للألم عمرٌ آخر لا نعرفه
10 أكتوبر 2026
0
5940

 

بقلم: نجود عبدالله النهدي

بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية – 10 أكتوبر

يقولون إن الوقت كفيل بالنسيان لكن ماذا لو مرّت الأيام، واستمر الإنسان في حياته بينما ظلّ الألم في داخله كما لو أن شيئًا لم يتغيّر؟

أكتب هذا المقال من تجربة شخصية لم أستطع تجاوزها حتى الآن؛ من مواقف كلما تذكّرتها شعرت بالضعف والتعب من جديد، وكأن الذاكرة لا تستعيد ما حدث فحسب بل تعيدني إلى الشعور الذي عشته آنذاك.

وأكثر ما يؤلمني ليس أنني ما زلت أتذكر بل أنني أحيانًا أتعب من كثرة المحاولة ومن رغبتي في تجاوز شيء لا يزال أثره حاضرًا في داخلي.

وهنا يبرز سؤال لا نتوقف عنده بما يكفي: لماذا نطالب أنفسنا بتجاوز الألم قبل أن نفهم ما الذي تركه فينا؟

الفقد ليس الموت وحده؛ فقد نفقد شخصًا، أو علاقة، أو شعورًا بالأمان، أو مستقبلًا بنيناه في مخيلتنا.

وما نفقده لا يغيب دائمًا بانتهاء التجربة فقد يبقى أثره في نظرتنا إلى أنفسنا وفي علاقاتنا، وفي قدرتنا على الشعور بالطمأنينة.

وقد يواصل الإنسان عمله، ويضحك، ويؤدي مسؤولياته، دون أن يعني ذلك أن ما حدث لم يعد يؤلمه.

إن أخطر ما قد يفعله الألم بنا ليس أن يجعلنا نبكي بل أن يجعلنا نعتاد إخفاءه حتى نظن أن علينا مواجهته وحدنا.

في حديثنا عن الصحة النفسية كثيرًا ما نركز على أهمية التعافي، لكننا لا نتحدث بما يكفي عن الشعور بالذنب الذي قد يصاحبه عن الأسئلة التي نواجه بها أنفسنا كلما عادت إلينا ذكرى موجعة: لماذا لم أتجاوز بعد؟ لماذا يؤلمني ما حدث إلى الآن؟ ولماذا أشعر أنني عدت إلى نقطة البداية؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى أحكام أو إجابات جاهزة من قبيل «تجاوز وانسَ».

إنها تحتاج إلى فهم أعمق للتجربة وإلى مساحة آمنة يستطيع فيها الإنسان التعبير عن ألمه دون أن يُطالَب بتبريره أو اختصار رحلته في نصيحة.

فليس كل من واصل حياته قد تعافى وليس كل من ابتسم قد تجاوز ألمه أحيانًا نتعلّم كيف نؤدي أدوارنا اليومية، ونمضي في مسؤولياتنا بينما يبقى في داخلنا شيء لم نعرف كيف نتعامل معه بعد.

فهناك فرق بين أن نستمر في الحياة وأن نكون قد تصالحنا فعلًا مع ما حدث لنا وربما تكمن قسوة الفقد في أننا نضطر إلى مواصلة الحياة أمام الجميع بينما نخوض وحدنا معارك لا يراها أحد ولا يعرف أحد كم تكلّفنا من القوة لنبدو على ما نحن عليه.

وبمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية ربما نحتاج إلى تغيير السؤال من: «لماذا لم تتجاوز؟» إلى: «ماذا ترك هذا الألم فيك؟».

فليس كل حزن مرضًا وليس كل ألم دليلًا على اضطراب نفسي لكن المعاناة التي تستمر وتؤثر في تفاصيل الحياة تستحق الاهتمام وقد تستدعي طلب المساعدة المتخصصة.

فالاعتناء بالنفس لا يبدأ بإنكار الألم بل بالاعتراف
بوجوده وفهم أثره.

رسالة من تجربة شخصية

لا أكتب لأنني وصلت إلى التعافي بل لأنني ما زلت أحاول ولأنني أعرف أن هناك من يعيش صراعه بصمت ويبدو بخير بينما تستنزفه الذكريات.

لا أملك وعدًا بأن الوقت سيُنسي كل شيء ولا أعتقد أن كل ألم ينتهي بالطريقة التي نتمناها.

لكنني أؤمن بأن الإنسان يستحق أن يُفهم قبل أن يُطالَب بالتجاوز وأن يجد المساندة دون أن يضطر إلى إخفاء ضعفه.

فالصحة النفسية ليست أن نبدو بخير بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بما يؤلمنا والقدرة على طلب المساندة حين نحتاج إليها.

ربما لا تكون المشكلة دائمًا في أننا لم نتجاوز بل في أننا تعلّمنا كيف نُخفي ما لم نستطع تجاوزه.

فهل نتعافى فعلًا مع مرور الوقت أم نتعلّم فقط كيف نعيش مع أوجاع لم نجد لها طريقًا إلى التعافي؟


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com