الأديبة والإعلامية القديرة مرفت بخاري : ( لا أريد للكلمة أن تُقرأ فقط… أريدها أن تترك أثرًا )
22 أكتوبر 2026
0
7029

اعداد وحوار
د. وفاء ابوهادي – ش ا س

هناك أشخاص يعبرون الصحافة بوصفها مهنة وآخرون يسعون إلى أن يتركوا فيها أثرًا يتجاوز حدود النشر إلى فضاء التأثير والتغيير. وتنتمي الإعلامية والكاتبة الصحفية والأديبة القديرة مرفت محمود عبدالعزيز بخاري إلى الفئة الثانية فقد اختارت أن تجعل من الكلمة خيطًا يجمع بين مسارات متعددة تنقلت خلالها بين الصحافة والإدارة الإعلامية والاتصال المؤسسي والأدب والعمل المجتمعي مؤمنة بأن العطاء الحقيقي لا تحدّه المناصب ولا تحصره العناوين وأن للكلمة رسالة ينبغي أن تستمر ما دام في المجتمع ما يستحق أن يُقال وما دام في الإنسان ما يستحق أن يُروى ..
فقد بدأت رحلتها الصحفية من مجلة ( رؤى ) التابعة لجريدة ( عكاظ ) قبل أن تخوض عام 2010 تجربة تأسيس صحيفة ( مرايا لكل العرب )
وترؤس تحريرها لثماني سنوات وهي تجربة جمعت بين مغامرة التأسيس والإيمان بقدرة الإعلام على أن يكون مشروعًا مستقلًا في خدمة المجتمع.
ثم اتسعت تجربتها عبر محطات في الإعلام والاتصال المؤسسي وصولًا إلى الكتابة الأسبوعية في صحيفة ( الجزيرة ) حيث واصلت الاشتباك مع قضايا المجتمع وأسئلته بالتوازي مع حضور أدبي تنوع بين الرواية والشعر والخاطرة.
غير أن ما يمنح تجربة بخاري خصوصيتها ليس تعدد محطاتها بقدر ما هو ذلك الخيط الناظم الذي يجمع بينها الإيمان بأن الكلمة ليست مجرد مهنة بل مسؤولية تقتضي أن تتجاوز وصف الواقع إلى مساءلته وأن تبحث عن سبل تحسينه.
ومن هذا المنطلق امتد حضورها إلى المبادرات المجتمعية فتناولت قضايا تمس تفاصيل الحياة اليومية من صحة الأطفال وتمكين الأسر المنتجة إلى المطالبة بتحسين مرافق محطات الوقود في إيمان منها بأن الإعلام المسؤول لا يكتفي برصد الخلل بل يفتح الباب أمام السؤال الأهم : ماذا يمكن أن نفعل لنغير للأفضل ؟
وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتزاحم فيه الآراء وتزداد فيه الحاجة إلى التحقق وصون الحقيقة تبدو تجربة مرفت بخاري مدخلًا للحديث عن معنى أن تكون الكلمة موقفًا وأن يتحول الحضور الإعلامي إلى أثر ملموس.
لذلك لا يتوقف هذا الحوار عند محطات السيرة أو تعدد التجارب بل يتجاوزها إلى المرأة المتميزة والقيادية و دوافعها وأسئلتها وما تخشاه على الصحافة وما ترجوه لها وما تعلّمته من مغامرة التأسيس وما تمنحه لها الكتابة الأدبية من مساحات للبوح والتأمل.
كما يقترب من العلاقة بين الصحفية والأديبة في داخلها ومن سؤال يظل مفتوحًا في عالم يستهلك آلاف الكلمات كل يوم : هل ما زالت الكلمة قادرة على أن تغيّر شيئًا ؟
ولنبدأ الإبحار مع ملكة الاحساس من تُصاغ الحروف بحضورها قصيدة مغناه
وفي غيابها اسطورة تُحكي
مع ضيفتنا التي انارت اروقة صحيفة شبكة الإعلام السعودي الاديبة والشاعرة والإعلامية وصاحبة البصمة المجتمعية الاستاذة مرفت محمود عبدالعزيز بخاري والذي بادرناها بسؤالنا التالي :

