Latest News
من «هنا أم درمان» إلى وادي النيل.. مصطفى جابر تكروني في رحلة بين التعليم والإذاعة وجسور التواصل السوداني السعودي
23 أغسطس 2026
0
6237

حوار: د/ شذى علي مختار

«كنت سعيدًا بما أقدمه في جو تسوده المحبة بين الزملاء».. من هذه الذكرى تنفتح صفحة من مسيرة صوت ارتبط بذاكرة «هنا أم درمان»، رحلة بدأت بشغف الطفولة، وتحققت عام 1990 خلف الميكروفون، ثم امتدت عبر البرامج والأخبار والعمل الإذاعي والإداري.
وقبل الميكروفون، كانت سبع سنوات في مهنة التعليم بالمملكة العربية السعودية؛ حيث التقت رسالتان في جوهرهما: المعلم يبني الإنسان بالعلم، والمذيع يبنيه بالكلمة والتأثير. ومن قاعات الدراسة إلى الأثير، نشأت علاقة إنسانية عميقة بالشعب السعودي، صنعتها سنوات التعليم وعززتها الصداقة والتواصل عبر الميكروفون.
في هذا الحوار، نستعيد مع مصطفى جابر تكروني ذاكرة «هنا أم درمان»، ونقترب من تجربته ورؤيته للإعلام، ودوره في بناء جسور التواصل بين السودان والسعودية، وإبراز الوجه الثقافي والإنساني للسودان.

كيف بدأت رحلتكم مع الإعلام والإذاعة، وما الذي جذبكم تحديدًا إلى العمل الإذاعي؟

استهوتني الإذاعة منذ صغري، حيث كان أبي رحمه الله كثيرًا ما يستمع إلى صوت العرب، والـBBC، والإذاعة السودانية. ومن هنا بدأ عشقي للإذاعة، فبدأت أستمع وأقلد وأقرأ، حتى إني درست اللغة العربية لأسلح نفسي بأهم سلاح للمذيع.
في العام 1990 تم استيعابي مذيعًا متعاونًا بعد أن اجتزت اختبارات الصوت وتحققت الأمنية.

كيف تصفون بداياتكم في الإذاعة السودانية، وما أبرز المحطات التي شكلت تجربتكم المهنية؟

كانت البداية ببرنامج «المجلة الإسلامية»، مشاركًا معده الأخ عاصم علي آدم في التقديم.
ثم العمل كمذيع ربط، مع تقديمي عددًا من البرامج مثل:
«المجلة الثقافية»، «مشاوير جديدة»، «حديقة الكلمات» و«أشرقت الأرض».
كنت سعيدًا بما أقدمه في جو تسوده المحبة بين الزملاء، وتشجيع الأساتذة عبد الرحمن أحمد، كمال محمد الطيب، أحمد عبد المجيد، عبد المطلب الفحل، وغيرهم.
وفي العام 1992 قرأت أول نشرة إخبارية.

ما أول برنامج أو تجربة إذاعية تشعرون أنها صنعت حضوركم لدى المستمع السوداني؟

برنامج «المجلة الإسلامية»، الذي حرصت على أن أكون مشاركًا في تقديمه؛ لأن فيه نفعًا كثيرًا لمن يستمع إليه، فهو مجموعة من الرسائل التي تعنى بتعليم أمور الدين، ورسائل تثقيفية وتربوية، ولأكثر من مرة كان البرنامج الأول في الاستفتاء على أكثر البرامج استماعًا.
ثم «خير الكلام»، وهو قراءة لأحاديث نبوية مختارة، وأدعية.
هذه الأعمال الإذاعية خلقت جسرًا متينًا من التواصل الجميل مع المستمعين، لذلك حرصت على تقديمهما طيلة مسيرتي الإذاعية، راجيًا أن يكون في ذلك صدقة جارية تكون الزاد لما بعد الرحيل من هذه الفانية.

