
سلطان سعيد
في لحظة يولد فيها الانسان بين الحاجة والحلم يبدأ الطريق لا كخيار عابر بل كاختبار طويل يصنع الملامح ويهذب الروح …في صباح شتوي بارد خرج شاب من منزله وفي جيبه مال لا يكفي ليوم واحد ولكن في صدره حلم يكفي لعمر كامل ومضى يطرق الابواب واحدا تلو الاخر وهو يعلم ان الطريق الى الكرامة والحياه الكريمة لا يفتح الا لمن يصر على السير.
وعند الغروب جلس على رصيف قديم يتأمل المارة متسائلا كيف يواصل الانسان السير حين يشعر ان الدنيا كلها تدفعه الى الخلف عندها مر به رجل مسن يحمل كيسا بسيطا وعلى وجهه ملامح تعب وابتسامة فجلس الى جواره وقال لا تحزن يا بني فالحياة لا تمنح اثمن هداياها الا لمن طال انتظاره.
ثم اضاف اذا وجدت نفسك تسير وحدك فلا تظن انك وحيد ربما اراد الله ان يعلمك كيف تعتمد عليه قبل الناس وكيف يبني فيك انسانا لا تهزه الايام سمع الشاب هذه الكلمات ونهض ولم يملك مالا اكثر مما خرج به لكنه عاد بقلب اقوى وايمان اكبر وقد ادرك ان هذا الطريق ليس قدراً ثقيلا او عقوبة بل وسيلة يصنع الله بها انسانا اقرب اليه واكثر ثباتا وحكمة.
تلك الحكاية ليست قصة شاب واحد بل قصة كل من حمل هما في صدره وسار في طريق طويل لا يصفق له فيه احد ففي حياة الكفاح يكتشف الانسان حقيقة نفسه تسقط الاقنعة ويخفت التصفيق ويبقى وحده امام احلامه لا يسنده الا يقينه بالله وقدرته على النهوض بعد كل سقوط.
والجانب المشرق في هذا الطريق ليس الوصول وحده بل ان تنظر الى الوراء فلا تجد في رحلتك دينا لاحد سوى فضل الله عليك ان تعيش معتمدا على نفسك لا يعني ان الطريق كان سهلا بل يعني انك تعلمت كيف تحول الخيبات الى دروس والجراح الى قوة والانتظار الى صبر.
الكفاح لا يمنح حياة مرفهة لكنه يمنح حياة حقيقية يعلمك ان قيمة الرغيف ليست في ثمنه بل في التعب الذي سبق الحصول عليه وان طعم الراحة لا يعرفه الا من ذاق مرارة الطريق لذلك تبدو الانجازات الصغيرة في عين المكافح اعظم من انتصارات كبيرة جاءت بلا عناء وربما اكثر ما يؤلم في هذه الرحلة ان تمضي سنوات طويلة تحاول ان تبدو بخير بينما في داخلك معارك لا يعلمها احد تبتسم لان الحياة لا تنتظر حزنك وتواصل السير لان الوقوف يعني الهزيمة ومع ذلك يبقى قلبك موقنا ان الله يرى كل دمعة لم تسقط وكل دعاء لم يسمعه البشر وكل تعب اخفيته خلف صمتك.
ومع مرور السنوات تدرك ان اصعب المعارك لم تكن مع الفقر او الظروف او قلة الفرص بل مع نفسك مع الخوف الذي حاول ان يقيد احلامك ومع اليأس الذي كان يطرق بابك كلما تأخر الفرج وكل مرة انتصرت فيها على نفسك كنت تربح معركة لا يراها احد لكنها كانت تصنع منك انسانا مختلفا.
ولعل من اعمق ما يتركه الكفاح في النفس انه يعلم الانسان كيف يخفي اوجاعه دون ان يفقد انسانيته يعتاد ان يقول انا بخير بينما في داخله حكايات لو رويت لابكت القلوب ليس لانه يحب الصمت بل لانه ادرك ان بعض الالام لا يخففها الشرح وان الله وحده يعلم حجم ما في الصدور.
ثم تأتي اللحظة التي تدرك فيها ان الحياة لم تكن تحاربك بل كانت تبنيك وأن كل باب اغلق في وجهك كان يحميك من طريق لا يشبهك وكل خسارة نزعت من قلبك تعلقا بغير الله وكل انتظار طويل كان يربي فيك الصبر الذي لا يشترى ولا يورث.
وحين يهدأ العمر قليلا وتلتفت الى الوراء لن تبكي على الفرص التي ضاعت بقدر ما ستبتسم لانك لم تسمح لها ان تسرق انسانيتك ستفرح لانك رغم كل ما مررت به بقيت وفيا ونقي القلب ولم تجعل القسوة التي رأيتها تتحول الى قسوة تسكنك.
فليس اعظم انتصار ان تهزم الظروف بل ان تهزم تحولك الى شخص لا يشبهك ان تبقى رقيق القلب في عالم يطالبك بالقسوة وان تبقى صادقا في زمن يتقن فيه الكثير فن الاقنعة عندها فقط تدرك ان هذا الطريق لم يكن مجرد رحلة للبحث عن الرزق بل رحلة لصناعة الروح وتقريب القلب من الله حتى يصبح اليقين اعظم من الخوف والامل اكبر من كل خيبة.
وفي نهاية المطاف لا يقاس الانسان بما جمعه من مال او بما ناله من شهرة بل بقدرته على النهوض بعد كل سقوط وعلى حفظ قلبه نقيا رغم كثرة ما حاولت الحياة ان تكسره فهذه الرحلة لا تمنحك فقط ما تريد بل تصنع منك انسانا جميلا عطوفا محب للخير ناقل للمعرفة اصلب واعمق واكثر امتنانا لكل نعمة صغيرة وحين يطوي الانسان اخر صفحات عمره لن يتذكر كم كان الطريق شاقا بقدر ما سيتذكر انه لم يستسلم ولم يبع كرامته ولم يسمح لليأس ان يكتب نهايته عندها فقط يدرك ان اعظم الانتصارات ليست تلك التي يراها الناس بل تلك التي تصنعها في داخلك كل مرة تختار فيها الصبر على الانكسار والصمود على الهزيمة.
This site is protected by wp-copyrightpro.com