الأستاذ الدكتور عبدالله المالكي … من مدرجات العلم إلى ميادين التأثير
27 فبراير 2026
0
2079

حوار وإعداد : د. وفاء ابوهادي

 

“قُم للمعلم وفِّه التبجيلا … كاد المعلم أن يكون رسولا”

بهذا البيت الخالد تتجلى مكانة المعلم في الوجدان الإنساني وتتجسد رسالة العلم بوصفها أسمى الرسالات وأبقاها أثرًا، فالمعلم ليس ناقل معرفة فحسب بل صانع أجيال ومهندس وعي وباني حضارات .

وفي هذا اللقاء العلمي المبارك نقف إجلالًا وتقديرًا أمام قامة أكاديمية سامقة صنعت من البحث منهجًا ..ومن العطاء رسالة ومن الإخلاص طريقًا لا يحيد. شخصيةٌ شيدت صرحًا علميًا راسخًا وأسست مسيرةً بحثيةً متميزة أصبحت مرجعًا يُشار إليه بالبنان ومثالًا يُحتذى في ميادين المعرفة .

إننا اليوم لا نستعرض سيرةً ذاتية بقدر ما نستحضر تجربةً علميةً متكاملة وتجربة جمعت بين عمق البحث ورصانة الطرح وأصالة الفكر واتساع الأفق، فقد أسهمت هذه الشخصية القيادية في مدّ الجسور بين التخصصات وربط النظرية بالتطبيق وتعزيز ثقافة البحث الرصين؛ لتصبح بصمتها واضحة في كل موقعٍ عملت فيه، وفي كل طالبٍ تتلمذ على يديها وفي كل بحثٍ حمل اسمها .

ولم يكن عطاؤها علميًا فحسب بل اتسم بروحٍ إنسانيةٍ شفافة جعلت من العلم رسالة أخلاقية ومن القيادة مسؤوليةً تربوية ومن الإنجاز منصةً لتمكين الآخرين وصناعة الفرص لهم.

ضيفنا الكريم اليوم ليس مجرد اسم في سجل الأكاديميين بل هو تجربة ملهمة وسيرة عطاء وعنوان إخلاص ترك أثرًا ممتدًا في مملكة الخير علمًا وبحثًا وبناء أجيال

نقف أمام هذه المسيرة بدهشة الإعجاب وبامتنان التقدير،لنحتفي بعلمٍ أثمر،وفكرٍ أنار وجهدٍ استحق أن يُخلّد في ذاكرة التاريخ. لقد بدأ من منصة الصفوف الثانوية حيث تبدأ الحكايات الكبرى بصوت معلمٍ يزرع الفكرة الأولى وانطلقت مسيرة أكاديمية صنعت من التجربة التربوية سلّمًا نحو القمة. فتشكّلت ملامح شخصية علمية أدركت مبكرًا أن التعليم ليس نقل معرفة فحسب بل صناعة إنسان، ولم تخلو مسيرته من التحديدات واجهها بكل صمود وإيمان بخطاه. ففي زمنٍ تُقاس فيه النجاحات بالأسماء اللامعة يختار هو أن يُربط المجد بالطريقة لا بالشخص.

ومن بين ثنايا هذا اللقاء، تتبدّى شخصية معلمٍ لا يطمح إلى أن يُذكر بمنصبٍ أو لقب بل بأثرٍ في القلوب يتمنى أن يراه طلابه بعد سنوات كما كان بينهم، مُلهِمًا آمن بقدراتهم وغرس فيهم الثقة وساعدهم على تجاوز العثرات.

لا يريد تمثالًا من كلمات بل دعاءً صادقًا من طالبٍ شعر يومًا أنه كان سببًا في أن يرى إمكانياته بوضوح في تصوّره، فالتعليم رسالة تعاطف قبل أن يكون تلقينًا وتحفيز قبل أن يكون تقييمًا.

إنها شخصية تجمع بين صرامة الفكرة ودفء القلب بين قيادةٍ تؤمن بالمؤسسة وتعليمٍ يؤمن بالإنسان وحياةٍ خاصة تقوم على الشراكة والرحمة هكذا يختار أن يُعرَف… وهكذا يُكتَب أثره. إنه الأستاذ الدكتور / عبدالله بن عيضه بن مسفر المالكي، والذي كان لنا شرف كبير بإستضافته في أروقة صحيفة شبكة الإعلام السعودي، وكان أول سؤالاً وجّهناه عن بدايته :

بدأتم مسيرتكم معلماً للتربية الإسلامية في المرحلة الثانوية، ثم تدرجتم حتى درجة أستاذ دكتور كيف أثرت تلك المرحلة التربوية المبكرة في تكوينكم الأكاديمي؟

بلا شك أن التدرج الوظيفي التصاعدي في التعليم العام الثانوي والمتوسط له دور فاعل في بناء وصقل وتهذيب المادة العلمية للعمل الأكاديمي لمابعد المرحلة الثانوية ، التعليم العالي ( الجامعي ) وتعد خطوة استراتيجية تصقل خبرة التربوي، حيث تنقل المعلم من التركيز على «الضبط والتدريس التأسيسي» إلى «البحث والتحليل النقدي».

فيكتسب المعلم خبرة تربوية تتيح له فهم الفروق الفردية ، وتكسبه كذلك مهارات إدارية، مما يعزز قدرته على التعامل مع مستويات مختلفة من الطلاب في التعليم العالي.

 

ما الفارق الجوهري بين بناء الطالب في المرحلة الثانوية وبنائه في الدراسات العليا؟

الفارق الجوهري هو الانتقال من “التلقي الموجه” إلى “التعلم الذاتي والمسؤولية الشخصية”.

ففي الثانوية، يكون الطالب محور نظام تعليمي محدد، بينما يصبح في الجامعة مسؤولاً عن إدارة وقته، اختياراته الدراسية، والتعمق في البحث والتحليل بشكل مستقل، مع تحمل النتائج المترتبة على ذلك ، وأبرز فروقات بناء الطالب:

١- في الجانب الأكاديمي: يتحول من مستهلك للمعلومات (تلقين/إملاء) إلى باحث يجمع ويحلل المعلومات بمفرده.

٢- في إدارة الوقت: يتحول من جدول مدرسي صاغه الآخرون إلى الحرية الكاملة في تنظيم الجدول الدراسي الشخصي.

٣- وفي المسؤولية: الانتقال من إشراف مدرسي/أسري مباشر إلى الاستقلالية الكاملة، مما يتطلب نضجًا عاطفيًا واجتماعيًا.

٤- وفي بيئة التعلم: من صفوف دراسية صغيرة ومحدودة إلى محاضرات كبيرة وبيئة بحثية تتطلب المبادرة، والتغلب على الضغوط النفسية والاجتماعية.

٥- التخصص: من دراسة مواد عامة إجبارية إلى اختيار مسار دراسي تخصصي يحدد المستقبل المهني.

هذا التحول يتطلب من الطالب تطوير مهارات الوعي الذاتي، في إدارة الوقت، والتفكير النقدي للنجاح في المرحلة الجامعية.

 

ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال انتقالكم من العمل التربوي إلى العمل الأكاديمي البحثي؟

أبرز التحديات التي  تواجه الأكاديمي المنتقل من التعليم العام إلى التعليم الجامعي متنوعه ، منها تحديات جوهرية كالتأقلم مع ثقافة البحث العلمي ، وإدارة الأعباء التدريسية والإدارية المكثفة، والتكيف مع أساليب التدريس الحديثة والتقنيات الرقمية، بالإضافة إلى فجوة مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. كما تشمل التحديات مقاومة التغيير الثقافي وتطوير المهارات القيادية.

ولكن من أبرز تحديات الانتقال من التعليم العام إلى العمل في التعليم الجامعي مايلي :

١- التحول نحو البحث العلمي: حيث أن الانتقال من التدريس التلقيني في التعليم العام إلى بيئة الجامعة ، يتطلب إنتاجاً بحثياً مستقلاً، ونشر أوراق علمية، والمساهمة في الابتكار.

٢- تطوير أساليب التدريس (التعليم الرقمي): فهناك حاجة إلى التكيف مع التقنيات الحديثة، والتعلم عن بعد، واستخدام أدوات تعليمية مبتكرة، بدلاً من الطرق التقليدية.

٣- الأعباء الإدارية والتدريسية: وتعد مواجهة أعباء إضافية تتجاوز التدريس، مثل الإشراف الأكاديمي، اللجان التنظيمية، وإدارة بيانات الطلاب تحدي كبير للعمل في بيئة الجامعة.

٤- مواكبة سوق العمل: اذ هناك فجوة المناهج الحالية مع احتياجات سوق العمل، مما يتطلب مهارات لتطوير وتحديث المناهج لردم هذه الفجوة.

٥- مقاومة التغيير: اذ التكيف مع ثقافة مؤسسية جامعية تختلف جذرياً عن هيكلية التعليم العام، بما في ذلك التعامل مع مقاومة التغيير وتبني التكنولوجيا.

٦- نقص المهارات القيادية: فالحاجة إلى تطوير مهارات قيادية وتدريبية فعالة لإدارة الفصول الجامعية وتحفيزها.

