
بقلم : نجود النهدي
من العمل التطوعي إلى صناعة الأثر المستدام
يشهد القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية تحولًا نوعيًا، مدعومًا بمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي جعلت الاستثمار في الإنسان والمجتمع أحد أهم ركائز التنمية المستدامة. ولم يعد الاستثمار المجتمعي يقتصر على تقديم الدعم المالي، بل أصبح استثمارًا في بناء الإنسان، وتمكينه، وتعزيز الشراكات، وصناعة الأثر الذي يستمر لسنوات.
ويُعد العمل التطوعي القلب النابض لهذا الاستثمار؛ فهو الأداة التي تتحول من خلالها الموارد إلى مبادرات، والمبادرات إلى أثر، والأثر إلى تنمية مستدامة يقودها القطاع غير الربحي بالشراكة مع القطاعين الحكومي والخاص.
ومن هذا المنطلق جاءت رؤيتنا في بناء مجتمع متكافل ومزدهر، تُسهم فيه الشراكات والاستثمار المجتمعي والعمل التطوعي في تحقيق أثر تنموي مستدام يعزز جودة الحياة ويُمكّن الإنسان، من خلال نشر ثقافة الاستثمار المجتمعي، وتعزيز العمل التطوعي الاحترافي، وتمكين القطاع غير الربحي، وبناء شراكات استراتيجية تحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا.
قصة بدأت بفريق تطوعي
لم تبدأ جمعية حياتنا الترفيهية للأشخاص ذوي الإعاقة كجمعية رسمية، بل بدأت عام 2009 بفريق تطوعي حمل رسالة إنسانية آمن أصحابها بأن الدمج الحقيقي يبدأ من المشاركة، وأن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على أن يكونوا صناعًا للأثر قبل أن يكونوا مستفيدين من الخدمات.
ضم الفريق شبابًا وشابات من مختلف التخصصات والخلفيات، إلى جانب أشخاص من ذوي الإعاقة، يعملون معًا بروح الفريق الواحد، ليقدموا نموذجًا فريدًا في العمل التطوعي القائم على ثقافة الدمج.
وخلال الفترة من 2009 وحتى 2020، نفذ الفريق عشرات المبادرات والفعاليات والبرامج في جدة ومكة المكرمة والطائف، وأسهم في ترسيخ مفهوم التطوع الشامل، حيث شارك الأشخاص ذوو الإعاقة كمنظمين، وقادة فرق، ومصورين، ومقدمين للبرامج، ومتطوعين في مختلف المهام، وهو ما جعل الفريق من أوائل الفرق التطوعية في المملكة التي استمرت في تبني ثقافة الدمج بصورة عملية ومستدامة.
ومع اتساع الأثر، كان من الطبيعي أن تتحول هذه التجربة إلى كيان مؤسسي، فكانت ولادة جمعية حياتنا الترفيهية للأشخاص ذوي الإعاقة، لتكون امتدادًا لمسيرة تطوعية ناجحة، ومنصة متخصصة في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من خلال البرامج الترفيهية والتنموية، والاستثمار المجتمعي، والعمل التطوعي.
الاستثمار المجتمعي… عندما تتحول الموارد إلى أثر
يقوم الاستثمار المجتمعي على بناء شراكات تحقق منفعة متبادلة للمجتمع، من خلال:
توجيه الموارد نحو مبادرات ذات أثر طويل المدى.
دعم وتمويل البرامج التطوعية والتنموية.
الاستثمار في تنمية الإنسان وتأهيله.
دعم الابتكار الاجتماعي والحلول المستدامة.
تعزيز المسؤولية الاجتماعية لدى المؤسسات والأفراد.
بناء شراكات استراتيجية تسهم في استدامة المبادرات.
التطوع… القوة الحقيقية للتنمية
العمل التطوعي ليس مجرد ساعات تُنجز، بل هو مدرسة لبناء القيادات، وتعزيز الانتماء، وتنمية المهارات، وتحويل أفراد المجتمع إلى شركاء في التنمية.
ومن خلال التطوع تتحقق العديد من المكتسبات، أبرزها:
تعزيز روح العطاء والانتماء.
تنمية المهارات القيادية والمهنية.
توسيع نطاق الخدمات المجتمعية.
نشر ثقافة المشاركة والمسؤولية.
بناء جسور التعاون بين مختلف فئات المجتمع.
القطاع غير الربحي… شريك التنمية المستدامة
أثبت القطاع غير الربحي أنه شريك رئيس في تحقيق التنمية من خلال:
تمكين الفئات المستفيدة وتحسين جودة حياتها.
تقديم حلول مبتكرة للتحديات الاجتماعية.
تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
استقطاب الكفاءات والمتطوعين والشركاء.
تحقيق الاستدامة المؤسسية والمالية.
دعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 عبر رفع مساهمة القطاع غير الربحي وتعزيز المشاركة المجتمعية.
أثر جمعية حياتنا في العمل التطوعي (2021–2025)
واصلت الجمعية مسيرتها في صناعة الأثر، وتمكنت خلال الفترة من 2021 إلى 2025 من استقطاب وتمكين آلاف المتطوعين، حيث بلغ:
أكثر من 7,000 متطوع ومتطوعة من مختلف فئات المجتمع، تتراوح أعمارهم بين 15 و55 عامًا.
أكثر من 800 متطوع ومتطوعة من الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية، تتراوح أعمارهم بين 20 و38 عامًا، شاركوا في البرامج والمبادرات والفعاليات، في نموذج عملي يعكس مفهوم الدمج الحقيقي والتمكين.
وتؤكد هذه الأرقام أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا متلقين للخدمة فحسب، بل شركاء فاعلون في صناعة الأثر، وقادة في العمل التطوعي والتنمية المجتمعية.
قيمنا… الممارسة قبل الشعارات
نؤمن أن النجاح لا يُقاس بعدد المبادرات فقط، بل بالقيم التي تقودها، ولذلك تقوم جميع أعمالنا على:
الإيمان: بأن خدمة الإنسان رسالة سامية.
الثقة: بالشفافية والمصداقية والالتزام.
شغف الخير: لأن العطاء أسلوب حياة.
الأمانة: في إدارة الموارد وتحمل المسؤولية.
المسؤولية: تجاه المجتمع وتحقيق الأثر.
التعاون: لأن العمل الجماعي يصنع الفرق.
الابتكار: لتقديم حلول تنموية مستدامة.
الاستدامة: لضمان استمرار الأثر للأجيال القادمة.
الأثر الذي نسعى إليه
نطمح إلى بناء مجتمع أكثر تكافلًا وشمولًا، ترتفع فيه نسبة المشاركة المجتمعية، وتتعزز فيه الشراكات الفاعلة، ويصبح العمل التطوعي ثقافة راسخة، ويكون الأشخاص ذوو الإعاقة جزءًا أصيلًا من منظومة التنمية وصناعة القرار والعمل الميداني.
إن تجربة جمعية حياتنا الترفيهية تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن التطوع هو الطريق والقطاع غير الربحي هو الحاضنة، والشراكات هي القوة، والقيم هي الأساس الذي يضمن استدامة الأثر.
فالاستثمار المجتمعي يوفّر الإمكانات، والتطوع يصنع الأثر، والقطاع غير الربحي يقود التنمية، والقيم الراسخة هي الضمان الحقيقي لبناء مجتمع مزدهر ومستدام.
This site is protected by wp-copyrightpro.com