
طارق مبروك السعيد
في زحام الحياة وتسارع الأحداث، لم تعد العلاقات الإنسانية تُقاس بما يظهر منها فقط، بل بما يُضمره الناس في قلوبهم من ظنون وتفسيرات.
وهنا تبدأ الحكاية.. حين يتسلل سوء الظن إلى النفوس، فيُفسد صفاءها، ويشوّه أبسط المواقف وأكثرها براءة.
كم من علاقةٍ تضررت، وكم من محبةٍ ذبلت، لا لشيءٍ سوى أن أحدهم استعجل الحكم، وفسّر المواقف على غير حقيقتها. فالنوايا يا سادة يا كرام لا تُرى، لكنها تُدان أحيانًا بظنونٍ لا دليل عليها.
تخيل موقفًا بسيطًا:
تدخل مجلسًا، فترى شخصين تعرفهما يتحدثان، وما إن تقع عيناك عليهما حتى يتبادلان نظرة ويضحكان أو يغيران الحديث.. هنا يبدأ العقل في توهانه ونسج القصص:
“هل كانوا يتحدثون عني؟”
“لماذا توقفوا عن الحديث فجأة؟”
ما الذي يُخفونه في دواخلهم ؟
بينما الحقيقة قد تكون بعيدة كل البعد عن تلك الظنون .. ربما كانوا يُعدّون مفاجأة جميلة، أو يتداولون خبرًا سارًا، أو حتى حديثًا خاصًا لا علاقة لك به إطلاقًا.
حتما إنها فجوة بين الواقع والتفسير.. يملؤها الشك، ويُضخمها سوء الظن..!
لقد حذّر ديننا الإسلامي الحنيف من هذا المسلك، قال تعالى:
“يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم”
وهنا تكمن الحكمة العظيمة، فليس كل ظن مذموم، لكن الإفراط في تفسير المواقف بسلبية هو ما يوقع الإنسان في الإثم، ويُفسد عليه صفاء قلبه وعلاقاته وقد تصل لمقاطعة الناس بسبب كثرة الظن والشك .
سوء الظن لا يؤذي الآخرين فقط، بل يرهق صاحبه قبل غيره من كثرة الشكوك والهواجيس..!
يجعله يعيش في قلقٍ دائم، يترقب الإشارات، ويُفسر الصمت عداءً، والضحك سخرية، والخصوصية مؤامرة..!
وفي المقابل، فإن حسن الظن هو ترجيح جانب الخير على الشر ولا يعتبر سذاجة، بل راحة نفسية ويمنح القلب الراحة ويقوي روابط المحبة بين البشر..
لذا يجب أن تلتمس للناس الأعذار، وتُحسن تفسير المواقف، وتترك مساحة للنوايا الطيبة.. هذا هو الطريق الأقصر لحياة أكثر هدوءا واتزانا.
إننا في حاجة ملحّة اليوم إلى إعادة ترميم علاقاتنا من الداخل، لا بالكلمات فقط، بل بطريقة تفكيرنا وتفسيرنا لما يدور حولنا.
فكم من كلمةٍ لم تُقل، ومع ذلك أوجعت وآلمت..!
وكم من موقفٍ بسيط، حوّله الظن إلى أزمة ومشاكل مع الغير..!
ختامًا..
ليس كل ما نراه حقيقة، ولا كل ما نشعر به صواب..
فامنح الآخرين مساحة من حسن الظن،
تجد في قلبك سكينة، وفي علاقاتك حياة. فبعض القلوب أنقى من أن تُساء الظنون بها..
فاحسنوا الظن، ففيه راحة للقلوب وصفاء للنوايا ..فلا نحكم على الظواهر، فجمال الحياة في سلامة الصدر، وحسن الظن بالناس.
This site is protected by wp-copyrightpro.com