 

هل تعتقدون أن عضو هيئة التدريس اليوم مطالب بدور تربوي يتجاوز القاعة الدراسية؟

بلا شك ، أرى أن عضو هيئة التدريس اليوم مطالب بدورٍ تربوي يتجاوز حدود القاعة الدراسية، بل إن طبيعة المرحلة تفرض ذلك، لعدة اعتبارات:

أولاً: تغيّر وظيفة الجامعة.

اذ لم تعد الجامعة مجرد فضاءٍ لنقل المعرفة، بل أصبحت بيئةً لصناعة الوعي وبناء الشخصية وتنمية القيم. وهذا ما أكّدته توجهات منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة في حديثها عن أدوار التعليم العالي في ترسيخ المواطنة والمسؤولية المجتمعية.

ثانياً: تحوّل الطالب نفسه.

طالب اليوم يعيش في عالمٍ مفتوح إعلامياً ورقمياً، يتعرض لتدفقات فكرية وثقافية متباينة. ومن هنا يصبح عضو هيئة التدريس موجهاً ومرشداً، لا ناقلاً للمعلومة فحسب.

ثالثاً: مسؤولية القدوة.

التأثير غير المباشر (السلوك، الخطاب، الانضباط، النزاهة العلمية) قد يكون أعمق أثراً من المحاضرة نفسها ، فالجامعة فضاءٌ لتشكيل المعايير المهنية والأخلاقية.

رابعاً: العلاقة بين المعرفة والقيم.

فالمعرفة المجردة بلا توجيه قيمي قد تنتج كفاءة بلا بوصلة.

والدور التربوي هنا يعني: تعزيز التفكير النقدي.

تنمية الحس الأخلاقي ، ترسيخ الانتماء والاعتدال.

دعم الصحة النفسية للطلبة ضمن الحدود المهنية.

 

ما الذي يميز الفقه المقارن بوصفه تخصصاً بحثياً في معالجة القضايا الفقهية المعاصرة؟

الفقه المقارن كـتخصص بحثي في معالجة القضايا المعاصرة يتميز بقدرته على تحليل ونقد الآراء الفقهية المتعددة (بين المذاهب أو مع القانون الوضعي) وتجريدها من التعصب، اعتماداً على المنهجية التحليلية، والتصوير الدقيق للنوازل، ومناقشة أدلة المذاهب لترجيح الأقرب لمقاصد الشريعة ومصلحة العصر.

وأبرز خصائص الفقه المقارن في القضايا المعاصرة  :

١- الشمولية وتعدد الآراء: يجمع بين آراء الفقهاء في المذاهب الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنابلة) وقد يتجاوزها للمذاهب الأخرى، مما يثري المعرفة ويقدم خيارات متنوعة.

٢- المنهجية التحليلية الدقيقة: لا يقتصر على سرد الآراء، بل يدرس أدلة كل فريق، ويناقشها، ويحلل مناهج الاستنباط، مما يساعد على انتقاء الحكم الأنسب.

٣- الواقعية والتصوير الدقيق للمسائل: يتميز بقدرته على تصور النوازل والقضايا المعاصرة (مثل المعاملات المالية الحديثة والمسائل الطبية) على حقيقتها، ثم تطبيق الحكم الشرعي عليها.

٤- التحرر من التعصب المذهبي: يقوم على مناقشة الآراء بموضوعية وتجرد، مقدماً دليلاً واحداً كحجة، مما يساهم في التقريب بين المذاهب والوحدة الفقهية.

٥- ربط الأحكام بالمقاصد: يوازن بين النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة، مما يضمن مرونة الأحكام وقدرتها على استيعاب المستجدات.

٦- المقارنة مع القانون الوضعي: يتيح مقارنة الأحكام الفقهية مع القوانين الوضعية، مما يسلط الضوء على مزايا التشريع الإسلامي وقدرته على حل مشكلات العصر.

باختصار: الفقه المقارن هو أداة متطورة تربط بين التراث الفقهي الغني والتحديات العصرية بأسلوب علمي رصين.

 

كيف يمكن للفقه المقارن أن يسهم في ترشيد الاجتهاد الفقهي في ظل المستجدات المتسارعة بهذا العصر ؟

يستطيع أن يسهم الفقه المقارن في ترشيد الاجتهاد المعاصر عبر عرض الآراء الفقهية المتعددة ومناقشة أدلتها (منقولاً ومعقولاً) وفق منهج علمي رصين، مما يتيح اختيار القول الأقرب لمراد الله وتحقيق المقاصد الشرعية، والاستفادة من التلاقح الفكري للخروج بأيسر وأسلم الحلول للمستجدات. كما يربط النصوص بالواقع، ويفعل المقاصد في القضايا المعاصرة وذلك وفق الآتي :

١- تصوير المسائل بدقة: اذ يبدأ الفقيه المقارن بتصور المسألة المستجدة ومحل النزاع فيها بدقة، مما يسهل تنزيل الحكم عليها.

٢- موازنة الأدلة وترجيحها: يعرض الفقه المقارن أدلة الفرقاء ويناقشها، مما يمكّن من ترجيح الأقوى دليلاً أو الأكثر تحقيقاً للمصلحة في ظل المتغيرات.

٣- التلاقح الفكري: يوفر الفقه المقارن فرصة للاستفادة من تجارب المذاهب المختلفة، مما يثري الفكر الفقهي ويمنع الانغلاق.

٤- تحقيق مقاصد الشريعة: يضمن الفقه المقارن عدم الغفلة عن مقاصد الشريعة عند استنباط أحكام التكنولوجيا والمعاملات الجديدة.

٥- تجديد فقه المعاملات: يُجدد الفقه المقارن في المنطلقات المنهجية، وضوابط المعاملات، والمصطلحات الفقهية المعاصرة.

كيف توازنوا بين الالتزامات الأكاديمية والمهام القيادية والمشاركة المجتمعية؟

التوازن هنا ليس رفاهية بين الالتزامات الأكاديمية ومهام القيادة والمشاركة في الخدمة المجتمعية بل هو ضرورة استراتيجية وفق اطارات عملية لذلك التوازن :

أولًا: وضوح الأدوار قبل إدارة الوقت.

لا تبدأ بتنظيم وقتك قبل أن تُعرّف

ما هو دوري الأكاديمي الأساسي؟

ما هو دوري القيادي (إداري/إشرافي/مؤسسي)؟ما هو مجال مشاركتي المجتمعية؟

وكل دور يجب أن يكون له أهداف محددة

نتائج قابلة للقياس ، سقف زمني واضح

من لا يحدد حدود أدواره تتداخل عليه التوقعات.

ثانيًا: وضع أولويات :  اساسية – وتطويرية.

– أساسية : بأن يقسّم مهامه إلى ثلاث فئات مثل: المحاضرات ، الإشراف ، القرارات القيادية الجوهرية.

– تطويرية ، مثل البحث العلمي، تطوير البرامج، بناء شراكات مجتمعية

المشاركات، المبادرات، اللجان، اللقاءات العامة.

والحرص على أن لا يطغى جانب على آخر.

ماهو التحدي الأكبر الذي يواجه كليات الشريعة اليوم، هل المناهج؟ أم المخرجات؟ أم صورة التخصص في المجتمع ؟

لو أردنا تحديد “الأخطر أثراً اليوم ” في التحدي الذي يواجه كليات الشريعة فأراه فيما يلي :

أولاً : صورة التخصص في المجتمع هو ( التحدي الأعمق) ، اذ الصورة الذهنية أصبحت تؤثر في:

إقبال الطلاب المتميزين.

فرص التوظيف.

مكانة الخريج في سوق العمل.

ثقة المؤسسات بالمتخصص الشرعي ، ففي زمن التقنية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ينظر بعض الشباب إلى التخصصات الشرعية باعتبار انها أقل دخلاً ، محدودة الوظائف ، تقليدية الطابع ، بعيدة عن التأثير التنموي.

وهذا أخطر من ضعف المناهج؛ لأن الصورة إذا اهتزت أثرت في كل شيء بعدها.

ثانياً: المخرجات (تحدي الكفاءة لا المعرفة)

بعض كليات الشريعة تخرّج حافظاً للنصوص، ملماً بالخلاف،لكن ليس قادراً على تحليل الواقع، أو مخاطبة الإعلام أو العمل المؤسسي، أو معالجة النوازل المعاصرة (المالية، الطبية، التقنية).

والسوق اليوم لا يريد “معلومة”، بل يريد قدرة على الإفتاء المنضبط ، مهارة في التواصل ، فهم للأنظمة ، إلمام بالاقتصاد والاجتماع والإدارة.

ثالثاً: المناهج (تحدي التحديث دون التفريط)

والمشكلة ليست في التراث نفسه ، بل في طريقة تقديمه.

هل تُدرَّس المسائل:

بوصفها محفوظات؟

أم باعتبارها منهجاً في التفكير والاستدلال؟

 

هل هناك فجوة بين البحث الأكاديمي الفقهي واحتياجات المجتمع الفعلية؟

نعم، يمكن القول إن هناك فجوة نسبية في بعض البيئات بين البحث الأكاديمي الفقهي واحتياجات المجتمع الفعلية، لكنها ليست فجوة مطلقة، بل تتفاوت باختلاف المؤسسات والباحثين والسياقات. ويمكن تحليلها في عدة مستويات:

أولاً: طبيعة موضوعات البحث

كثير من الرسائل والبحوث:

تدور حول قضايا تراثية مستهلكة أُشبعت بحثاً. أو تكرر موضوعات تقليدية دون إضافة منهجية أو تنزيل معاصر.

