Latest News
ماذا لو لم يكن الانكسار في العالم… بل فيك أنت؟
13 يونيو 2026
0
1584

امل شلتوني

استاذ في المعهد الدبلوماسي

في وزارة الخارجية الامريكية

 

 

ماذا لو كنت تمشي كما اعتدت…
تتنفس كما اعتدت…
تبتسم كما اعتدت…

لكن شيئًا ما في داخلك تغيّر بصمت، دون ضجيج يكفي لتنبيهه أحد؟

ماذا لو استيقظت ذات صباح، واكتشفت أن في قلبك نقطةً فراغ…

صغيرة إلى حدٍّ لا تُرى،
وعميقة إلى حدٍّ لا تُقاس؟

نقطة لا تشبه الجرح،
ولا تشبه الحزن،
ولا تشبه أي شيء اعتدت أن تسميه.

بل تشبه شيئًا أكثر غموضًا…

كأن الكون كله انطوى داخل شقٍّ خفي في روحك.

في البداية لا تلاحظها.

تمضي في حياتك كالمعتاد.

لكن مع الوقت تبدأ الأشياء بالتغيّر.

الأصوات التي كانت تملأك دفئًا تمرّ بلا أثر.
الوجوه التي كانت تمنحك الطمأنينة تصبح بعيدة قليلًا.
والأحلام التي كانت تضيء الطريق تبدو وكأنها قادمة من حياة شخص آخر.

ليس لأن العالم تبدّل…

بل لأن شيئًا في داخلك بدأ يجذب كل شيء نحوه.

كما لو أن قلبك أخفى في أعماقه black hole.

والثقب الأسود، على عكس ما يبدو، ليس فراغًا حقيقيًا.

إنه كثافة هائلة انكمشت في نقطة واحدة،
حتى أصبحت جاذبيتها أقوى من الضوء نفسه.

وكذلك بعض الانكسارات الإنسانية.

لا تأتي من نقصٍ في المشاعر…

بل من تراكماتها.

من أسئلة لم تجد جوابًا.
ومن خيبات لم تجد مكانًا تذهب إليه.
ومن كلمات ابتلعتها الروح حتى صارت أثقل من أن تُقال.

فتنضغط كلها في الداخل…

وتتحول إلى مركز خفي للجاذبية النفسية.

هناك تبدأ الأشياء بالسقوط نحوه.

يسقط الشغف أولًا.

ثم الحماس.

ثم الدهشة.

ثم أجزاء صغيرة من المعانى.

وكما يبتلع الثقب الأسود النجوم المارة بقربه، تبتلع تلك النقطة كل لحظة جميلة تحاول الاقتراب منك.

ليس لأنها تريد تدميرها…

بل لأن جاذبيتها أصبحت أقوى من قدرتك على الاحتفاظ بها.

وحينها يحدث أمر غريب.

تبدو حياتك طبيعية من الخارج،
لكن الزمن في داخلك لا يعود كما كان.

ففي الكون، كلما اقترب شيء من الثقب الأسود تباطأ الزمن حوله.

وفي النفس أيضًا…

ثمة لحظات يتباطأ فيها الزمن الداخلي بشكل مؤلم.

دقيقة واحدة من القلق تبدو ساعة.
ليلة واحدة من الوحدة تبدو عامًا.
وانتظار بسيط يتحول إلى عمر كامل من الترقب.

كأنك تعيش داخل منطقة تختلف قوانينها عن بقية البشر.

ثم تأتي مرحلة أشد غرابة.

مرحلة أفق الحدث.

ذلك الحد غير المرئي الذي إذا تجاوزه الضوء نفسه، لا يستطيع العودة.

وفي الإنسان أيضًا توجد حدود مشابهة.

لحظة لا يسمع فيها أحد صراخك لأنك توقفت عن الصراخ أصلًا.

لحظة تكفّ فيها عن شرح ما تشعر به.

لا لأن الكلمات غير موجودة…

بل لأنك لم تعد تؤمن أن أحدًا سيصل إلى عمق المسافة.

فتنسحب نحو الداخل أكثر.

وتدور حول نفسك كما تدور المجرات حول الثقوب السوداء.

تقترب…
وتقترب…
وتقترب…

دون أن تدرك أنك أصبحت أسير مركز الجاذبية ذاته.

وهنا يظهر التشابه الأكثر إيلامًا.

فالعلماء لا يرون الثقب الأسود مباشرة.

لا أحد رأى الظلام نفسه.

بل يرون أثره على النجوم المحيطة به.

يرونه من الانحناءات التي يصنعها في الفضاء.

ومن الأشياء التي تختفي حين تمر بقربه.

وكذلك البشر.

نادراً ما يرى أحد الجرح الحقيقي داخلك.

لكنهم يرون آثاره.

يرون شرودك المفاجئ.
صمتك الطويل.
تعبك غير المبرر.
وابتسامتك التي تصل إلى الشفاه ولا تصل إلى القلب.

إنهم لا يرون الثقب…

بل يرون انحناء روحك حوله.

ومع ذلك…

ثمة حقيقة أخرى يخبرنا بها الكون.

فالثقب الأسود ليس مجرد نهاية.

بل أحد أكثر الظواهر الكونية قدرةً على كشف أسرار الوجود.

حول حافته وُلدت أعظم الأسئلة.
ومن غموضه خرجت أعظم الاكتشافات.

وكذلك تلك الهوة التي في داخلك.

قد تبدو وكأنها تبتلعك.

لكنها قد تكون أيضًا دعوة لمواجهة ما هربت منه طويلًا.

دعوة لرؤية نفسك بلا أقنعة.
ولسماع الأصوات القديمة التي دفنتها تحت ضجيج الأيام.
ولفهم أن بعض الفراغات لا خُلقت لتُملأ بسرعة…

بل لتقودنا نحو أعماقنا.

وربما لهذا السبب لا يكون الشفاء دائمًا في الهروب من الظلام.

بل في الجلوس أمامه بما يكفي.

حتى نكتشف أن النقطة التي حسبناها فراغًا…

لم تكن فراغًا أبدًا.

كانت كونًا كاملًا من المشاعر المنهارة،
والأحلام المؤجلة،
والحقائق التي انتظرت سنوات كي تُرى.

وعندها فقط…

ندرك أن أخطر الثقوب السوداء ليست تلك البعيدة بين المجرات.

بل تلك التي تتكوّن بصمت داخل القلب.

وأن أعظم رحلة في حياة الإنسان ليست عبور المسافات بين النجوم…

بل عبور المسافة الهائلة بينه وبين نفسه.

 


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com