حُرْمة الجروح: عندما يكون العفو ترتِيباً للحياة لا محواً للذاكرة
23 يونيو 2026
0
2277

عزة الغامدي
في أدبيات العلاقات الإنسانية وثقافتنا الاجتماعية، يُنظر إلى العفو والمبادرة بالصلح كعلامة تعافٍ تامة، ويُتوقع من المجني عليه أن يعود إلى سابق عهده بمجرد إبداء الرغبة في التجاوز.
لكن الحقيقة النفسية والواقعية المعاشَة تكشف عن عمقٍ آخر؛ فالتنازلات الخارجية التي يقدمها المرء حفاظاً على صلة الرحم، أو رعايةً للمصلحة العامة، وحمايةً لهيكل الحياة الاجتماعي وجودته، لا تعني أبداً أن الشروخ الداخلية قد التأمت، أو أن الوجع قد طاب كلياً.إن التجاوز بقرار عقلاني هو خيار الأقوياء لترتيب فوضى الحياة وتجنب القطيعة، وليس ممحاةً تسقط حق الروح في الألم.
وحين نختار المسامحة والمبادرة بالصلح، فنحن لا نعلن أن قلوبنا أصبحت بيضاء فارغة من ذكرى الأذى، وفي المقابل، لا يعني هذا السلوك إطلاقاً أن قلوبنا سوداء، أو أننا نبيت لهؤلاء الأقرباء خبيئة سيئة أو نتحين الفرص لرد الأذية.
إنه ببساطة وعي إنساني يقرر إدارة الحياة بأقل الخسائر الممكنة، مع الاحتفاظ بـ “حُرمة الجرح” التي تجعل المسافات النفسية ضرورة لحماية ما تبقى.

شريعة المشاعر في الموقف النبوي

ويتجلى هذا المفهوم بوضوح شاهق في حجإرثنا النبوي؛ فحين قَبِلَ النبيُّ ﷺ توبة «وحشي» قاتلِ عَمِّهِ حمزة -رضي الله عنه-، لم يغلق باب التوبة في وجهه، وعفا عنه عفو القادر الحكيم. لكنه ﷺ -وهو المؤيد بالوحي وصاحب القلب الأطهر- قال له بصدق إنساني عميق: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟».
هذا الموقف النبوي العظيم يضع شريعةً واضحة للمشاعر الإنسانية؛ فالقلب له جرحه الذي يعنيه وحده، والمسامحة لا تعني إجبار النفس على رؤية مَن طعنها، لأن عودة المياه إلى مجاريها أحياناً -كما يُقال- قد تعود آصنةً ومكدرة بسبب عمق الطعنة. فإذا كان النبي ﷺ قد طلب غياب وجه قاتل عمه تجنباً لاستثارة ألم الفقد، فكيف يُلام البشر العاديون على استبقاء مسافاتهم الآمنة؟!

نرجسية الجاني وقَلْب الأدوار

غير أن الأشد إيلاماً من الأذى نفسه، هو ما يتبع هذا الصلح من تشويه متعمد للحقائق. إذ يتفاقم الجرح ويتحول إلى نزيف صامت، عندما يصر القريب أو الصديق المسبب لهذا الألم على ارتداء ثوب الضحية، والتعاطي مع الصلح ومبادراتنا النبيلة بكبرياء زائف، وكأنه يتنازل تلو التنازل تكرماً منه؛ مبرراً إساءاته السابقة وسلوكه المشوه بادعاء واهٍ بأننا “نعاني من كثرة الأمراض النفسية”، وأن عتبنا وجراحنا ليست إلا نتاج “قلوب مريضة غشاها عمى البصيرة”.إن قلب الأدوار هذا، والهروب من المسؤولية الأخلاقية، وتحويل الجاني إلى ضحية والمجني عليه إلى متهم بالاعتلال النفسي، هو ذروة الأذى المعاصر.
إنه يعكس عمى بصيره حقيقي لدى المخطئ، الذي يعجز عن رؤية نبل التنازل الذي قدمناه لأجل استمرار الروابط، فيترجمه ضعفاً أو مرضاً ليغطي على عورات خطئه.

الاعتزال الواعي.. حماية لا قطيعة

ومن هنا، يصبح اعتزال الأذية والابتعاد النفسي عن هؤلاء الأشخاص الذين يتقنون لعب دور الضحية، ويضمرون الغل، وينتهزون أي فرصة لبث الألم والكيد، خياراً أسلم للروح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيفه كـ “قطيعة رحم”. إن هذا الاعتزال الواعي هو حائط صد مشروع لحماية السلام الداخلي؛ فحتى لو عاد السلام الخارجي، والتقينا مجدداً تحت سقف مجالس العائلة، وتبادلنا التحايا الرسمية كجزء من الهيكل الاجتماعي المعافى، فإن القلوب تظل في مأمنها البعيد.
إن تلبية الواجب الاجتماعي لا تقتضي فتح النوافذ مجدداً لرياح المكر، والاجتماع في المكان لا يعني أبداً الامتزاج في المشاعر.في النهاية، ستبقى الروابط مستمرة بالحد الذي تفرضه الواجبات وصلة الرحم، وسيبقى العفو قائماً كخيار عاقل، لكن المسافات النفسية لن تتقلص، والوجوه التي خذلتنا لن تعود مألوفة كما كانت. سنظل نتذكر، ليس رغبة في الانتقام، بل لأن للكرامة الإنسانية ذاكرة حديدية لا تخونها المواقف، ولأن الروح التي شُرِخت قد تتعايش وتستمر في الحياة، لكنها لا تنسى أبداً من تسبب في كسرها.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com