بينما المجتمع يواجه:

تحولات اقتصادية (التمويل الرقمي، العملات المشفرة، الذكاء الاصطناعي).

قضايا أسرية معقدة.

إشكالات قانونية حديثة.

أسئلة فكرية وأخلاقية متجددة.

الفجوة هنا: فجوة موضوع لا فجوة علم.

ثانياً: منهجية البحث

البحث الأكاديمي غالباً ، نظري تحليلي ، يهدف للترقية العلمية ، ويخاطب المتخصصين فقط.

بينما المجتمع يحتاج فتاوى مؤصلة بلغة واضحة دراسات سياسات شرعية ، حلول عملية قابلة للتطبيق.

الفجوة هنا : فجوة تنزيل وتواصل.

ثالثاً: الحوافز المؤسسية ، الترقية الأكاديمية : تكافئ الكمّ والنشر المحكّم ، لا تكافئ بالقدر نفسه الأثر المجتمعي.

فتنشأ بحوث قوية من حيث الصياغة الأكاديمية، لكنها محدودة الأثر في الواقع.

رابعاً: صورة الفقه في الوعي العام

أحياناً المشكلة ليست في البحث، بل في ضعف الجسور بين الأكاديميين والقطاعات التنفيذية.

وذلك بغياب منصات ترجمة المعرفة الفقهية إلى سياسات عامة.

 

كيف ترون مستقبل التعليم المستمر في ظل التحول الرقمي وتسارع التغيرات المعرفية؟

أرى ان مستقبل التعليم المستمر في ظل التحول الرقمي وتسارع التغيرات المعرفية، لم يعد النموذج التقليدي ( تعليم العشرينات الذي تمت ممارسته ( ولم يعد صالحاً ) اصبح التعليم المستمر شرطاً للبقاء المهني لا مجرد تحسين إضافي ، وذلك للمبررات التالية :

اولاً : أننا أمام تقادم سريع للمعرفة والمهارات تحوّل في طبيعة الوظائف (بعضها يختفي وأخرى تنشأ ) انتقال من اقتصاد الشهادة إلى اقتصاد الكفاءة.

ثانياً : أن مستقبل التعليم المستمر يبدو

من الشهادات إلى المهارات الدقيقة

وسيتجه العالم إلى شهادات قصيرة مركزة برامج مهارية متخصصة

اعتماد قائم على الكفاءة لا على عدد الساعات.

وقد بدأت جامعات كبرى مثل جامعة هارد فارد في تقديم مسارات تعليمية مرنة رقمياً.

صعود المنصات الرقمية العالمية.

ثالثاً : أعادت تعريف الوصول إلى المعرفة، وألغت احتكار الجغرافيا.

التعلم المدمج والتعلم حسب الطلب

محتوى رقمي + لقاءات حضورية نوعية.

تعلم عند الحاجة (Just-in-time learning).

مسارات شخصية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

رابعاً : دور الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي سيحوّل التعليم المستمر من محتوى عام إلى محتوى مخصص.

ومن تقييم موحد إلى تقييم تكيفي.

ومن إرشاد بشري محدود إلى دعم ذكي دائم.

أنتم من الأسماء البارزة في الدراسات الفقهية المعاصرة، كيف تصفون مسيرتكم البحثية؟ وما المنهج الذي اعتمدتموه في معالجة القضايا الفقهية المستجدة؟

الفقيه دايماً ينبغي أن يتصف بالباحث الذي يجمع بين رسوخ التأصيل، ووعي الواقع، وحسن التنزيل ، وهو النموذج الذي تحتاجه كليات الشريعة اليوم — خاصة في ظل التحديات التي أشرتم إليها سابقًا حول صورة التخصص والمخرجات.

فمسيرتي البحثية من وجهة نظري أرى أنها تجمع بين الأصالة التأصيلية ، والوعي بالتحولات المعاصرة، والحرص على البناء المنهجي ، وذلك وفق الآتي :

١- التأصيل قبل التنزيل ، وذلك بتناول القضايا المعاصرة ، منطلقًا من: تحرير محل النزاع ، استقراء أصول المسألة في كتب التراث ، ربط الفروع بأصولها وقواعدها الكلية.

وهذا يمنح البحث عمقًا، ويقيه من الارتجال أو الانبهار بالطارئ.

٢- فقه الواقع وفقه المآلات

وذلك بابراز السياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية، مع اعتبار:

تغير الأعراف

تعقّد المعاملات

أثر النظم الحديثة في تنزيل الأحكام

حتى لايكون الحكم الفقهي معزولًا عن مآلاته وآثاره المجتمعية.

٣- اعتمدت النظر المقاصدي، ولكن دون تفلت من ضوابط: النص ، الإجماع ، القواعد الأصولية

فكان المقصد خادمًا للدليل لا بديلًا عنه.

٤- العناية بالصياغة الأكاديمية المحكمة

وذلك وضوح المنهج ، وترتيب الأفكار ، وحسن التوثيق ، والجمع بين العرض والتحليل والنقد

ثانياً: المنهج المعتمد في معالجة القضايا الفقهية المستجدة.

منهجي تأصيلي تحليلي مقاصدي تطبيقي، ويتجلى في الخطوات الآتية:

١- التكييف الفقهي الدقيق للنازل ، قبل إصدار الحكم، يتم تحديد حقيقتها القانونية والواقعية، والتمييز بين ما يشبهها وما يفارقها.

٢- الرد إلى الأصول والقواعد ربط النازلة بالقواعد الكبرى مثل: قاعدة رفع الحرج

اعتبار العرف ، تحقيق المناط.

٣- الموازنة بين الأقوال الفقهية بحيث لا يقتصر النظر الى مذهب واحد، بل يُستحضر التراث المذهبي بمجموعه، مع ترجيح ما يحقق

قوة الدليل ، مناسبة العصر ، سلامة المآل.

٤- استحضار المقاصد والمآلات

مع ضبطها بضوابط الأصول، دون توسع غير منضبط.

٥- صياغة الحكم بصيغة مؤسسية

بحيث يكون قابلاً للتطبيق في السياق النظامي المعاصر.

 

في بحثكم حول الأحكام الفقهية المستنبطة من حديث أنس في المقارفة. ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها؟ وكيف يمكن الإستفادة منها في الواقع المعاصر؟

حديث أنس رضي الله عنه في قصة موت احدى بناته صلى الله عليه وسلم وكانت زوجة لعثمان بن عفان رضي الله عنه ،

حيث قال صلى الله عليه وسلم  “هل فيكم من لم يقارف الليلة” (وفي رواية: “لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة”) طبعاً ليستقبل الجنازه في القبر ، استنبطنا منه :

١- استحباب تقديم من لم يباشر زوجته ليلاً لدفن الميت، تطييباً لنفسه وتجنباً للمشاغل الدنيوية، مع جواز دفن الأجنبي للمرأة، وإباحة البكاء رحمة، وتقديم أتقى الناس للدفن.

٢- استحباب البعد عن الجماع قبل الدفن.

٣- يستحب لمن يتولى دفن الميت ألا يكون قد باشر زوجته (قارف أهله) في تلك الليلة، ليجمع بين الطهارة الحسية وكمال الطمأنينة النفسية،

٤- أحقية الرجال بدفن المرأة: يدل الحديث على مشروعية قيام الرجال بدفن المرأة لقوتهم، وتجنباً لمباشرة النساء لمثل هذه المواطن، كما ذكرت.

٥- جواز دفن الأجنبي للمرأة: يجوز لغير المحارم (كأبي طلحة) إنزال المرأة في قبرها إذا لم يوجد محرم أو وجد مانع.

٦- تأثير الذنوب (وقيل الجماع) على الطهارة النفسية:رجح بعض العلماء أن المقصود بـ”المقارفة” هنا هو “الجماع”، لأن من باشر أهله يكون أقرب لذكر الشهوة، وأبعد عن الخشوع والسكينة المطلوبة في القبر،

٧- رقة قلب النبي صلى الله عليه وسلم وبكاؤه: يظهر في الحديث دموع النبي صلى الله عليه وسلم حزناً على ابنتة، وهو دليل على إباحة البكاء رحمةً لا تسخطاً على القدر، ذكرته الموسوعة الحديثية بالدرر السنية.

٨- فضل التواضع والتجرد من الملاذ: يشير الحديث إلى تفضيل الانشغال بالطاعة والهدوء الذهني عن الانشغال بمتاع الدنيا.