لو حذفنا من سيرتك الذاتية كل المناصب والإنجازات وبقيت جملة واحدة فقط… ماذا تريدين أن يعرف الناس عن مرفت بخاري؟

أريدهم أن يعرفوا أن مرفت بخاري امرأة آمنت أن قيمة الإنسان ليست فيما يصل إليه من مناصب، بل فيما يتركه من أثر، وأن خلف كل إنجاز قلبًا حمل أحلامه بإصرار، وخلف كل كلمة روحًا تؤمن بأن الحرف مسؤولية، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو أثرٌ طيب في حياة الآخرين.

 

 

تأسيس صحيفة في عام 2010 لم يكن قرارًا بسيطًا. ما الذي كان لديكِ آنذاك ولم يكن لدى الآخرين الجرأة أم الفكرة، أم الإصرار؟

كان إيماني بأن الإعلام الرقمي هو المستقبل الواعد للصحافة هو الدافع وراء تأسيسي صحيفة «مرايا لكل العرب» الإلكترونية عام 2010، كنت أرى أن الإعلام يتجه نحو فضاء جديد، يمنح الكلمة انتشارًا أوسع، ويختصر المسافات بين الكاتب والقارئ، ويتيح وصول المعلومة بسرعة تتجاوز حدود النشر التقليدي

لم تكن المسألة بالنسبة لي مجرد فكرة جديدة، بل قناعة بضرورة مواكبة التحولات الإعلامية واستثمار فرصها مبكرًا. لذلك بادرت إلى تحويل رؤيتي إلى مشروع واقعي، مؤمنة بأن النجاح لا يتحقق بانتظار المستقبل، بل باستشرافه والاستعداد له.

ثماني سنوات في رئاسة تحرير صحيفة تعني أنكِ لم تكوني مجرد صحفية بل كنتِ صاحبة قرار ما القرار الذي اتخذته يومًا وظل ثمنه يرافقك حتى اليوم؟

ربما كان أصعب قرار هو أن أضع حدًا لتجربة آمنت بها، ومنحتها ثماني سنوات من عمري وجهدي، حين أصبحت المتطلبات التنظيمية تستلزم كيانًا مؤسسيًا بإمكانات ومقومات لم تكن متاحة لنا آنذاك كانت «مرايا لكل العرب» مشروعًا بدأته بإيمان وشغف، وعملنا فيه بروح تطوعية، لأنني كنت أؤمن بأن الكلمة تستحق أن تجد طريقها إلى الناس، لكن الواقع الإعلامي والتنظيمي فرض شروطًا جديدة، وكان عليّ أن أواجه الحقيقة كما هي، لا كما أتمنى أن تكون.

أما الثمن الذي رافقني، فهو أنني تركت خلفي تجربة حملت جزءًا من أحلامي، وتعلمت منها أن بناء الحلم يحتاج إلى الشغف، لكنه يحتاج أيضًا إلى مقومات تحمي استمراره، ومع ذلك، لم أشعر أن السنوات ضاعت، فقد منحتني خبرة لا تُختصر في منصب، ورسخت داخلي قناعة بأن إغلاق باب لا يعني بالضرورة أن الفكرة كانت خاطئة، بل قد يعني أن الظروف لم تعد تسمح لها بالاستمرار.

تقولين إن ( الإعلام رسالة تصنع الوعي قبل أن يصنع الخبر )
لكننا نعيش اليوم في زمن يستطيع فيه خبر غير دقيق أن ينتشر في دقائق بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل حتى تصل ..!
هل انتصر السبق الصحفي على الحقيقة؟

لا أعتقد أن السبق الصحفي انتصر على الحقيقة، لكنه في بعض الممارسات أصبح ينافسها، حين تحوّل النشر السريع من وسيلة للتفوق المهني إلى غاية تُقدَّم على التحقق من المعلومة.

