بين الخبرة والتقدير … مسافة صامتة
31 ديسمبر 2025
0
32175

صالح سالم

في المؤسسات، لا تُقاس العدالة بما يُقال عنها، بل بما يُمارس داخلها. فالكلمات دائمًا أنيقة، والأنظمة حاضرة على الورق، لكن الاختبار الحقيقي يظهر في تلك المسافة غير المرئية بين ما يُقدَّم فعليًا، وما يُقابَل به من تقدير.

هناك خبرات لا تُعلن عن نفسها، ولا تحتاج إلى تذكير مستمر بقيمتها. تتراكم بهدوء، وتستقر في تفاصيل العمل اليومية، وتُستدعى عند الحاجة، ثم تعود إلى مكانها دون ضجيج. خبرات تعرف المؤسسة جيدًا، لأنها عاشت تحولاتِها، وواكبت تغيراتها، وحملت عبء الاستمرارية حين كان التغيير رفاهية إدارية.

غير أن هذه الخبرة، وعلى نحوٍ غير متوقع، قد تتحول مع الوقت إلى عنصر ثابت أكثر من اللازم. ثابت لا يُقلق، لا يُغادر، ولا يطالب. ومع هذا الثبات، يبدأ التعامل معها باعتبارها جزءًا مضمونًا من المشهد، لا أولوية تحتاج إلى إعادة نظر. فالاستقرار، في بعض البيئات، لا يُكافأ… بل يُستثمر.

في المقابل، تُدار بعض القرارات بعين انتقائية؛ عين ترى الجهد حين يكون مطلوبًا، وعين أخرى ترى الفرص حين تمر بالقرب. لا تناقض في ذلك، بل انسجام إداري محسوب. فهناك من يُكلَّف بالعمل، وهناك من يُكلَّف باتخاذ القرار، وهناك من يُطلب منه الانتظار حتى إشعار غير محدد.

المفارقة أن التقدير لا يُلغى، بل يُؤجَّل.

يُؤجَّل باسم المرحلة،

وبحجة التنظيم،

وبوعد قريب لا يحمل تاريخًا.

ومع تكرار التأجيل، تتحول المسافة بين الخبرة والتقدير إلى حالة صامتة، مألوفة، لا تستدعي التفسير.

الأكثر هدوءًا — وربما أكثر إيلامًا — أن الأنظمة لا تغيب، لكنها تُستخدم بمرونة عالية. تُستحضر كنص حين يخدم النص القرار، وتُعلَّق كقيمة حين يُنتظر منها أن تُنصف. أما الوعود، فهي الجزء الأكثر قابلية للتحديث؛ تتغير صياغتها، لا نتيجتها.

ومع مرور الوقت، لا يتراجع الأداء، بل يتراجع المعنى.

يستمر العمل، لكن دون شعور بالتقدم.

تُنجَز المهام، لكن بلا أفق واضح.

وتبقى الخبرة حاضرة، لا لكونها مُقدَّرة، بل لأنها ضرورية.

المؤسسات لا تخسر كفاءاتها فقط عندما تغادر، بل عندما تبقى دون تقدير. حين تتحول الخبرة إلى عبء صامت، لا يُعاقَب، ولا يُكافأ، بل يُترك في منتصف المسافة.

ربما آن الأوان لإعادة طرح سؤال بسيط، لكنه مؤجل منذ وقت طويل:

هل يُقاس النجاح الإداري بما يتحقق في الملفات،

أم بما يُحافَظ عليه في النفوس؟

لأن المسافات الصامتة لا تُرى في التقارير،

لكنها، مع الوقت،

تُحدِث الفرق.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com