 

 في بحثكم حول أثر اختلاف المطالع في صيام رمضان كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاعتبارات الفقهية التقليدية ومتطلبات وحدة الأمة في العصر الحديث؟

تحقيق التوازن بين اختلاف المطالع ووحدة الأمة في صيام رمضان أنه يتم اولاً عبر اعتماد الرؤية المحلية الموثوقة ثم قبول شهادات الأقطار المتقاربة ، وتفعيل قرارات المجامع الفقهية بتوحيد الرؤية في حال أعلنتها سلطة عليا (حاكم) لرفع الخلاف، مع الاستئناس بالحسابات الفلكية الدقيقة لضبط الرؤية البصرية، مما يجمع بين اتباع السنة وتوحيد الكلمة ، ولكن مع مراعاة الاعتبارات الفقهية التقليدية ومحاولة التوفيق بينها ومتطلبات العصر :

١- ثبوت اختلاف المطالع: اتفق الفقهاء على أن اختلاف المطالع حقيقة كونية، لكنهم اختلفوا في اعتبارها في الصيام.

٢- حكم الحاكم يرفع الخلاف: إذا ثبتت الرؤية في بلد وأمر الحاكم بالصوم أو الإفطار، وجب الامتثال، ويسقط اعتبار اختلاف المطالع، لأن حكمه يرفع الخلاف.

٢- وحدة الأمة: في العصر الحديث، يُعد توحيد الصيام رمزاً للوحدة، ويمكن تحقيقه بتبني الرؤية في المشرق لتشمل المغرب إذا أمكنت الرؤية، مما يمنع الشقاق.

٣- دمج الفلك: الاعتماد على الحسابات الفلكية لـ نفي الرؤية المستحيلة (وليس إثباتها فقط) يساعد في ضبط الاختلافات الفقهية.

وسبل تحقيق التوازن يتم

  1. بتبني قاعدة التقارب: جعل المطالع المتقاربة جغرافياً (مثل الدول العربية أو القارة الواحدة) بحكم البلد الواحد.
  2. تفعيل دور الهيئات العلمية: اعتماد مراصد فلكية ولجان شرعية موحدة بين الدول لتوحيد الرؤية.
  3. الامتثال لقرار الحاكم: في حال أعلنت هيئة كبار العلماء أو جهة ذات سيادة في دولة ما الرؤية، يُفضل الالتزام بها تعظيماً لوحدة المسلمين.

 

تطرقتم في كتابكم كشف الستار ببيان الفرق بين نكاح المتعة والمسيار إلى قضية شائكة فقهيًا واجتماعيًا .. ما الدافع لاختيار هذا الموضوع ؟ وكيف تقيمون الجدل الدائر حوله اليوم

يعد الفرق بين نكاح المتعة ( وهو النكاح المؤقت بمدة معينة ، وهو النكاح المحرم عند الجمهور) ، ونكاح المسيار (وهو النكاح المستوفي للأركان فهو صحيح الاعتبار ، مع تنازل الزوجة عن بعض حقوقها ) قضية شائكة نظرًا لتداخل الجوانب الفقهية المستجدة مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية.

ويكمن الدافع لاختياره هو  البحث عن حل من الحلول لظاهرة العنوسة والطلاق وتكاليف الزواج، والجدل اليوم منقسم بين كونه تيسيرًا مشروعًا أو تحايلًا يهدر كرامة المرأة.

والفرق بين نكاح المتعة ونكاح المسيار يتبين

في الآتي :

١- نكاح المتعة: هو زواج محدد بمدة زمنية

معينة (يومين، شهر، سنة) ويعد باطلًا ومحرمًا عند جمهور الفقهاء ( أهل السنة ) ، ويعتبره البعض زنا.

٢- نكاح المسيار : عقد نكاح شرعي صحيح مستوفٍ للأركان (ولي، شهود، مهر) ورضا الزوجة، لكنها تتنازل فيه عن بعض حقوقها (كالسكن، النفقة، أو القَسْم) وترضى بأن يأتي الزوج لزيارتها، وهو جائز عند كثير من المعاصرين ، و الدافع لاختيار الموضوع

  1. الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
  2. ارتفاع تكاليف الزواج.
  3. كثرة المطلقات والأرامل.
  4. تأخر سن الزواج (العنوسة) أدى إلى البحث عن حلول بديلة.
  5. حاجة المرأة: رغبة بعض النساء، خاصة الموظفات أو اللواتي لديهن سكن خاص، في الزواج دون تغيير نمط حياتهن، أو التنازل عن الاستقلالية المادية.
  6. انتشار المصطلح: رواج زواج المسيار، خاصة في دول الخليج، مما يجعله نوازل فقهية تحتاج للتأصيل.

تقييم الجدل الدائر حاليًا يتمثل في أن :

الفريق المجيز (زواج المسيار): يرى أنه “زواج ميسر” أفضل من الوقوع في الحرام، وأنه يحفظ الحقوق الشرعية كاملة إذا توثق، حيث أن التنازل عن الحق لا يسقط الحق نفسه.

الفريق المعارض/المتحفظ: يرى أن المسيار -وإن صح عقده- يُفرغ الزواج من مقاصده السامية (السكن والمودة)، ويحول المرأة إلى أداة للمتعة فقط، وقد يؤدي إلى إهدار حقوقها وحقوق أطفالها.

الفجوة القانونية: يكمن الجدل الرئيسي في استغلال هذا النوع من الزواج للتحايل على النفقة، مما يجعله في نظر البعض زواجًا “ظالمًا” اجتماعيًا.

 

ارتبط اسمكم بكلية خدمة المجتمع لسنوات طويلة، كيف تنظرون إلى مفهوم “الجامعة المنتجة” ودورها في التنمية المحلية؟

الجامعة المنتجة” تعد تحولاً استراتيجياً من التعليم التقليدي إلى جامعة تساهم في التنمية المحلية عبر تحويل البحوث لمنتجات، دعم الابتكار، وتخريج كوادر تلبي احتياجات سوق العمل. وتلعب دوراً محورياً في خدمة المجتمع من خلال: تطوير الاقتصاد المحلي، خلق حاضنات أعمال للمشاريع الصغيرة، وحل مشكلات البيئة والمجتمع بمنهجية علمية.

ولعلنا نلقي نظرة تفصيلية إلى مفهوم “الجامعة المنتجة” ودورها:

١- تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية: لاتكتفي الجامعة بالتدريس، بل تستثمر خبراتها في تطوير منتجات ، وتقديم حلول علمية قابلة للتطبيق.

٢- عامل تغيير اجتماعي واقتصادي: تعمل كقاطرة للتقدم عبر الاستثمار في رأس المال البشري وتنمية الروح الوطنية وقيم المواطنة.

٣- دعم ريادة الأعمال: تمثل بيئة حاضنة للابتكار، وتعمل على تحويل أفكار الطلاب والباحثين إلى مؤسسات صغيرة ومتوسطة.

٤- الشراكة المجتمعية: تنظيم قوافل تنموية، وندوات علمية، وتقديم استشارات لحل مشكلات البيئة المحيطة، مما يربط الجامعة بالواقع.

٥- تنمية الموارد المالية: تعزيز موارد الجامعة من خلال الاستثمار في مخرجاتها البحثية، مما يقلل الاعتماد على التمويل الحكومي ويحقق استدامة مالية.

وباختصار، الجامعة المنتجة هي شريك فاعل في التنمية المستدامة، تربط بين التعليم والبحث العلمي والاحتياجات الفعلية للمجتمع المحلي.

ساهمتم في إعداد وتطوير البرامج التأهيلية والدبلومات التدريبية كيف يمكن لمثل هذه البرامج أن تواكب متطلبات سوق العمل المتغيرة ؟

حتى تتواكب البرامج التأهيلية والدبلومات التدريبية مع متطلبات سوق العمل المتغيرة فلا بد من تحديث المناهج دورياً بالتعاون مع خبراء الصناعة ، وتركيز التدريب على المهارات العملية والتقنية الحديثة، إضافة إلى توفير مرونة في الدراسة، وقياس أثر التدريب عبر مؤشرات الأداء، مع دعم وظيفي مباشر للمتدربين لضمان مواءمة المخرجات مع احتياجات القطاعات.

آليات مواكبة البرامج التدريبية لسوق العمل:

١- تحديث المحتوى ومشاركة خبراء الصناعة: مراجعة المناهج بشكل دوري لضمان ملاءمتها للتطورات الحديثة.

٢- التدريب القائم على المهارات الفعلية: توفير مشاريع عملية وتدريب تطبيقي يمنح خبرة واقعية قبل التخرج.

٣- استخدام التكنولوجيا الحديثة: دمج أحدث التقنيات في التدريب لتأهيل المتدربين.

٤- المرونة في التعليم: تقديم خيارات تعليمية متنوعة (حضوري، أونلاين، هجين).

٥- تقييم الأداء والاحتياجات: تحديد دقيق للاحتياجات التدريبية وربط نتائج التدريب بالأداء الفعلي للمتدرب.

٦- تأهيل الكوادر التدريبية: تطوير مهارات المدربين ليكونوا على دراية بأحدث المعارف.

٧- الشهادات الاحترافية: التركيز على دبلومات معتمدة تزيد من فرص التوظيف.

 

لكم دراسة حول التخصيص والتقييد عند علماء الأصول .. ما أهمية إحياء مباحث أصول الفقه في معالجة الإشكالات الفكرية المعاصرة ؟

إحياء علم أصول الفقه ليس عودة للماضي ، بل هو تفعيل للمنهجية العقلية المنطقية والنقلية التي تضمن سلامة الاستنباط ومواكبة المستجدات.