المشكلة ليست في أن يصل الخبر أولًا، بل في أن يصل خطأً، فالمعلومة غير الدقيقة قد تنتشر في دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت لتصحيح ما خلّفته من انطباعات وأحكام، والأخطر أن التصحيح، مهما كان واضحًا، لا يضمن أن يصل إلى جميع من وصل إليهم الخبر الأول.

من واقع تجربتي الإعلامية، أؤمن بأن مسؤولية الصحفي لا تنتهي عند نقل ما حدث، بل تبدأ من التحقق مما ينقله، والتمييز بين الحقيقة والتأويل، وبين المعلومة والشائعة، فالإعلام ليس سباقًا لاحتلال اللحظة، بل مسؤولية عن تشكيل الوعي.

قد يخسر الصحفي دقائق حين يتريث، لكنه قد يخسر مصداقيته سنوات حين يتسرع، فالسبق الذي يُبنى على معلومة غير موثوقة ليس انتصارًا مهنيًا، والحقيقة التي تصل متأخرة أفضل من معلومة مضللة تصل مبكرًا، لأن ثقة الجمهور هي رأس مال الإعلام الحقيقي، وإذا فُقدت، أصبح استعادتها أصعب من نشر ألف خبر.

 

لو طلبت منكِ أن تختاري شيئًا واحدًا تخافين أن يخسره الإعلام السعودي في عصر المنصات والذكاء الاصطناعي… ماذا سيكون؟

أخشى أن نخسر أنسنة الأمور، فيتحول الإعلام من رسالة تخاطب الإنسان ووجدانه، إلى صناعة تنتج المحتوى وتطارد التفاعل والأرقام، ففي عصر المنصات والذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكاننا أن ننتج آلاف الكلمات والصور في دقائق، لكن ما أخشاه هو أن نتقن صناعة المحتوى وننسى الإنسان الذي صُنع من أجله.

أخشى أن تتراجع مساحة التعاطف أمام سرعة النشر، وأن تُختزل القصص الإنسانية في أرقام، والمشاعر في تفاعلات، والمعاناة في مادة تستدرج المشاهدات، فالذكاء الاصطناعي قد يحاكي اللغة والعاطفة، لكنه لا ينبغي أن يعفينا من مسؤوليتنا الإنسانية تجاه ما ننشره، وكيف ننشره، والأثر الذي نتركه في الآخرين.

أنا لا أخشى تطور التقنية، بل أخشى أن نتطور في أدواتنا ونتراجع في إنسانيتنا، فالإعلام، مهما بلغت قدراته، يفقد جوهر رسالته حين يرى في الإنسان مجرد متلقٍ، لا روحًا لها مشاعر وكرامة وحقوق.

أريد إعلامًا يواكب المستقبل بعقله، لكنه لا يتخلى عن إنسانيته بقلبه، لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في عصر الذكاء الاصطناعي ليس قدرتنا على إنتاج المحتوى، بل قدرتنا على الشعور بالإنسان.

هناك فرق بين أن تكتب ما يريده الناس وأن تكتب ما يحتاج الناس إلى قراءته أين تقفين بين الاثنين؟

أقف حيث تلتقي رغبة القارئ بحاجته إلى الوعي، لكنني حين أجد نفسي أمام خيار بين إرضاء الناس ومصارحتهم بما يحتاجون إلى معرفته، أنحاز إلى ما أؤمن بأنه أكثر نفعًا لهم.

فالكتابة التي تبحث عن التصفيق وحده قد تمنح صاحبها حضورًا عابرًا، لكنها لا تصنع أثرًا، أما الكتابة التي تلامس وعي الإنسان، وتطرح عليه الأسئلة التي ربما يتجنبها، فقد تثير اختلافًا، لكنها تفتح بابًا للتفكير.

لا أؤمن بأن الكاتب وصيّ على الناس، ولا بأنه مطالب بمجاراة رغباتهم في كل ما يكتب، بل أراه شريكًا في تشكيل الوعي، عليه أن يحترم عقل القارئ، ويخاطب وجدانه، ويمنحه ما يستحق أن يتوقف عنده، لا ما يضمن له التفاعل فحسب.

