حين يصبح الصمت خيانة للنفس
15 يناير 2026
0
1980

صالح سالم

 

لم يعد الصمت فضيلة، ولا الحكمة دائمًا في التغاضي.

في هذا الزمن، الصمت غالبًا ليس نضجًا… بل عجز مزيّن بالأدب.

نصمت لا لأننا حكماء، بل لأننا خائفون، ثم نقنع أنفسنا أننا نتصرف بعقلانية.

الظلم لا يعيش وحده.

الظلم يحتاج بيئة هادئة، وجمهورًا صامتًا، وأشخاصًا يفضّلون السلامة على الكرامة.

وما إن يطمئن أن لا أحد سيتكلم، حتى يتمدد، ويتوحش، ويطلب المزيد.

الصامت لا يُظلم مرة واحدة.

في المرة الأولى يُقهر،

في الثانية يتأقلم،

وفي الثالثة… يتحوّل إلى شريك.

فمن يقبل الإهانة اليوم، سيُطلب منه ابتلاع ما هو أسوأ غدًا.

كبرنا على ثقافة «خلّك بحالك»،

«لا تتدخل»،

«لا تصعّد».

فصنعنا مجتمعات ترى الخطأ، وتخاف من تسميته.

نخاف من خسارة منصب،

أو علاقة،

أو رضا مدير…

فنخسر احترامنا لأنفسنا قطعة قطعة، دون ضجيج.

الصمت لا يوقف الألم،

هو فقط يعيده إلى الداخل،

حيث يتراكم، ويتخمّر،

ثم يخرج في صورة احتراق داخلي، أو حقد، أو انهيار متأخر.

الصامت لا ينجو…

هو فقط يتأخر في السقوط.

والأكثر قسوة؟

أن الصامت حين يتكلم أخيرًا،

يُتهم بالمبالغة،

وبإثارة المشاكل،

وبأنه “لم يتحمل مثل غيره”.

وكأن التحمل كان بطولة،

وليس استنزافًا بطيئًا للكرامة.

نعم، ليس كل كلام شجاعة،

لكن الصمت الدائم جبن مقنّع.

وهناك لحظة يصبح فيها السكوت فعلًا غير أخلاقي،

حين يُسلب حق،

حين يُستغل جهد،

حين يُهان إنسان باسم النظام أو المصلحة أو “كذا المتعارف عليه”.

قد يظن بعض الإداريين أن الصمت رضا،

وأن الموظف الذي لا يشتكي إنسان مخلص،

وأن الهدوء في المكاتب دليل استقرار.

لكن الحقيقة أبسط… وأخطر.

الصامت لا يعني راضيًا،

يعني فقط أنه يعدّ الأيام.

يعدّ الفرص،

يعدّ البدائل،

ويعدّ اللحظة التي يقرر فيها الرحيل بلا ضجيج.

وحين يرحل الصامتون،

لا يكتبون شكاوى،

ولا يثيرون مشاكل،

ولا يودّعون أحدًا.

يتركون خلفهم فراغًا،

وأعمالًا متراكمة،

ومؤسسات تتساءل متأخرة:

«متى انهار كل شيء؟»

الإدارة التي تعتمد على الصمت،

تبني استقرارها على وهم.

فالخطر الحقيقي ليس في الموظف الذي يتكلم،

بل في ذلك الذي توقف عن الكلام تمامًا.

لأن من صمت طويلًا،

إذا قرر أن يرحل…

لن يعطي فرصة ثانية،

ولن يلتفت خلفه،

وسيأخذ معه أكثر مما تتخيلون:

الخبرة،

الولاء،

وكل ما كنتم تظنون أنه “مضمون”.

الصمت لا يعني الأمان،

الصمت إنذار مبكر…

لكن من لا يسمعه،

لا يلومنّ إلا نفسه عندما يبدأ الانهيار.

احذروا الصامت… صمته ليس رضا، بل إعلان عن نهاية صبره، وهو يعدّ الأيام، يحسب الفرص، ويختفي يومًا ما ليأخذ معه كل ما كنتم تظنون أنه مضمون… مع ابتسامة هادئة لا تُنسى.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com