فعلى سبيل المثال : يعد التخصيص والتقييد عند الأصوليين أدوات منهجية دقيقة لضبط دلالات النصوص الشرعية، حيث يخرج التخصيص بعض أفراد العام، ويقيد التقييد مطلق الحكم بصفة أو شرط، مما يمنع الفهم السطحي، ويحقق التوازن بين مرونة الشريعة وثبات أصولها.

إحياء هذه المباحث ضرورة لمعالجة الإشكالات المعاصرة عبر استنباط أحكام مرنة للوقائع المستجدة، وفهم المقاصد، وتفكيك الشبهات الفكرية، وتنزيل النصوص على السياقات الحديثة بدقة.

أولاً: التخصيص والتقييد عند علماء الأصول (مفاهيم منهجية):

١- التخصيص : وهو إخراج بعض ما كان داخلاً في العام (مثل “أحل الله البيع” عام، خُصص بـ “إلا بيع الغرر”). هو صرف اللفظ العام عن شموله لكل أفراده لدليل.

٢- التقييد : هو حمل المطلق على المقيد، أو قصر حكم مطلق على قيد معين (مثل تقييد “تحرير رقبة” بـ “مؤمنة”).

٣- أهميتهما: منع التعارض الظاهري بين النصوص، وتضييق الدائرة العامة لتلائم الواقعة المحددة، وهو ما يبرز المرونة الأصولية.

٤- ثانياً: أهمية إحياء مباحث أصول الفقه في معالجة الإشكالات الفكرية المعاصرة:

  1. ضبط الفتوى وفهم النصوص: يمنع إحياء قواعد التخصيص والتقييد من الاستدلال السطحي بالنصوص العامة أو المطلقة على قضايا لا تنطبق عليها، مما يواجه التشدد أو التفلت.
  2. فقه الواقع والمقاصد: يربط الأصوليون بين دلالات الألفاظ ومقاصد الشريعة، مما يساعد في فهم المعاني الكلية وليس مجرد الحروف (مثل فهم المعاملات المالية الحديثة).
  3. المرونة والاجتهاد المعاصر: توفر القواعد الأصولية مناهج استنباط راسخة لاستخراج أحكام للنوازل، مما يثبت صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان.
  4. معالجة الشبهات الفكرية: التمكن من مباحث التخصيص والتقييد يمكّن من الرد على الشبهات التي تستغل نصوصاً عامة لضرب نصوص أخرى (تعارض الأدلة).
  5. تحقيق الموازنات: يساعد في فهم دقيق لتقديم “الخاص على العام” و”المقيد على المطلق”، مما يحقق العدالة والوسطية في التطبيق.
  6. الفكر الإسلامي المعاصر. 
الخلاصة:

 

في موضوع أحكام لباس المرأة في الشريعة الإسلامية، كيف توازنوا  بين الثوابت الشرعية والتحولات الثقافية المعاصرة؟

تتم الموازنة بين الثوابت الشرعية والتحولات الثقافية في لباس المرأة المسلمة بالمعايير التالية :

التمسك بالضوابط القطعية (الستر، الفضفاض، عدم الشفافية) مع المرونة في الشكل، اللون، والتصميم بما يناسب العرف والعصر دون مخالفة الشرع. التحولات المعاصرة تُقبل طالما التزمت بـ “المقاصد الشرعية” للملابس.

آليات الموازنة بين الثوابت والتحولات:

١- ثبات الضوابط (العورة والستر): التمسك بوجوب تغطية الجسم (عدا الوجه والكفين عند الجمهور) بملابس فضفاضة غير شفافة ولا تصف تفاصيل الجسد.

٢- مرونة الشكل (العرف والموضة): قبول تنوع التصاميم، الألوان، وأنماط الملابس (عبايات، فساتين، أطقم) طالما تحقق الستر، مع تجنب ملابس الشهرة والتشبه بالرجال.

٣- الاعتراف بالثقافة والمعاصرة: إدراك أن اللباس هو وسيلة تستر العورة ويواكب العصر (Modest Fashion). لا يجب أن تكون الأزياء الإسلامية منفصلة عن الحداثة، بل يمكن الجمع بين “الاحتشام” و”الأناقة”.

٤- تجنب الغلو: مراعاة فطرة المرأة في حب الزينة واللباس، ولكن ضمن الاعتدال، والابتعاد عن التبرج الذي يخرجها عن حد الاحتشام المأمور به.

المحصلة هي :

قبول التطور في “النمط” و”الذوق” (الثقافة المعاصرة)، بشرط عدم تجاوز “الحدود” (الثوابت الشرعية) التي تحافظ على كرامة المرأة وعفتها.

في بحثكم عن أحكام المعاقين في الشريعة الإسلامية، ما الرسالة التي توجهونها للمؤسسات الاجتماعية والتشريعية تجاه هذه الفئة؟

سؤالكم يمسُّ جوهر المقاصد الشرعية في باب الكرامة الإنسانية والرعاية الاجتماعية.

اذ إنّ أحكام ذوي الإعاقة في الشريعة الإسلامية ليست مجرد رخص فقهية، بل هي تجلٍّ عملي لمقصدٍ عظيم من مقاصد الشريعة، وهو حفظ النفس والكرامة ورفع الحرج، كما قال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾.

وقد تجلّى هذا المعنى في سيرة النبي ﷺ حين استخلف الصحابي الجليل عبدالله بن أم مكتوم

على المدينة رغم كونه كفيفًا، في رسالةٍ حضارية مبكرة تؤكد أن الإعاقة لا تُسقط الأهلية ولا تُنقص القيمة.

وفيها رسالة للمؤسسات الاجتماعية والتشريعية :

بالانتقال من الرعاية إلى التمكين.

فالشريعة لا تنظر إلى ذوي الإعاقة بوصفهم متلقين للصدقة فحسب، بل أصحاب حقوق أصيلة:

حق التعليم الملائم.

حق العمل وفق القدرة.

حق المشاركة المجتمعية.

حق التكييفات المعقولة في الأنظمة والخدمات.

فالمطلوب تشريعيًا: سنّ أنظمة تضمن الدمج لا العزل، والاستقلال لا التبعية.

وبناء التشريعات على قاعدة رفع الحرج.

وقاعدة المشقة تجلب التيسير ليست نصًا وعظيًا، بل قاعدة تنظيمية ينبغي أن تنعكس في: تسهيل الإجراءات الإدارية.

مرونة الاشتراطات الوظيفية.

توفير الخدمات التقنية والمكانية المناسبة.

ففي ذلك صيانة الكرامة قبل تقديم الخدمة.

فالإعاقة ابتلاء لا ينتقص من الكرامة؛ ومن ثم

يجب أن تخلو الأنظمة من أي صياغة تمييزية.

وأن يُستبدل خطاب الشفقة بخطاب الشراكة.

وينبغي توسيع مفهوم المسؤولية الجماعية

لان الشريعة تقرر مبدأ التكافل، وهو ليس خيريًا فقط، بل مؤسسيٌّ منظم.

فالزكاة والوقف أدوات تمويل مستدامة.

ونعلم أن المسؤولية الاجتماعية للشركات واجب أخلاقي وتشريعي.

ومحاولة إدماج الفقه المقاصدي في السياسات العامة من المهم أن يكون للفقهاء حضور استشاري في صياغة السياسات، بحيث تُبنى القوانين على:

مراعاة الأهلية الشرعية.

ضبط الولاية والوصاية.

تحقيق المصلحة دون تعطيل الكفاءة.

وفي الختام أقول :

قد خلُص البحث الى أن ذوو الإعاقة في التصور الإسلامي ليسوا هامشًا اجتماعيًا، بل جزءا من البنية الأصيلة للأمة ، وكل تشريع لا يحقق لهم الكرامة والتمكين، فهو قاصر عن استيعاب روح الشريعة، وإن وافق ظاهره.

 

 تناولتم المعاملات المالية بين المسلم وغير المسلم، ما أبرز الضوابط التي تحكم هذا الباب في ظل العولمة الاقتصادية؟

تستند المعاملات المالية بين المسلم وغير المسلم إلى أصل الإباحة، مع ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية لضمان مشروعيّتها في ظل العولمة، وأبرزها: تجنب الربا والغرر (المخاطرة)، خلو السلع والخدمات من المحرمات، والوفاء بالعقود، مع أهمية العدالة والشفافية وتجنب الاحتكار. في ظل العولمة، يتم التركيز على الاستثمار الحقيقي والمشاركة في الربح والخسارة، مع مراعاة الحوكمة والنزاهة.

ومن أبرز الضوابط التي تحكم المعاملات المالية مع غير المسلمين:

١- تحريم الربا : اذ يعد تحريم الفوائد الربوية بجميع صورها، سواء في القروض أو المعاملات البنكية التقليدية، هو الركن الأساسي في المعاملات المالية الإسلامية، حتى مع غير المسلمين.

٢- خلو المعاملة من الغرر : تجنب العقود التي تتضمن جهالة أو مخاطرة عالية (الغرر) التي قد تؤدي إلى النزاع أو الضرر، كما يتم تحريم بيع ما لا يملكه الفرد.