أنا لا أكتب لأقول للناس ما يحبون سماعه دائمًا، ولا لأخالفهم كي أبدو مختلفة، بل أكتب ما أراه جديرًا بأن يُقال، مؤمنة بأن الكلمة الصادقة قد لا ترضي الجميع، لكنها تملك فرصة لأن توقظ سؤالًا، أو تصحح فكرة، أو تغيّر زاوية نظر.

فالكاتب في نظري ليس من يمنح الناس صدى أصواتهم فحسب، بل من يضيف إلى أصواتهم وعيًا جديدًا، دون أن يصادر حقهم في الاختلاف.

دخلتِ إلى العمل المجتمعي من خلال مبادرات متعددة هل المبادرات بالنسبة لكِ امتداد للصحافة أم أنكِ في لحظة ما شعرتِ أن الكتابة وحدها لم تعد كافية؟

لم يكن دخولي إلى العمل المجتمعي منفصلًا عن مسيرتي المهنية، بل بدأ من خلال عملي، حيث أتيحت لي الفرصة للتعامل مع احتياجات المجتمع والتفكير في كيفية تحويل الأفكار إلى مبادرات ذات أثر. ثم امتد هذا التوجه إلى مبادرات عملت عليها بنفسي، ومنها «أساور وطن»، التي حظيت بدعم أيادٍ خبيرة آمنت بالفكرة وبقدرتها على إحداث فرق.

أؤمن أن الصحافة والعمل المجتمعي يلتقيان في جوهر واحد، وهو الإحساس بالمسؤولية تجاه الإنسان، فالصحافة تمنحنا القدرة على كشف الاحتياج وتسليط الضوء عليه، والعمل المجتمعي يتيح لنا أن نبحث عن حلول عملية تستجيب له.

لم أشعر يومًا أن الكتابة وحدها لم تعد كافية، بل شعرت أن بعض الأفكار تستحق أن تتجاوز حدود المقالة لتصبح مشروعًا يلامس حياة الناس. فالكلمة تفتح الطريق، والمبادرة تمنح الفكرة فرصة لتتحول إلى واقع.

بالنسبة لي، لم يكن الانتقال من الصحافة إلى المبادرات انتقالًا من رسالة إلى أخرى، بل كان اتساعًا لمساحة المسؤولية، من التأثير في الوعي إلى المساهمة في صناعة الأثر.

من هو قدوتك في الصحافة ؟

على المستوى العربي، أعتز بالشاعر والكاتب المصري فاروق جويدة، الذي أتشرف بالتواصل المستمر معه، كما تشرفت بزيارته في مكتبه بصحيفة الأهرام في مصر. وأجد في تجربته الأدبية والإعلامية ما يلهم الكاتب في الجمع بين عمق الفكرة وصدق التعبير، وبين الكلمة التي تلامس الوجدان وتلك التي تترك أثرًا في الوعي.

أما في المملكة العربية السعودية، فأكن تقديرًا كبيرًا للأستاذ خالد المالك، رئيس تحرير صحيفة الجزيرة، وقد أبهرني تواضعه وإيمانه بالأقلام الهادفة، إلى جانب تجربته الإعلامية العظيمة التي تمثل مسيرة ثرية في الصحافة السعودية.

أؤمن أن القدوة ليست مجرد اسم نُعجب به، بل تجربة نتعلم منها، وقيم نلمسها، ومواقف تترك فينا أثرًا، وما أقدّره في هاتين القامتين هو أن قيمة الكاتب لا تقاس بما يكتبه فحسب، بل بما يحمله من رسالة، وبما يتركه من أثر في الآخرين.

الإعلام النسائي ما بين ما مضى وبين الآن من وجهة نظرك ِ كيفك تقييميه ؟

لا يمكننا أن نضع الإعلام النسائي في الماضي والحاضر في كفتي مقارنة مطلقة، ففي الماضي كانت هناك تجارب راسخة صنعت حضورًا مهنيًا رغم محدودية الإمكانات، واليوم هناك فرص استثنائية تحتاج إلى وعي ومهنية حتى تتحول إلى إنجازات مستدامة.

