والمناهج الحديثة، والتكنولوجيا، والتقييم الجاد، ليس بديلًا أقل قيمة عن الجامعة التقليدية؛ بل قد يمثل مرحلة أكثر تطورًا في تاريخ التعليم نفسه.

لقد كان التعليم في الماضي مرتبطًا بدرجة كبيرة بالمكان والوقت.

أما تعليم المستقبل، فسيكون مرتبطًا أكثر بـ العقل والقدرة والإنجاز.
فالجامعة الأكثر تقدمًا ليست بالضرورة الجامعة التي تجعل الطالب يقضي أكبر عدد من الساعات داخل مبانيها، وإنما الجامعة التي تستطيع أن تجعله، في نهاية رحلته، إنسانًا يعرف كيف يفكر، وكيف يتعلم، وكيف يبني نفسه، وكيف يستمر في التطور مهما تغيّر العالم من حوله.

وحين يتغيّر العالم، لا يكفي أن نغيّر أدوات التعليم؛ بل يجب أن نمتلك الشجاعة لإعادة التفكير في التعليم نفسه.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com