٣- مشروعية محل العقد: يجب أن يكون محل التعامل (السلعة أو الخدمة) حلالاً؛ فلا يجوز التعامل في المحرمات (كالخمر، الخنزير، المواد المخدرة، أو أنشطة القمار).

٤- الوفاء بالعقود والعهود: الالتزام التام ببنود العقود والعهود، وسداد الديون في مواعيد استحقاقها، بما يضمن استقرار المعاملات والثقة المتبادلة.

٥- تجنب الاحتكار: يحرم الاحتكار وحبس السلع لرفع أسعارها، وهو ما يضر بالنظام الاقتصادي التكافلي في الإسلام.

٦- العدالة والشفافية: الالتزام بمبادئ الحوكمة، ومحاربة الفساد، والشفافية في التعاملات لضمان حقوق كافة الأطراف.

٧- الأصل في المعاملات الإباحة: القاعدة العامة هي جواز كافة المعاملات المالية مع غير المسلمين ما لم تشتمل على مخالفة شرعية صريحة.

وفي عصرنا ( عصر العولمة ) ، تعزز هذه الضوابط الاستثمار في الأنشطة الاقتصادية الحقيقية وتجنب المضاربات الوهمية، مما يضمن توافق الأعمال مع أحكام الشريعة.

 

تطوير نظام الدراسة بالانتساب كان خطوة مفصلية، ما التحديات التي واجهت هذا المشروع؟ وهل ترون أثر النجاح فيه ؟

أول التحديات التي كادت تفشل مشروع الدراسة بالانتساب هو عمر مؤهل المرحلة الثانوية

اذ كانت لائحة الدراسة الجامعية تشترط ان لايزيد عمر شهادة المرحلة الثانوية عن خمس سنوات ، لكن بعد النظر الى تسرب الدارسين الى جامعات خارج الوطن لاتشترط ذلك الشرط تم تعديل اللائحة ورفعها لمجلس الجامعة واقرار القبول للدراسة في الانتساب حتى وان زاد عمر المؤهل الثانوي عن خمس سنوات.

وكذلك واجهت الدراسة بالانتساب ( التعليم عن بعد / التعليم الموازي) تحديات رئيسية أخرى  أبرزها صعوبة إدارة الوقت للموازنة بين العمل والأسرة والدراسة، ونقص الانضباط الذاتي، والشعور بالعزلة الاجتماعية لغياب التفاعل المباشر مع المعلمين والزملاء، والمشكلات التقنية في الوصول للمواد الدراسية، إضافة إلى ضعف الحافز الشخصي وتشتت التركيز في البيئة المنزلية.

 

في كتابكم منهج الاعتدال السعودي، كيف تُعرفون مفهوم الاعتدال؟ وما أبرز التحديات التي تواجهه في ظل الاستقطاب الفكري؟

منهج الاعتدال السعودي يقوم على الوسطية الإسلامية، ونبذ التطرف والغلو، وتعزيز التسامح والتعايش.

ويُعرف الاعتدال بأنه التوازن الفكري والسلوكي المنطلق من مقاصد الشريعة، متضمناً الوسطية في الدين، والواقعية في التعامل مع القضايا المعاصرة، ونشر قيم المواطنة.

وأبرز التحديات تشمل مواجهة الفكر المتطرف، وفكر الانحلال، والاستقطاب الفكري عبر وسائل التواصل.

ومنهج الاعتدال السعودي يتميز في انه :

١- منهج شمولي: يمثل الوسطية التي تميزت بها السعودية في الفكر والعمل.

٢- التزام شرعي: منسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، بعيداً عن المغالاة.

٣- الوسطية والاتزان: يجمع بين الحفاظ على الثوابت الدينية والتقاليد الاجتماعية وبين التطور والانفتاح الحضاري.

٤- محاربة التطرف: يركز على اجتثاث جذور الفكر المتطرف ونشر ثقافة الحوار.

٥- أبرز التحديات في ظل الاستقطاب الفكري:

٦- التطرف والانحراف الفكري: محاولات اختراق الأفكار المتطرفة لفئات المجتمع.

٧- الاستقطاب الحاد: تزايد الانقسام بين تيارات متشددة وأخرى متحللة من القيم، مما يضعف الوسطية.

٨- وسائل التواصل الاجتماعي: التحديات الأمنية والفكرية الناشئة عن الفضاء الرقمي وسرعة انتشار الشائعات والأفكار المتطرفة.

٩- تعزيز الوعي: صعوبة ترسيخ قيم المواطنة الحقة في ظل سياقات فكرية متضاربة

 

أصدرتم كتابًا تاريخيًا عن قبائل بني مالك البجليين بمحافظة الطائف ما أهمية التوثيق التاريخي المحلي في تعزيز الهوية الوطنية؟ وهل ترون مثل هذا التوثيق ضرورة لبعض القبائل السعودية المعروفة لتكون مرجعاً للأجيال القادمة ؟

الحديث عن قبائل بني مالك البجليين في محافظة الطائف يقودنا إلى مثال حيّ على قيمة التاريخ المحلي في بناء الوعي الوطني؛ فـ جرير بن عبدالله البجلي وهو من أعلام بجيلة – يمثّل امتدادًا تاريخيًا يربط الماضي الإسلامي المبكر بالحاضر الاجتماعي في جنوب الطائف ومرتفعات السراة.

أهمية التوثيق التاريخي المحلي في تعزيز الهوية الوطنية يكمن في :

١- تعميق الانتماء من الجذور لامن الشعارات

حين تُوثَّق سِيَر القبائل وأدوارها في خدمة الدين والوطن، يتحول الانتماء من مجرد رابطة عاطفية إلى وعي معرفي مؤصَّل.

٢- ربط التاريخ المحلي بالتاريخ الوطني العام

تاريخ القبائل في الطائف – ومنها بني مالك – ليس معزولًا، بل هو جزء من تاريخ الحجاز وتاريخ الدولة السعودية بمراحلها المختلفة. توثيقه يُظهر كيف أسهمت المكونات المحلية في بناء الكيان الوطني.

٣- حفظ الذاكرة من الضياع أو التحريف

كثير من الأخبار تنتقل شفهيًا، ومع الزمن تتعرض للنسيان أو المبالغة. التوثيق العلمي يحفظ الرواية في صورتها المنضبطة.

٤- تعزيز الوحدة الوطنية

عندما تُوثَّق تواريخ القبائل ضمن إطار الدولة الواحدة، يظهر التنوع بوصفه ثراءً داخل وحدة، لا عامل تفرّق.

٥- دعم الدراسات الأكاديمية

التوثيق المحلي يرفد الباحثين في التاريخ والأنساب والجغرافيا الاجتماعية بمصادر أصيلة

 

في كتابكم في ظلال الخمائل الذي يجمع بين السيرة والخاطرة. ما الذي دفعكم للانتقال من الطرح البحثي الأكاديمي إلى الكتابة الوجدانية؟

في كتابي ( في ظلال الخمائل )  لم يكن الانتقال من البحث الأكاديمي إلى الكتابة الوجدانية انتقالاً من حقلٍ إلى آخر، بقدر ما كان عودةً إلى الجذر الذي يغذّي الحقلين معًا.

فالطرح البحثي الأكاديمي يعتني بالبناء، بالتوثيق، بالتحرير المنهجي، وبالانضباط الاصطلاحي.

أما الكتابة الوجدانية فتعنى بالروح التي تسكن ذلك البناء، وبالنبض الإنساني الذي قد لا تتسع له الهوامش ولا تتسع له لغة التقرير.

والدافع للكتابة كان أمورًا عدة:

١- الحاجة إلى خطابٍ أقرب إلى الناس فليس كل معنى يُقال بلغة البحث يصل إلى عموم القرّاء، بينما الخاطرة والسيرة تفتح نافذةً يدخل منها المعنى إلى القلب قبل العقل.

٢- الرغبة في توثيق التجربة لا الفكرة فقط البحث يوثق الأفكار، أما السيرة فتُوثِّق الرحلة: التردد، والتشكل، والتحولات، وما بين السطور من أثر الزمان والمكان والناس.

٣- استعادة البعد الإنساني للمعرفة العلم إذا جُرِّد من الشعور صار جافًا، وإذا جُرِّد من المنهج صار سائلاً. فكان المزج بينهما محاولةً لإبقاء المعرفة حيّةً ومتزنة.

٤- الإيمان بأن التأثير لا يصنعه البرهان وحده أحيانًا تصنعه لحظة صدق، أو صورة شعورية، أو موقفٌ عاشه الكاتب ولامس به قارئه ، فالانتقال لم يكن تخليًا عن المنهج، وإنما كان توسيعًا لأفق التعبير؛ ليكون للبحث منطقه، وللوجدان لغته، وليلتقيا في نصٍّ يزاوج بين الفكرة والذكرى، وبين التأمل والتجربة.

ولو سُئلت: أيهما أقرب إلى نفسي؟

لقلت: البحث يُشبه الواجب، أما الخاطرة فتُشبه الحاجة ، وكلاهما لا يستغني عن الآخر.