تقييمي أن الإعلام النسائي السعودي انتقل من مرحلة إثبات الحضور إلى مرحلة أوسع من صناعة التأثير، لكن الرهان الحقيقي ليس على عدد الأصوات النسائية في المشهد الإعلامي، بل على نوعية الأصوات التي تضيف معرفة، وتصنع وعيًا، وتترك أثرًا يستحق البقاء.

تقولين إن الإعلام رسالة تصنع الوعي قبل أن يصنع الخبر لكن ماذا يحدث عندما تتعارض الحقيقة مع رغبة الجمهور في سماع ما يوافقه؟

أؤمن أن الإعلام ليس صدى لرغبات الجمهور، بل مرآة للحقيقة، حتى حين لا تعجبنا صورتها. فالكاتب الذي يُجامل على حساب الحقيقة يخسر رسالته، ومن يجعل رضا الناس غايته، قد يكسب تصفيقهم لكنه يفقد قيمة قلمه، أنا أؤمن أن الكلمة ليست ما يرضي الناس دائمًا، بل ما يستحقون أن يعرفوه.

مبادرة ( نريدها نموذجية )
وصلت إلى اهتمام إعلامي محلي ودولي ما الذي كشفته لكِ هذه التجربة عن العلاقة بين الصحفي وصانع القرار والمجتمع؟

كشفت لي مبادرة «نريدها نموذجية» أن الإعلام حين يلتقي برؤية تؤمن بالتطوير، ومجتمع يتطلع إلى الأفضل، يستطيع أن يتجاوز نقل الخبر إلى صناعة التغيير، فمن خلال محطة الحقيل للخدمات البترولية، سعيت إلى تحويل الفكرة إلى نموذج عملي يضع جودة الخدمة وكرامة الإنسان في المقدمة، وتعلمت أن صانع القرار حين يمنح الفكرة فرصة، والصحفي حين يحول رؤيته إلى مبادرة، يصبح المجتمع هو المستفيد الحقيقي

أنتِ صحفية وأديبة في الوقت نفسه الصحافة تبحث عن الحقيقة بينما الأدب يبحث أحيانًا عن الحقيقة التي تختبئ خلف الحقيقة الظاهرة …
أيّهما كان أكثر صدقًا معكِ الصحافة أم الأدب؟

الصحافة واجهتني بالحقيقة، والأدب كشف لي ما يختبئ خلفها، في الصحافة أبحث عمّا حدث، وفي الأدب أبحث عمّا تركه الحدث في الروح، ولا أستطيع أن أفاضل بينهما، فلكل منهما صدقه الخاص، لكن الأدب يمنحني مساحة أقول فيها ما قد تعجز الحقيقة المجردة عن قوله، الصحافة تُنصف الحقيقة، والأدب يُنصت لما لم تقله الحقيقة بعد.

روايتك ( المستحيل )
تحمل عنوانًا لافتًا بعد سنوات من التجربة هل ما زلتِ تؤمنين أن هناك أشياء مستحيلة فعلًا أم أن المستحيل مجرد اسم آخر للخوف؟

أؤمن أن المستحيل أحيانًا ليس سوى خوف لم نجرؤ على مواجهته، وأحيانًا أخرى واقع يحتاج إلى حكمة لنقبله أو شجاعة لنتجاوزه. اخترتُ «المستحيل» عنوانًا لروايتي، لأنني أؤمن أن الإنسان لا يعرف حدود قدرته إلا حين يختبرها. فكم من حلمٍ وصفناه بالمستحيل، ثم أصبح يومًا جزءًا من واقعنا، المستحيل ليس دائمًا ما تعجز عنه الحياة، بل ما نعجز أحيانًا عن تخيّل حدوثه.

