إلى أبي… رسالة لم تُكتب في حياتك
29 يناير 2026
0
2673

صالح سالم

والدي رحمك الله،

أكتب عنك اليوم بعد خمس سنوات من رحيلك، لا لأن الكلمات قادرة على اختصارك،

بل لأن الصمت – رغم أنه يشبهك – لا يكفي وحده ليقول كل شيء.

أكتب وكأنني أخاطبك،

وكأنك ستقرأ هذه السطور بهدوئك المعتاد،

تبتسم تلك الابتسامة الخفيفة، ثم تمضي دون تعليق،

كما كنت تفعل دائمًا.

كنتَ رجلًا لا يحب الظهور، ولا يطلب التقدير، ولا يرى في الخير بطولة، بل واجبًا يوميًا يؤديه كما يؤدي صلاته.

نشأتَ في بيتٍ كان العلم فيه رفيق المعيشة،

والقرآن فيه ليس كتابًا يُرفع، بل حياة تُعاش.

ومن هناك بدأت رحلتك تعليم الأطفال

حروفًا تُكتب، وآياتٍ تُحفظ، وأثرًا لا ينتهي عند آخر الدرس.

كبر أولئك الأطفال، وتفرّقت بهم الطرق،

صار منهم التاجر، وصار منهم المسؤول، وصار منهم من تغيّرت حياته كلها

لكنهم – حين يلتقونك – يعودون أطفالًا للحظة،

ويذكرون اسمك مقرونًا بالبداية، وبالفضل، وبالرحمة.

لم تكن تحب الحديث عن نفسك،

لكن حياتك كانت تتحدث عنك دون استئذان.

كان للقرآن عندك مقام لا يُزاحم؛ لم يكن موسمًا، ولا عادة رمضانية،

بل صحبة عمر. تختمه في رمضان، وتختمه خارجه،

حتى صارت الختمات أرقامًا في دفاتر،

لا تُسجّل للفخر، بل للضبط،

كأنك تحاسب نفسك قبل أن تُحاسَب.

كنتَ دقيقًا مع الأيام، تحترم الوقت، وتعامل الساعات كأمانة.

يومك يبدأ قبل الفجر، قيامٌ وصلاة،

ثم مسجد، ثم قرآن،

ثم حياة تسير على إيقاع الطاعة دون ضجيج.

كنتَ من المبكّرين إلى بيوت الله، ومن آخر من يخرجون منها،

تجلس بعد الصلاة تقرأ، حتى تشرق الشمس،

ثم تعود لتكمل يومك كأن الروح قد امتلأت بما يكفيها.

لم تكن كثير الكلام، ولا من أهل الجدل، وإن سُئلتَ أجبتَ بقدر،

وإن لم يكن في السؤال فائدة، آثرتَ الصمت،

وكان صمتك تعليمًا بحد ذاته.

وزّعت وقتك بعدل؛ عملك، مسجدك، أسرتك،

دون أن يطغى شيء على شيء.

كنت حاضرًا دون صخب، قريبًا دون تكلّف، ومحبوبًا دون سعي.

بررتَ والديك كما لو أن البر عبادة خفية،

وكنت رحيمًا بخواتك، عادلاً مع أسرتك، لا تفرّق بين زوجة وابن، ولا ترفع صوتك لتُثبت رأيًا.

وكان لك مع الذاكرة شأن آخر؛

تكتب الأيام، وتدوّن الأحداث، تسجّل المواليد والوفيات، المناسبات العامة والخاصة،

كأنك كنت تشعر أن الحياة تمر أسرع مما ينبغي، وأن التوثيق نوع من الوفاء.

واليوم، وأنا أكتب عنك، أدرك أن حضورك لم ينتهِ برحيلك،

بل تغيّر شكله فقط.

أراك في دعاء من علّمته، وفي آية تُتلى بصوت من مرّوا من يديك،

وفي سيرة رجلٍ عاش مستقيمًا دون ادعاء، ومضى إلى ربه خفيفًا كما عاش.

رحلتَ يا والدي، لكن أثر الرجال الصادقين لا يُدفن، ولا يُنسى، ولا ينتهي.

رحمك الله رحمةً تليق بنقاء قلبك،

وجعل ما زرعتَه نورًا في ميزانك،

وجمعنا بك

ابنك الذي ما زال يتعلّم منك

حتى بعد الرحيل


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com