من خلال تجربتكم الطويلة، كيف تغيرت الإذاعة السودانية من جيل إلى جيل؟

الإذاعة السودانية مدرسة عظيمة، كل منتمٍ إليها يفخر بالعمل فيها، وكل منتسب جديد إليها يحرص من سبقه في المجال الذي يعمل فيه، أيًا كان: إذاعي، إداري، هندسي، فني، برامجي، إخباري، أو حتى في المكتبة أو الترحيلات، يحرص على تعليم وتوجيه وتنبيه اللاحقين.
كنت محظوظًا لانتمائي للجيل الرابع من المذيعين. الجيل الأول أذكر منهم بروفيسور علي محمد شمو، محمد خوجلي صالحين، عبيد عبد النور، صلاح أحمد محمد صالح، أيوب صديق، حسن عباس صبحي، فهمي بدوي، طه حمدتو، وغيرهم.
وعاصرت عمالقة يمثلون الجيل الثاني، أذكر منهم عبد الرحمن أحمد محمد صالح، عبد الوهاب أحمد صالح، كمال محمد الطيب، عمر الجزلي، علم الدين حامد، أحمد سليمان ضو البيت، أحمد عبد المجيد، عبد الكريم قباني، عبد المطلب الفحل، عمر عثمان، ذو النون بشرى، محاسن سيف الدين، سعاد أبو عاقلة، وغيرهم.
وعاصرنا الجيل الثالث، منهم عبد العظيم عوض، إكرام الصادق، عوض إبراهيم عوض، محمد الكبير الكتبي، ليلى المغربي، نجم الدين محمد أحمد، الزبير عثمان أحمد، سر الختم محمد علي، نجاة كبيدة، قسم السيد البشرى، حامد عبد الرؤوف، محمد الفاتح السموأل، محجوب بخيت محجوب، يسرية محمد الحسن، ليلى عوض، نايلة العمرابي، وغيرهم.
كانوا يجيدون الاستماع للمذيع الجديد، يشجعونه وينصحونه، وكانوا حريصين على أن يكون صوت المذيع يحمل جينات «هنا أم درمان»؛ صوتًا ولغةً وأداءً.

ما الذي كان يميز الإذاعة السودانية في علاقتها بالمستمع؟

ارتباط الإذاعة بالمستمع قوي وحميم؛ لأنه يجد في «هنا أم درمان» المعلومة والخبر والترفيه والإرشاد الصحي والزراعي والديني عبر قوالب برامجية متنوعة، منها البرامج التفاعلية المباشرة، والدراما الجاذبة، والفترات الإخبارية والمسابقات.
وما زلت أذكر الكم الهائل من رسائل المستمعين عبر صندوق البريد (572) لبرنامج «ما يطلبه المستمعون»، أو رسائل «المجلة الإسلامية»، هذا غير البرامج المباشرة مع المستمعين مثل برنامج «على الخط» و«رأي من الدين».
وقد خصصت الإذاعة برنامجًا «الإذاعة والمستمع» تجيب فيه على أسئلة المستمعين وتنقل ملاحظاتهم للإدارة.
وبرنامج «أنت تسأل والإذاعة تجيب»، وبرنامج «عيادة على الهواء» الذي يخصص فقرة لتواصل المستمعين بالطبيب المستضاف، وغيرها من البرامج.
كما تفردت الإذاعة بتقديم أخبار الوفيات في نشرة الساعة الثامنة مساءً المحلية يوميًا، والتاسعة صباحًا.
كل ذلك جعل صلة الإذاعة بمستمعيها قوية، مما كان له أثره الطيب في إيصال رسالة الإذاعة السودانية لمستمعيها.

هل تعتقدون أن الإذاعة ما زالت قادرة على منافسة الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي؟ وكيف؟

ليس كل ما تنقله الوسائط الاجتماعية صادقًا، فالصدق أكثر ما يميز الإذاعة السودانية؛ الصدق في تناول الأخبار ونقل الأحداث والقرب من المستمع. وانتشار الإذاعة عبر الإنترنت يعطيها ميزة إضافية.
لذا ينبغي مواكبة تقنيات التواصل، بسرعة نقل الخبر وصدقية التناول والطرح، ومراعاة جاذبية العرض.

ما أهم درس تعلمتموه من سنوات العمل في الأخبار والبرامج السياسية والإذاعية؟

كلما كنت صادقًا في طرح رسالتك، قريبًا من الناس وقضاياهم، كسبت القبول والرضى واستطعت التأثير فيهم.

انتقلتم من العمل البرامجي والإذاعي إلى مواقع إدارية وقيادية؛ كيف أثرت هذه التجربة في رؤيتكم للإعلام؟

العمل الإداري يشغل الإنسان عن العمل الإبداعي.
العمل الإداري يقربك من كيفية تحريك عجلة الإنتاج الإذاعي تخطيطًا وتنفيذًا وإشرافًا، فالإداري ملم بتفاصيل كثيرة لا تشغل بالك كمذيع.
وفي رأيي ينبغي أن يفرغ المخرج المبدع للإخراج، والمذيع المبدع لإبداعه، وهكذا المهندس وفني الصوت.
فالإدارة علم قائم بذاته.