هل كتبتِ يومًا نصًا أدبيًا كنتِ تعرفين في داخلك أنكِ لا تتحدثين فيه عن شخصية متخيلة بل عن جزء منكِ أنتِ؟

كثيرًا، فالكاتب مهما ابتكر شخصياته، يتسلل شيء من روحه إلى نصوصه، حتى حين يتخيل أنه يكتب عن الآخرين، أحيانًا أمنح الشخصية وجعًا عشته، أو سؤالًا أخفيه، أو موقفًا لم أستطع قوله بصوتي الحقيقي، وربما لهذا أؤمن أن أجمل النصوص ليست تلك التي نكتبها من خيالنا وحده، بل تلك التي يمرّ خيالنا فيها على شيء من حقيقتنا، فالكاتب قد يتوارى خلف شخصياته، لكن روحه دائمًا تترك أثرها بين السطور.

المرأة السعودية قطعت مسافات كبيرة في المجال الإعلامي لكن من واقع تجربتك الشخصية هل أصبح الطريق أسهل فعلًا للمرأة ..
أم أن التحديات فقط تغيرت أشكالها؟

أعتقد أن التحديات تغيّرت، لكنني شخصيًا اخترت منذ سنوات أن أبتعد عن الصراعات، وأختزل حضوري الإعلامي في مقالتي الأسبوعية، لأمنح الكلمة مساحتها بعيدًا عن ضجيج المشهد، لم أعد أرى أن كثرة الظهور تعني بالضرورة قوة التأثير، فربما تصنع مقالة صادقة أثرًا أعمق من حضور يومي لا يضيف جديدًا، اليوم أفضّل أن أقول ما يستحق أن يُقال، لا أن أكون حاضرة في كل ما يُقال.

ما السؤال الذي لم يجرؤ أحد على طرحه عليكِ حتى الآن وكنتِ تتمنين أن يطرحه أحد؟

ربما انشغلت طويلًا بصناعة الأثر في حياة الآخرين، حتى تأخرت في الالتفات إلى ما تحتاجه نفسي. لكنني تعلمت أن الإنسان لا ينبغي أن يقيس حياته بما أنجزه فقط، بل بما عاشه بسلام، وما احتفظ به من نفسه وسط كل التجارب، واليوم أؤمن أن من حق الإنسان أن يمنح نفسه نصيبًا من الحياة، لا أن يظل يمنحها للآخرين فقط.

ابيات شعر لها مكانة بداخلك لانها تصفك ِ وتختصر من هي مرفت ؟

يا عناوين المحبة ليه أنا تاهت دروبي
ما لمحت الشوق فيني وبغرامي انبهرت؟

صادني حرفٍ بكيته بدل إحساسي وثوبي
اشغل الباب وتمرد بعثر أحلامي وتهت

اشتكيتك في حروفي كيف تتغنى بعيوبي
ما سترت بالعشرة باب ليت بسكوتك عدلت

بعد أكثر من خمسة عشر عامًا في المهنة لو عادت بكِ السنوات إلى مرفت التي كانت تقف في بداية الطريق هل ستختارين الطريق نفسه مرة أخرى؟
أم أنكِ ستقولين لها :
( توقفي… هناك أشياء يجب أن تعرفيها أولًا ؟

سأختار الطريق نفسه، لكنني سأمشيه بوعي أكبر، سأقول لمرفت البدايات آمني بأحلامك، لكن لا تمنحي كل ما لديكِ لكل طريق، ولا تخلطي بين جمال الفكرة وضمان نجاحها، تعلّمي متى تقاتلين من أجل حلمك، ومتى يكون الانسحاب حكمة لا هزيمة.

فبعض التجارب لا نختارها لو عرفنا ثمنها مسبقًا، لكنها تصنع فينا ما لا تصنعه الطرق السهلة، لن أطلب من مرفت أن تتوقف، بل أن تمضي، دون أن تفقد نفسها وهي تحاول أن تصنع أثرًا في حياة الآخرين.

