أيُقبل الصيام وبيوتُنا متخاصمة؟
12 فبراير 2026
0
2574

صالح سالم

نستقبل شهر رمضان كل عام بقلوب متلهفة، فنعد الموائد، ونزين البيوت، ونتهيأ للصيام والقيام. غير أن المؤلم حقًا أن يدخل هذا الشهر الكريم، شهر الرحمة والمغفرة، وبيوت كثيرة ما زالت تعيش على وقع الخصام، وقطيعة الأرحام، وصمت ثقيل بين أقرب الناس.

يدخل رمضان، وهناك أب لا يكلم ابنه، وأخ هجر أخاه، وأخت قطعت أختها، وخصومات امتدت حتى صارت عادة، تبرر بالكبرياء تارة، وبسوء الفهم تارة أخرى.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: أيقبل الصيام وبيوتنا متخاصمة؟
كيف نرجو الرحمة، ونحن نحجبها عن بعضنا؟ وكيف نرفع أكف الدعاء، وقلوبنا مثقلة بالضغينة؟

رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل مدرسة أخلاقية متكاملة، تعلمنا ضبط النفس، وتطهير القلوب، وترميم العلاقات قبل الأجساد. هو شهر مراجعة الذات، لا شهر المظاهر، وشهر إصلاح ما فسد، لا تأجيله إلى وقت آخر.

صلة الرحم ليست أمرًا ثانويًا، ولا فضيلة اختيارية، بل ركن أخلاقي عظيم، ومقياس صادق لعمق الإيمان. فالعبادات، مهما عظمت، تفقد روحها إن خلت من التسامح، ويبهت نورها إن جاورت القطيعة. ما قيمة مائدة عامرة، وبيت يخلو من السلام؟ وما جدوى صلاة طويلة، وأخ ينتظر كلمة صلح لم تأت؟

ليست المبادرة إلى الصلح ضعفًا، بل شجاعة، وليست الكلمة الطيبة تنازلًا، بل سمواً. فالعفو لا ينقص من القدر، بل يرفعه، والتسامح لا يسقط الهيبة، بل يرسخها. وفي شهر تفتح فيه أبواب الرحمة، أولى بنا أن نفتح أبواب قلوبنا.

هذا المقال ليس إدانة، ولا اتهامًا، بل دعوة صادقة لمراجعة النفس قبل فوات الأوان.
قبل أن يدخل رمضان بيوتنا، فلنسمح له أن يدخل قلوبنا.
وقبل أن نعد موائد الإفطار، فلنمهد موائد الصلح.
فرب رسالة صادقة، أو اتصال بسيط، أو زيارة متواضعة، تكون سببًا في لم شمل، ونزول بركة، وقبول عمل.

رمضان فرصة ثمينة لا تتكرر، فإما أن نستقبله بقلوب سليمة، أو نفوت على أنفسنا أعظم معانيه.
فلنصلح ما انكسر، ولنلملم ما تفرق،
فقد تغفر الذنوب، لكن قطيعة الأرحام تحجب الكثير من الخير.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com