بصفتكم مديرًا لإذاعة وادي النيل، ما الرسالة التي ترون أن الإذاعة ينبغي أن تحملها في المرحلة الحالية؟

إذاعة وادي النيل هي إذاعة مشتركة بين السودان ومصر، انطلقت في يناير 1984 امتدادًا لإذاعة «ركن السودان» التي بدأت عام 1949. تهدف الإذاعة لربط البلدين وثقافتهما، وتقدم برامج وأخبارًا وأغاني تراثية مشتركة من مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) بالقاهرة.
يُنتج نصف محتواها في مصر والنصف الآخر في السودان، وتُعبّر عن روابط الأخوة والثقافة المشتركة بين الشعبين، وتهتم بأحوال الجالية والطلاب السودانيين المقيمين في مصر. تبث برامج متنوعة، ونشرات أخبار، وتراثًا شعبيًا وموسيقيًا من البلدين.
في هذه المرحلة من تاريخ البلاد، والسودان يخوض معركة الكرامة، هجر كثير من السودانيين ديارهم ووطنهم. تهتم الإذاعة بنقل انتصارات الجيش على المليشيا المتمردة، وعكس انتهاكات المليشيا وما تعرض له السودانيون من انتهاكات، كما تنقل الإذاعة مشاعر العائدين إلى ديارهم بعد استقرار الأحوال والأوضاع في كثير من المناطق.
رسالتنا تقوية الروح الوطنية، والحث على العودة الطوعية، ونبذ الجهوية والعنصرية، وفضح المليشيا وكشف انتهاكاتها. هذا المحتوى يُعبّر عنه في برامج خفيفة مثل برنامج «مساحة سودانية»، «أوراق ملونة»، «جمال وادينا»، «نحن معكم»، «رسالة الخرطوم»، وغيرها من البرامج.

العلاقات السودانية السعودية تمتد إلى جذور تاريخية وشعبية وثقافية عميقة؛ كيف يمكن للإعلام أن يعكس هذه العلاقة بصورة أكثر عمقًا؟

نعم، العلاقات السودانية السعودية متينة على المستويين الرسمي والشعبي، وتتويجًا لذلك شهدنا مؤخرًا توقيع وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي-السوداني بالرياض، بهدف رفع مستوى التعاون بين البلدين.
هذا يلقي على عاتق الإعلام أدوارًا عظيمة لعكس فرص التعاون والاستثمار والمشاريع التنموية التي تخدم الشعبين، بتخصيص برامج إذاعية وتلفزيونية وملفات تستضيف مسؤولين ومتخصصين ورجال أعمال ومواطنين.
وكذلك عمل أفلام عن ثروات البلاد المتنوعة.
دعوة الأجهزة الإعلامية السعودية لزيارة السودان للوقوف على فرص التعاون والاستثمار.

هل ترون أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب إعلامي سوداني جديد يركز على الثقافة والمجتمع والإنسان، إلى جانب الأخبار السياسية؟

نحتاج لخطاب إعلامي موحد يعزز من قيمة الوطن والهوية السودانية، يدعو للوحدة وينبذ الفرقة والجهوية والقبلية والعنصرية.
يعلي من قيمة الإنسان باعتباره العنصر الأهم في البناء والتعمير، يهتم بالثقافة والرياضة وسمح العادات، ويركز على أن قوتنا في تنوعنا.

بعد هذه الرحلة الطويلة في عالم الإذاعة والإعلام، ما الصوت أو الموقف أو اللحظة التي ما زالت عالقة في ذاكرتكم ولا تنسونها؟

أولًا: كنت رئيس المجموعة العاملة بإدارة الأخبار بالإذاعة يوم أن شنت حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم في 10 مايو 2008، شنت هجومًا غير مسبوق أُطلق عليه اسم «عملية الذراع الطويل»، حيث وصلت قوات المتمردين إلى مدينة أم درمان، حيث مقر الإذاعة. عملنا يومين متواصلين، حيث الرصاص والقذائف والدانات المصوبة نحو الإذاعة، إلى أن سيطر الجيش وجهاز الأمن على الموقف.
ثانيًا: يوم أن كلفني المدير العام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الأستاذ إبراهيم البزعي بالمشاركة في تشغيل التلفزيون القومي من بورتسودان في 20 مايو 2023، والحرب في بداياتها، كانت أيامًا لا تُنسى.
وقد كنتِ دكتورة شذى شاهدةً ومشاركةً في هذا العمل الوطني العظيم، الذي كان بثًا مشتركًا: التلفزيون القومي، قناة النيل الأزرق، قناة البحر الأحمر.

إذا طلبنا منكم أن تختصروا رحلتكم الإعلامية في رسالة واحدة للأجيال القادمة، ماذا تقولون؟

أقول لهم: تسلحوا بالعلم والصبر والمهنية والمواكبة والصدق، والاستفادة من تجارب الآخرين، وعدم استعجال الشهرة والنجومية.
كلمة أخيرة
اشكركم جزيل الشكر
وحفظ الله السودان وأهله، والمملكة العربية السعودية أرض الحرمين وأهلها.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com