بين الوعي القانوني وصناعة الجدل: ماهي مسؤولية المحامي أمام العامة ؟
06 يونيو 2026
0
1584
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية الحديثة مساحة واسعة لطرح الآراء القانونية والتعليق على الأنظمة والأحكام القضائية، وهو أمر إيجابي في أصله متى كان الهدف منه نشر الثقافة القانونية ورفع مستوى الوعي المجتمعي. إلا أن المتابع يلحظ في الآونة الأخيرة صدور بعض التصريحات القانونية التي لا تستند إلى أساس نظامي واضح، أو يتم طرحها بصياغة قاطعة رغم أنها تخالف النصوص النظامية أو التطبيقات القضائية المستقرة.
فمن الأمثلة المتداولة التصريح بأن مجرد إبداء المستهلك لتجربته حول مطعم أو منشأة تجارية عبر تعليقات خرائط قوقل (Google Maps) يعد جريمة معلوماتية. والحقيقة أن هذا التوصيف على إطلاقه غير صحيح؛ إذ إن الأصل أن للفرد حق إبداء رأيه ونقل تجربته الشخصية بصدق وأمانة، ما دام لا يتضمن سباً أو قذفاً أو تشهيراً أو ادعاءات كاذبة أو إساءة تتجاوز حدود النقد المشروع. فالأنظمة لا تجرم الرأي الصادق أو التقييم الموضوعي لمجرد أنه سلبي، وإنما تجرم الأفعال التي تنطوي على اعتداء على حقوق الآخرين أو الإضرار بهم بطرق غير مشروعة.
ومن الأمثلة كذلك التصريح بأن للأم الحق في الحصول على نصف راتب طليقها نفقة لأبنائها. وهذا أيضاً طرح غير دقيق من الناحية النظامية؛ إذ إن النفقة في النظام السعودي لا ترتبط بنسبة ثابتة من دخل الأب، ولا يوجد نص يمنح الأم نصف راتب الأب كقاعدة عامة. وإنما تقدر النفقة بحسب احتياجات الأبناء، وحال المنفق المالية، ويسره أو إعساره، وما يحيط بالواقعة من ظروف والتزامات، مع مراعاة السلطة التقديرية للقضاء في كل حالة على حدة. أما الاتفاق بين الوالدين على مبلغ أو نسبة معينة فهو أمر جائز بوصفه اتفاقاً رضائياً، لكنه لا يمثل قاعدة نظامية عامة.
وتكمن المشكلة الحقيقية في أن المتلقي العادي لا يملك في الغالب الخلفية القانونية التي تمكنه من التمييز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة، ولذلك فإن التصريحات القانونية غير الدقيقة قد تؤدي إلى تكوين تصورات مغلوطة عن الأنظمة والحقوق والالتزامات. كما أنها قد تدفع البعض إلى اتخاذ قرارات قانونية أو مالية أو أسرية بناءً على معلومات غير صحيحة.
ومن هنا تبرز المسؤولية المهنية والأخلاقية للمحامي عند مخاطبة الرأي العام. فالمجتمع ليس قاعة محكمة تتعدد فيها أوجه الدفاع والتفسير وفق معطيات كل قضية، بل إن التصريح الإعلامي يفترض أن يكون واضحاً ومنضبطاً ويعكس الحكم النظامي العام بدقة، مع بيان الاستثناءات والقيود متى وجدت. فالمحامي حين يتحدث للجمهور لا يمثل موكلاً يدافع عن موقفه، وإنما يؤدي دوراً توعوياً يقتضي الأمانة العلمية والدقة المهنية.
ويبقى التساؤل مطروحاً: هل تصدر بعض هذه التصريحات سعياً وراء الشهرة ومواكبة الترند وتحقيق الانتشار الإعلامي؟ أم أنها نتيجة فهم غير مكتمل للنصوص النظامية؟ أياً كان السبب، فإن النتيجة واحدة، وهي إرباك الوعي القانوني لدى المجتمع ونشر مفاهيم قد تكون بعيدة عن حقيقة النظام وتطبيقاته.
إن الحاجة اليوم ليست إلى زيادة عدد الأصوات القانونية في وسائل الإعلام، بل إلى زيادة جودة المحتوى القانوني ودقته. فالتوعية القانونية مسؤولية مهنية قبل أن تكون وسيلة للتسويق أو صناعة الحضور الإعلامي، والمحامي الذي يحظى بثقة المجتمع يجب أن يكون أكثر حرصاً على صحة المعلومة من حرصه على عدد المشاهدات أو التفاعل الذي تحققه تصريحاته.
.
المحامية / هديل باسهل

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com