*رحلتي مع التغافل*
10 أبريل 2026
0
2574

*بقلم : زامـل عبدالله شـعراوي .*

في زحام الأيام .. كنت أظن أن عليّ أن أكون حاضراً في كل شيء ، في كل نقاش، وكل موقف وكل كلمة تُقال ، كنت أتعامل مع التفاصيل وكأنها قضايا مصيرية أفسّر وأحلّل وأردّ وأحمل في داخلي ما لا يُقال .. حتى وجدت نفسي مُرهقاً من نفسي قبل أي شيء آخر.
توقفت يوماً.. ونظرت إلى حياتي من زاوية أهدأ ، وسألت نفسي بصدق هل يستحق كل هذا العناء؟ هل كل كلمة عابرة تستحق أن تبقى عالقة في صدري؟ ومن هنا ..بدأت الحكاية.
قررت أن أجرّب شيئًا لم أعتده من قبل: وهو أن أتغافل.
في البداية لم يكن الأمر سهلاً ، كانت رغبتي في الرد تسبقني وكلماتي تكاد تنفلت مني لكنني كنت أتمهل ، أبتسم وأمضي وكأن شيئًا لم يكن، ومع الوقت اكتشفت أن هذا لم يكن ضعفاً كما كنت أظن، بل كان قوة هادئة.. تحرراً داخلياً يعيد لي السيطرة على نفسي، بدل أن تسيطر عليّ المواقف.
شيئًا فشيئًا بدأت أشعر بالخفة لم أعد مثقلاً بما لا يعنيني، ولا منشغلاً بكل ما يدور حولي أصبحت أرى الأمور بحجمها الحقيقي، وأمنح نفسي راحة لم أعرفها من قبل، تعلّمت أن بعض الأشياء ، حين نتجاهلها تنتهي وحدها.. دون جهد أو صراع.
وأدركت أن التغافل ليس غفلة، بل وعي ناضج أن أفهم لكن لا أُرهق نفسي بكل ما أفهمه ، أن أرى، لكن لا أتوقف عند كل تفصيلة، أن أسمع لكن لا أحتفظ بكل ما يُقال.
ومع ذلك تعلّمت أن للتغافل حدوده فليس كل صمت حكمة، وليس كل تجاهل قوة، هناك مواقف يتطلب فيها الأمر صوتاً واضحاً، وحدوداً صريحة، فالصمت أحياناً قد يكون خسارة للنفس لا حماية لها.
واليوم تغيّرت لم أعد ذلك الشخص الذي يستهلكه كل شيء ، أصبحت أختار ما يستحق حضوري ، وما يستحق أن أعبر عنه ، وما يكفيه أن يمر مرور العابرين ، وأجمل ما أدركته في هذه الرحلة .. أنني حين تغافلت عن أشياء كثيرة ربحت نفسي.
*وقفة :*
التغافل ليس جهلاً بما يدور بل سموٌّ عن كل ما يُرهق الروح ويثقل القلب.
هو أن ترى بوضوح .. ثم تمضي بخفّة، وكأنك لم ترى شيئاً.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com