
د. نواف آل شافي
هناك لحظاتٌ في تاريخ الأمم لا تُقاس بضجيج الانفجارات بل بما تكشفه من معادن الشعوب وصدق الرجال وثبات المبادئ
ومع الأحداث الأخيرة وما تعرضت له المملكة العربية السعودية من اعتداءات استهدفت أمنها وما اتخذته الدولة من إجراءات لحماية سيادتها والدفاع عن أرضها ومقدراتها برز مشهدٌ أكبر من السياسة وأعمق من العناوين الإخبارية مشهدُ وطنٍ يعرف متى يمد يده للسلام ومتى يقف بكل حزم ليحمي حقه وأمن شعبه.
إن المملكة لم تجعل السلام يومًا عنوانًا للضعف ولم تجعل القوة غايةً في ذاتها فمنذ تأسيسها وهي تؤمن بأن الأمن أساس العمران وأن الاستقرار نعمةٌ لا يفرط بها وأن حماية الإنسان والأرض والسيادة مسؤولية لا تقبل التهاون.
أن تكون سعوديًا فذلك ليس مجرد انتماءٍ جغرافي
بل انتماءٌ إلى أرضٍ اختارها الله لتحتضن الحرمين الشريفين وإلى وطنٍ انطلقت منه رسالة الإسلام وإلى دولةٍ قامت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم وحدها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- حتى أصبح الأمن الذي نعيشه اليوم ثمرة كفاحٍ طويل لا هبةً من الزمن ولا مصادفةً من التاريخ.
ولهذا فإن الاعتداء على المملكة لا يُقرأ بوصفه حادثةً عسكريةً فحسب بل هو اختبار لوعي المجتمع وتماسكه وقدرته على أن يميز بين الغضب الذي يبدده الانفعال والعزم الذي تصنعه الحكمة.
إن قوة الأوطان لا تبدأ من حدودها بل من وعي أبنائها. فالجندي يحرس الثغور أما المواطن الواعي فيحرس الجبهة الداخلية يحرسها من الشائعة ومن خطاب الكراهية ومن كل محاولةٍ تستهدف زرع الشك أو بث الفرقة أو إضعاف الثقة بين الوطن وأبنائه. فكم من أمةٍ امتلكت السلاح وخسرت نفسها وكم من وطنٍ حفظه الله بتماسك شعبه قبل عتاده.
والوطنية ليست صوتًا يعلو في ساعة الغضب ثم يخفت وليست شعارًا يُرفع في المناسبات بل خلقٌ دائم ومسؤوليةٌ يومية وإخلاصٌ مستمر واحترامٌ للنظام وصيانةٌ للمكتسبات واستعدادٌ لأن يقدم كل فردٍ أفضل ما لديه لأن بناء الأوطان لا يكون بالسلاح وحده بل بالعلم والعمل والعدل والأمانة والالتفاف حول القيادة.
وفي الأزمات تُكتب صفحات التاريخ فمن الناس من ينقل الخوف ومنهم من يصنع الطمأنينة ومنهم من يردد الشائعات ومنهم من يحرس الحقيقة وبين هؤلاء وأولئك تتحدد صورة الوطن في أعين أبنائه قبل أن يراها العالم. وإن المملكة العربية السعودية لم تبلغ مكانتها لأنها كانت بعيدةً عن التحديات بل لأنها واجهتها بوحدة قيادتها وشعبها وبإيمانها بأن أمن الوطن فوق كل اعتبار .
ورسالة كل مواطن سعودي اليوم ليست أن يحمل السلاح فحسب وإنما أن يحمل المسؤولية وأن يكون صادقًا مع الله أمينًا مع وطنه وفيًا لقيادته رحيمًا بمجتمعه وأن يدرك أن قوة المملكة لم تكن يومًا في ثروتها وحدها ولا في موقعها وحده بل في التلاحم الذي جمع قيادتها وشعبها وفي الإيمان العميق بأن هذه الأرض أمانةٌ في أعناق الجميع.
لقد وحّد الآباء هذه البلاد وبنى الأبناء نهضتها وسيحفظها الأحفاد بإذن الله ما دام فيهم من يؤمن بأن الوطن ليس ما نعيش عليه فحسب بل ما نعيش له فالأوطان لا تهزمها الصواريخ إذا بقيت القلوب متماسكة ولا تكسرها التهديدات وإذا بقي الوعي حاضرًا والصفوف متحدة والولاء لله ثم للوطن وقيادته فوق كل اعتبار. وإن قوة المملكة لم تكن يومًا في سلاحها وحده بل في شعبٍ إذا نادى الوطن لبّى وإذا اشتدت الخطوب ازداد تماسكًا وإذا تعاظمت التحديات ازداد إيمانًا بأن أمن هذه البلاد أمانة ووحدتها مسؤولية ومستقبلها عهدٌ في أعناق أبنائها.
وسيظل هذا الوطن بإذن الله عصيًا على كل من يستهدف أمنه أو وحدته ما دامت قيادته الحكيمة تستمد قوتها من خدمة وطنها وأبنائه وما دام شعبه يدرك أن أعظم حصون الأوطان ليست الأسوار بل وحدة القلوب وأن قوة الأمم تبدأ من تماسك شعوبها قبل قوة سلاحها
حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان وجعلها حصنًا للإسلام وواحةً للأمن والاستقرار ومنارةً للعطاء.
This site is protected by wp-copyrightpro.com