صالح سالم
في كل رمضان تجتمع العائلات بعد الإفطار حول شاشة التلفاز.
أم، وأب، وشباب، وأطفال… يظنون أنهم يقضون وقتاً عادياً من الترفيه بعد يوم طويل من الصيام.
لكن السؤال الذي لا نسأله كثيراً هو: ماذا يتعلم الناس فعلاً مما يشاهدونه؟
فالدراما ليست مجرد قصص للتسلية.
هي أفكار وسلوكيات تُعرض أمام المشاهد بشكل متكرر، حتى تصبح مع الوقت مألوفة، وربما مقبولة.
لذلك المشكلة ليست في أن المسلسلات تعرض أخطاء المجتمع، فالحياة مليئة بالقصص المختلفة.
لكن المشكلة حين تتحول بعض هذه الأعمال إلى شرح مفصل لكيفية ارتكاب الخطأ.
نشاهد أحياناً كيف تخطط امرأة للانتقام من زوجها، أو كيف يمكن أن تخونه داخل بيتها دون أن يشعر.
ونرى في قصص أخرى كيف يخطط رجل للخداع أو الخيانة، أو كيف يتحول الانتقام والعدوان إلى بطولة درامية.
وفي جانب آخر تُعرض الخلافات بين الإخوة بطريقة تجعل الطمع أمراً عادياً، فنرى من يخطط للاستيلاء على مال إخوته، أو يحاول أن يأخذ النصيب الأكبر من الميراث بعد وفاة والده، أو يتحايل ليجعل أملاك العائلة له وحده.
بل إن بعض القصص تشرح كيف يمكن للابن أن يخدع والده التاجر أو يستغل ماله، أو كيف تُبنى الخديعة داخل البيت دون أن يشعر أحد بما يحدث.
قد يراها البعض مجرد دراما، لكنها في الحقيقة تعرض طرقاً وسلوكيات يتعلمها الإنسان بالمشاهدة.
والتعلم من المشاهدة لا يقتصر على الأطفال فقط.
فالمرأة قد تتأثر بما ترى، وكذلك الرجل، سواء كان زوجاً أو أباً أو شاباً في بداية حياته.
فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يتكرر أمامه، وما يُعرض كل يوم قد يصبح مع الوقت أمراً عادياً حتى لو كان في الأصل سلوكاً مرفوضاً.
وهنا يظهر السؤال المهم:
حين يشاهد الناس هذه القصص كل ليلة، هل يتعلمون العبرة… أم يتعلمون الطريقة؟
لا أحد يطلب من الدراما أن تكون مثالية أو خالية من الأخطاء، لكن هناك فرقاً كبيراً بين عرض الخطأ للتحذير منه، وبين تقديمه بطريقة جذابة تجعله يبدو ذكاءً أو شجاعة.
رمضان شهر تجتمع فيه العائلة، وتُستعاد فيه القيم التي تحفظ البيوت وتقوي العلاقات بين الناس.
ولهذا فإن ما يُعرض في هذا الشهر تحديداً يكون تأثيره أكبر، لأنه يدخل معظم البيوت في الوقت نفسه.
المسؤولية هنا لا تقع على الأسرة وحدها، بل أيضاً على من يكتب هذه القصص ويقدمها للناس.
فالكلمة التي تُكتب، والمشهد الذي يُصوَّر، قد يصل إلى ملايين البيوت في لحظة واحدة.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:
هل ما نشاهده اليوم يساعد على تقوية القيم داخل البيت…
أم أنه يزرع أفكاراً قد تضعف الثقة بين الناس في الأسرة الواحدة؟
فالشاشة قد تعرض قصة للتسلية…
لكنها في الوقت نفسه تشارك في تشكيل وعي مجتمع كامل.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحاً:
من يكتب أخلاق الجيل… المؤلف أم الأب؟
This site is protected by wp-copyrightpro.com