في اليوم العالمي للنسيان .. ماذا لو كان النسيان هو الذي أنقذنا؟
04 يوليو 2026
0
1485

نجود عبدالله النهدي

منذ الصغر، تعلّمنا أن النسيان نقص؛ فنسيان الأسماء ضعف، ونسيان المواعيد إهمال، ونسيان الذكريات خيانة.

لكن ماذا لو كان أكثر ما أنقذ الإنسان، هو قدرته على النسيان؟

قد تبدو هذه الفكرة مستفزة، لكنها تستحق التأمل.

فلو لم ينسَ الإنسان ألمه الأول، هل كان سيجرؤ على الحب مرة أخرى؟ ولو بقيت الخسائر حاضرة في قلبه بالقوة نفسها، هل كان سيملك الشجاعة ليبدأ من جديد؟ ولو استيقظ كل صباح وهو يشعر بكل خيبة، وكل فقد، وكل كلمة جارحة كما شعر بها في يومها الأول؛ هل كانت الحياة ستُحتمل؟

ربما لا يكون النسيان عيبًا في الذاكرة، بل أحد أعظم وسائل النجاة التي أودعها الله في الإنسان.

لكن المفارقة أن النسيان لا يعمل بالطريقة التي نتمناها.

فنحن لا ننسى ما نتمنى نسيانه بسهولة، ولا نحتفظ دائمًا بما نتمنى بقاءه.

قد نتذكر كلمةً واحدة جرحتنا لسنوات، وننسى عشرات الكلمات التي منحتنا الثقة.

ونتذكر بابًا أُغلق في وجوهنا، بينما تتوارى في ذاكرتنا الأبواب التي فُتحت لنا.

ونقيس حياتنا أحيانًا بلحظة سقوط واحدة، متناسين أعوامًا طويلة نهضنا فيها بعد كل تعثر.

وكأن الذاكرة لا تحفظ الحياة كما عشناها بل كما آلمتنا.

وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية من سؤال: لماذا ننسى؟

هل يمكن أن تكون نظرتنا إلى حياتنا مبنية على ذاكرةٍ انتقائية؟

كم مرة ظننا أن الحياة كانت قاسية، لأن ذاكرتنا أبقت الألم حاضرًا أكثر من الرحمة؟

وكم مرة اعتقدنا أننا كنا وحدنا، لأننا تذكرنا من رحل، ونسينا من بقي؟

وربما لهذا السبب لا تكون الذاكرة شاهدًا محايدًا؛ فهي لا تنقل الماضي كما وقع، بل كما ترك أثره فينا.

إنها تمنح الجراح مساحةً أكبر، لأنها كانت يومًا وسيلةً لحمايتنا، حتى لو جعلتنا نرى الحياة من نافذة الألم أكثر مما نراها من نافذة الامتنان.

ومع ذلك، يبقى في النسيان وجهٌ آخر لا نتحدث عنه كثيرًا.

إنه لا يمحو الذكريات، ولا يلغي أثرها، بل يخفف حدتها، حتى نستطيع أن نواصل السير دون أن نحمل الأمس على ظهورنا كل يوم.

وربما لهذا السبب، لا يكون السؤال الحقيقي في اليوم العالمي للنسيان:

لماذا ننسى؟

بل: إذا كان النسيان هو ما يساعدنا على الاستمرار، فلماذا نشعر بالذنب عندما نبدأ فعلًا في النسيان؟

لعل الإجابة تكمن في أننا نخلط بين النسيان والوفاء، فنظن أن استمرار الألم دليل على استمرار الحب، وأن التعافي يعني التخلي عن الذكريات.

لكن الوفاء لا يُقاس بطول الحزن، ولا بعدد المرات التي نستعيد فيها الماضي.

فالذكريات التي شكّلتنا لا تختفي، حتى وإن هدأت مشاعرها.

إنها تبقى جزءً من تكويننا، ومن قراراتنا، ومن الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة.

لذلك، قد لا يكون النسيان عدوًا كما اعتدنا أن نظن.

وربما كان، في كثير من الأحيان، رحمةً خفيةً تمنح الإنسان فرصةً ليعيش، لا فرصةً لينسى.

فليس أعظم ما في النسيان أنه يمحو الماضي؛ بل أنه يمنحنا القدرة على صناعة مستقبلٍ لا يبقى أسيرًا له.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com