 

أما كتاب إشراقات وتأملات فيحمل طابعًا اجتماعيًا إنسانيًا. كيف ترون دور الكلمة التأملية في زمن السرعة الرقمية؟

الكلمة التأملية تؤدي أدوارًا عميقة لا يمكن أن تقوم بها الرسائل السريعة أو المحتويات الخاطفة، ومن أبرز هذه الأدوار:

١- إعادة الإنسان إلى ذاته الفضاء الرقمي يُكثّف الضجيج، ويختصر المعاني، ويستعجل النتائج.

أما الكلمة التأملية فتبني مساحة صمت داخلي، تعيد للقارئ صلته بنفسه، وتمنحه فرصة لمراجعة أفكاره ومشاعره بعيدًا عن الاستهلاك اللحظي للمحتوى.

٢- ترميم البعد الإنساني وسائل التواصل تُكثِر التفاعل لكنها قد تُضعِف العمق.

النص التأملي يعيد الاعتبار لقيم: التعاطف، والوعي، والرحمة، والمسؤولية الاجتماعية — وهي قيم يحتاجها المجتمع أكثر في عصر الفردانية الرقمية.

٣- مقاومة السطحية المعرفية زمن «العناوين السريعة» قد يصنع ثقافة مبتورة.

أما الكلمة التأملية فتُعلّم التمهّل، وتحفّز التفكير، وتغرس عادة القراءة المتأنية، فتكون نوعًا من المقاومة الهادئة للسطحية.

٤- بناء وعي أخلاقي متوازن في ظل تدفق الآراء والانفعالات، يحتاج الإنسان إلى نصوص تُهذّب لا تُحرّض، وتُعمّق لا تُشتّت.

الكلمة التأملية — خاصة إذا انطلقت من تجربة صادقة — تزرع في القارئ بوصلة قيمية وسط الضجيج.

٥- صناعة أثر ممتد لا لحظي المحتوى السريع يُستهلك ثم يُنسى، أما التأمل فله قابلية أن يتحول إلى فكرة مرافقة، أو سلوك دائم، أو مراجعة مستمرة.

ولعل القيمة الكبرى لمثل كتاب «إشراقات وتأملات» أنه لا ينافس سرعة المنصات، بل يُقدّم بديلًا نوعيًا لها.

هو ليس ضد العصر، بل يُذكّر الإنسان بإنسانيته داخل العصر ، فالكلمة التأملية في زمن السرعة ليست ترفً بل ضرورة تربوية وثقافية وروحية.

لكم حضور لافت في الصحافة الورقية والإلكترونية، كيف ترون دور الإعلام في تقريب الخطاب الشرعي من المجتمع؟

يلعب الإعلام دوراً محورياً وحيوياً في تقريب الخطاب الشرعي من المجتمع عبر تبسيط الأحكام، تعزيز الوسطية، ومواجهة التطرف. يعمل الإعلام كجسر يربط بين نصوص الشريعة وواقع الناس، مستخدماً الوسائط الحديثة لتصحيح المفاهيم ونشر الوعي الديني الصحيح، مما يسهم في تشكيل سلوكيات إيجابية وتحصين المجتمع فكرياً.

وفيما يلي تفصيل لدور الإعلام في هذا السياق:

١- تبسيط الخطاب الديني: تحويل المفاهيم الشرعية المعقدة إلى محتوى مفهوم وجذاب يناسب مختلف مستويات الجمهور، مما يسهل فهم أحكام العبادات والمعاملات.

٢- تصويب الخطاب ومحاربة التطرف: تفعيل دور العلماء الوسطيين لمواجهة الأفكار المتطرفة عبر وسائل الإعلام، ونبذ خطاب الكراهية، وتعزيز قيم التسامح والتعايش.

٣- مواكبة التحديات المعاصرة: الإعلام مسؤول عن تقديم إجابات شرعية لقضايا العصر (اجتماعية، ثقافية، اقتصادية) بأسلوب يجمع بين القيم الإسلامية الأصيلة ومتطلبات الحياة الحديثة.

٤- استخدام وسائل التواصل الاجتماعي: استغلال المنصات الرقمية للوصول السريع إلى الشباب، وتقديم محتوى ديني هادف وموثوق، وتحصينهم من الغزو الثقافي.

٥- بناء الوعي المجتمعي: تعزيز الانتماء الوطني والإنساني، ونشر قيم العدالة والمساواة، مما يجعل الإعلام أداة لتوجيه الرأي العام نحو السلوك القويم.

نشرتم مقالات في صحف عريقة مثل (الجزيرة، المدينة، البلاد) ما الفارق بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الصحفية من وجهة نظركم؟

تختلف الكتابة الأكاديمية عن الصحفية جذرياً في : الهدف، الجمهور، والأسلوب. فالأكاديمية بحثية، رسمية، وموثقة بدقة لجمهور متخصص، بينما الصحفية إخبارية، مباشرة، وسريعة لعامة الناس. تعتمد الأكاديمية على الأدلة والتحليل المعمق، في حين تركز الصحفية على الإثارة، الشمولية، وسرد القصص ، وأبرز الفروقات تفصيلاً :

١- في الهدف والغرض ، فالأكاديمية:

إنتاج معرفة جديدة، تحليل نقدي، أو إثبات فرضيات.

الصحفية: نقل الأخبار، التثقيف، أو الترفيه.

٢- في الجمهور المستهدف الأكاديمية:

باحثون، أساتذة، وطلاب متخصصون.

الصحفية: الجمهور العام، القراء المتابعون للأحداث الجارية.

٣- في الأسلوب واللغة:

الأكاديمية: رسمية جداً، موضوعية، وتستخدم مصطلحات تخصصية دقيقة. الصحفية: بسيطة، جذابة، مباشرة، وتستخدم لغة سهلة الفهم.

٤- في التوثيق والمصادر:

الأكاديمية: إلزامية التوثيق الدقيق للمصادر لدعم الحجج.

الصحفية: تعتمد على المقابلات، الأخبار العاجلة، والمصادر المفتوحة، وتوثيقها أقل رسمية.

٥- في الهيكل والتنظيم:

الأكاديمية: هيكل صارم (مقدمة، منهجية، نتائج، مناقشة).

الصحفية: تعتمد “الهرم المقلوب” (الأهم ثم التفاصيل).

باختصار، الأكاديمية هي رحلة بحثية متأنية، بينما الصحفية هي نقل سريع للأحداث.

شاركتم في مؤتمرات علمية داخل المملكة وخارجها. كيف تُسهم هذه المشاركات في تطوير الباحث أكاديميًا؟

المشاركة في المؤتمرات العلمية – داخل المملكة وخارجها تعمق النضج العلمي

اذ حين يعرض الباحث ورقته أمام نخبة من المتخصصين، ويتلقى أسئلة نقدية وملاحظات منهجية، فإنه يختبر قوة طرحه، ودقة استدلاله، ومتانة منهجه. هذا الاحتكاك العلمي يُنضج الفكرة، ويكشف مواطن القوة والقصور، ويعيد تشكيل المشروع البحثي على أسس أكثر رسوخًا.

فالمؤتمر العلمي مدرسة مكثفة، يلتقي فيها الفكر بالنقد، والتجربة بالحوار، والطموح بالمسؤولية. وكل مشاركة جادة تضيف إلى الباحث طبقة جديدة من الوعي والمنهج والخبرة، حتى تتشكل شخصيته العلمية في صورة أكثر نضجًا في توسيع الأفق المعرفي

الاطلاع على أوراق بحثية من مدارس واتجاهات متعددة يفتح أمام الباحث آفاقًا جديدة، ويعرّفه بمقاربات لم تكن في حسبانه.

 

قدمتم ورقة عمل حول معوقات سوق العمل في الدبلومات التأهيلية، هل ترون أن الفجوة ما زالت قائمة بين التعليم وسوق العمل؟

أرى أن الفجوة ما زالت قائمة بين التعليم وسوق العمل، وإن كانت قد ضاقت في بعض الجوانب، لكنها لم تُردم بعد بصورة منهجية، خصوصًا في الدبلومات التأهيلية.

ويمكن تلخيص ذلك في عدة نقاط:

أولًا: فجوة المهارات : فكثير من البرامج لا تزال تركز على الجانب المعرفي النظري، بينما سوق العمل يتطلب مهارات تطبيقية عالية.

كفاءات تقنية متجددة.

ثانيًا: بطء تحديث المناهج سوق العمل يتغير بسرعة، مدفوعًا بالتحول الرقمي ورؤية المملكة 2030، بينما بعض البرامج التعليمية تتأخر في:

تحديث توصيفاتها.

إشراك القطاع الخاص في بناء المحتوى.

ربط التدريب الميداني بالاحتياج الفعلي.

وعندنا إشكالية التصور الاجتماعي

لا تزال بعض الدبلومات التأهيلية تُنظر إليها باعتبارها خيارًا أقل من التعليم الجامعي، رغم أن الاقتصاد الحديث يقوم على المهارات المهنية المتخصصة.

 

من خلال تجربتكم الطويلة ما أهم القيم التي ينبغي أن يتحلى بها الباحث الشرعي في هذا العصر؟

يتحتم على الباحث الشرعي في العصر الحديث الجمع بين الرسوخ العلمي والأخلاق الرفيعة، وأبرز القيم هي:

الإخلاص لله وتجرد النية.

الأمانة العلمية الدقيقة في النقل والتوثيق الموضوعية والتجرد عن الهوى والمذهبية الضيقة، الصبر والمثابرة في طلب الحق.

فقه الواقع مع التسلح بمنهجية النقد والاستنتاج.

والقدرة على ربط النصوص الشرعية بسياقها الحديث، وفهم فقه النوازل، مع سرعة البديهة والذكاء في ربط الأفكار.

 

ما المشروع العلمي الذي تتمنون إنجازه مستقبلاً؟

تتنوع المشاريع العلمية الشرعية المستقبلية الطموحة التي يهدف الباحثون وطلاب العلم إلى إنجازها، وتتركز أبرزها حول تطوير منصات رقمية ذكية للتعليم الشرعي المستدام (تستهدف نشر الثقافة الإسلامية بتبسيط وجودة)، تأسيس مراكز عالمية لترجمة الكتب والمراجع العلمية، وإطلاق برامج بناء علمي متخصصة تصقل مواهب طلاب العلم.

 

لكم مؤلفات ذات طابع اجتماعي وتأملي مثل “في ظلال الخمائل” و”إشراقات وتأملات” كيف تصفون هذه التجربة؟

تجربتي في الكتابة ذات الطابع الاجتماعي والتأملي – كما في في ظلال الخمائل وإشراقات وتأملات – لم تكن انتقالًا بقدر ما كانت امتدادًا طبيعيًا للمسار العلمي، ولكن بلغةٍ أكثر قربًا من الوجدان.

في كتابي ظلال الخمائل : حاولتُ أن أمزج بين السيرة والخاطرة، بين التجربة الشخصية والتأمل العام؛ فجاء النص أقرب إلى جلسة هادئة تحت ظلال الذكريات، أستدعي فيها مواقف الحياة، وأستنطقها دلاليًا وتربويًا، بعيدًا عن الصياغة الأكاديمية الصارمة، ولكن دون التفريط في العمق.

أما كتاب اشراقات وتأملات يومية : فكان أقرب إلى ومضات فكرية وإنسانية، تتناول قضايا المجتمع، والعلاقات، وقيم الأخلاق، بلغة مكثفة تختصر التجربة في عبارة، وتحوّل الحدث اليومي إلى معنى باقٍ.

 

بعد أكثر من ثلاثة عقود في التعليم والعمل الأكاديمي ما القيمة التي تعتز بأنها كانت محور مسيرتكم؟

بعد ثلاثة عقود، تظل قيمة “التمكين المعرفي الشامل” والتأثير المستدام هي المحور، من خلال دمج البحث العلمي المبتكر مع الإرشاد المهني لبناء أجيال قادرة على العطاء، وهو ما يعزز جودة التعليم والابتكار لخدمة المجتمع ، وذلك بالتكيف مع متطلبات العصر وتطوير المناهج لتعزيز الفهم بعيداً عن التلقين.

كيف تحبون أن يُقرأ أثر تجربتكم بعد سنوات في مسار الجامعة والتخصص؟

لو أردتُ أن يُقرأ أثر التجربة بعد سنوات في مسار الجامعة والتخصص، لتمنّيت أن يُقرأ من ثلاث زوايا:

أولًا: أثرًا في المنهج قبل المعلومة

أن يُقال: لم يكن همه تكثير الصفحات، بل تحرير المسائل، وربط النص بالواقع، وتأصيل الاجتهاد المنضبط ، فالقيمة الحقيقية في العمل الأكاديمي ليست في كثرة البحوث، بل في صناعة طريقة تفكير رصينة تبقى بعد صاحبها.

ثانيًا: جسرًا بين الجامعة والمجتمع

أن يُقرأ الأثر بوصفه محاولة لتقليص الفجوة بين البحث الفقهي وحاجات الناس، وأن الجامعة ليست برجًا عاجيًا، بل عقلًا حيًا يخدم قضايا العصر دون تفريط في الأصول.

ثالثًا: أثرًا إنسانيًا قبل أن يكون علميًا

أن يُذكر أن التجربة لم تقتصر على التدريس والإشراف، بل صنعت طلابًا يملكون الثقة، والوعي، وأدب الاختلاف ، فالجامعة في حقيقتها ليست مقررات تُدرَّس، بل شخصيات تُبنى.

وإذا سُئلتُ: ما الذي أرجوه تحديدًا؟

أرجو أن يُقال بعد سنوات: ترك أثرًا يُعين على التفكير، لا مجرد نصوص تُستحضر.”

فالأثر الحقيقي ليس ما يُقتبس بل ما يُستثمر

 

من هو الأستاذ الذي أثر في تكوينكم العلمي وتعتبرونه قدوتكم وما الذي تعلمتموه منه؟

أساتذتي كثر الذين كان لهم تأثير في تكويني العلمي ، ولكن من ابرزهم سعادة الاستاذ الدكتور / رمضان حافظ السيوطي من جامعة الأزهر حيث كان معاراً لجامعة أم القرى ودرست غلى يديه السنة المنهجية عام ١٤١١هـ

ثم تشرفت باشرافه على رسالتي العلميتين ( الماجستير والدكتوراه بكلية الشريعة جامعة أم القرى ) حيث اخترت البحث في فقه ابن عباس رضي الله عنهما ، الصحاب الذي سكن الطائف ودرّس فيها عدة علوم ومات ودفن فيها رضي الله عنه ، وعُرف بسماحته في الفتوى ، وكان لذلك أثر في تكويني الفقهي من حيث التحقيق والسماحة.

وكنت مابين : رُخص ابن عباس ، وشدائد ابن عمر.

 

ما أبرز الدروس المستفادة من تجربتكم القيادية التي يمكن أن تشكّل إطارًا مرجعيًا للأجيال الأكاديمية القادمة؟

القيادة الجامعية ليست تسيير أعمال، بل صناعة اتجاه ، وجود رؤية واضحة المعالم مرتبطة برسالة الجامعة واحتياجات المجتمع هو ما يمنح القرار معناه، ويجعل الجهد متسقًا لا عشوائيًا فالإنسان قبل النظام اذ الأنظمة تُحسّن الأداء، لكن الإنسان هو الذي يصنع الأثر.

الاستثمار في أعضاء هيئة التدريس والطلبة، وبناء بيئة تحترم الكفاءة وتحتضن المبادرة، هو أساس أي نجاح مؤسسي مستدام.

وهناك فرق بين قائد وآخر ، ولايكمن ذلك في غياب المشكلات، بل في طريقة التعامل معها.

 

لو أتيح لكم تلخيص تجربتكم في عبارة واحدة، ماذا ستقول ؟

أقول : ان من أخطر أخطاء القيادات أن ترتبط المؤسسة بشخصها لا بطريقتها.

 

كيف تتمنون أن يذكركم طلابكم وقراؤكم بعد سنوات؟

أتمنى أن يذكرني طلابي وقرائي كمعلم ملهم، آمن بقدراتهم، وساعدهم على تجاوز الصعاب، تاركاً أثراً إيجابياً في حياتهم وشخصياتهم وأن يتذكروني كشخص متعاطف ومحفز ، يغرس الثقة بالنفس، ويشجع على التعلم ، أتمنى أن يذكروني كشخص جعل حياتهم أفضل قليلاً، وساعدهم على رؤية إمكاناتهم الخاصة.

 

لو أُتيحت لكم فرصة إضافة سؤالٍ إلى هذا الحوار، سؤالٍ ترونه جوهريًا ولم يُتح له أن يُطرح فما هو السؤال الذي كنتم تتمنّون وجوده ؟

السؤال الذي تمنيت أن يطرح هو في خصوصية بيتي. 

كيف وجدت اختيارك لشريكة حياتك ورفيقة دربك ( زوجتك ) بعد مرور ٤٠ سنة من ارتباطكما ؟

اذ أن بيني وبين شريكة حياتي ورفيقة دربي على مدى اربعين عاماً ، توافق في عدة قيم.  :

القيم قبل الطباع،

واحترامٍ يسبق العاطفة،

وحوارٍ يتقدّم على الانفعال،

وشراكةٍ في الرسالة لا مجرّد مشاركةٍ في السكن،

فإن الإنسان يكتشف أن الاختيار لم يكن لشخصٍ فحسب، بل لمسارٍ كامل من الحياة.

السنوات الطويلة تكشف معدن الإنسان، فإن بقي الودّ حاضرًا، والرحمة ممتدة، والستر متبادلًا، كان الاختيار موفقًا – لا لأن الحياة خلت من الخلاف، بل لأن الخلاف لم يهدم الأساس.

وبعد أربعين عامًا يدرك المرء أن أعظم ما في الاختيار:

أن تجد من يكون معك في صعودك دون غرور،

وفي ضعفك دون شماتة،

وفي صمتك دون ملل،

وفي نجاحك دون منافسة

 

كلمة اخيرة لمن توجّهونها ؟

كانت لي كلمة أخيرة ، فإني أخصّ بها جيلاً أكاديميًا ناشئًا، وأقول لهم :

لا تنشغلوا بسرعة الوصول، بل بثبات المسير؛

فالعلم رسالة، والرسالة أمانة، وأمانتها تُحمل بالعقل المتزن، والقلب الحيّ.

والله يجعل أعمالنا خالصةً نافعة، وأثرنا ممتدًا بخيرٍ بعدنا.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com