من من الشعراء تقرائين له ؟
وتشعري انه يقول ما تريدي قوله ؟

أقرأ للأمير عبدالله الفيصل، والأمير خالد الفيصل، والأمير بدر بن عبدالمحسن، والأمير عبدالرحمن بن مساعد، وكذلك الشاعر حامد زيد، ولكل منهم نكهته الشعرية الخاصة. لبدر بن عبدالمحسن مساحة خاصة في وجداني، بقدرته على ملامسة المناطق الخفية في الروح، وأجد في شعر خالد الفيصل جزالة المعنى، وفي شعر عبدالله الفيصل عذوبة الإحساس، وفي شعر عبدالرحمن بن مساعد عمق الفكرة، أما حامد زيد فأحب في شعره قوة البوح وصدق التعبير.

ما السؤال الذي سُئلتِ عنه كثيرًا وتمنيتِ لو أن أحدًا سألكِ بدلًا منه سؤالًا آخر؟

كثيرًا ما سُئلت عن إنجازاتي ومناصبي، وكنت أتمنى لو سألني أحدهم ما الثمن الذي دفعته مرفت لتصل إلى ما وصلت إليه؟ فخلف كل تجربة حكايات لا تظهر في السيرة الذاتية، ودروس لا تُروى في الاحتفالات، وأشياء يتعلمها الإنسان من الحياة أكثر مما يتعلمها من النجاح نفسه.

ما الفكرة التي دافعتِ عنها سنوات ثم اكتشفتِ أنك كنتِ مخطئة بشأنها؟

كنت أؤمن أن النجاح يجمع الناس حول الفكرة، لكن التجربة علمتني أن النجاح قد يُقلق من يراه تهديدًا لمكانته، واجهت مقاومة من بعض شركاء العمل كلما حققت تقدمًا، وأدركت أن الجميع لا ينظر إلى النجاح بالمنظور نفسه، فهناك من يراه فرصة للنمو، ومن يراه خطرًا على وجوده.

تعلّمت ألا أعتذر عن نجاحي، وألا أسمح لخوف الآخرين من تألقهم أن يطفئ شغفي، فليس ذنبي أن أنجح، ولا واجبي أن أصغر كي يشعر غيري بالأمان.

كيف ترين مصير الكتاب الورقي الآن ؟

أؤمن أن الكتاب الورقي لن ينتهي، لأن بعض العلاقات لا تختصرها التقنية، وعلاقة القارئ بالكتاب واحدة منها. قد تتغير وسائل القراءة، وتتسع الكتب الرقمية، لكن للورق حميميته وخصوصيته التي تجعل القراءة تجربة تتجاوز تلقي المعلومة إلى ملامسة الوجدان. التقنية قد تغيّر شكل الكتاب، لكنها لن تلغي حاجة الإنسان إلى أن يجد نفسه بين صفحاته.

باقة ورد لمن تهديها ؟

أهديها لأمي، السيدة فاطمة، لأنها الجذر الذي أنتمي إليه، ولأن بعض الامتنان أكبر من أن تختصره الكلمات، وإن كان للورد أن يحمل رسالة، فستكون شكرًا لكل قلب منحنا الحب دون أن ينتظر مقابلًا.

اصعب موقف صورتيه بقصيدة ؟

قصيدتي «أم حمزة» من أكثر النصوص التي حملت وجعي الإنساني، كتبتها وأنا أستحضر صورة الإنسان الذي يفقد بيته وأحباءه، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى الاستغاثة بالعالم كي يراه ويسمعه، لم أرد أن أكتب عن الحرب بوصفها أرقامًا وأخبارًا، بل عن الوجوه التي تختبئ خلفها، وعن الأمهات والأطفال الذين يدفعون ثمنها، في «أم حمزة» لم أكن أبحث عن قصيدة تصف الألم، بل عن صوتٍ يحمل استغاثة من لا يجد من يسمعه.

تقولين : إن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعده هو ( أثره ) عندما تنتهي رحلة مرفت بخاري يومًا بعد عمرِ طويل بالصحة والعافية والإنجازات وتبقى كتبها ومقالاتها ومبادراتها خلفها… ما الجملة التي تتمنين أن يقولها شخص لم تعرفيه يومًا وهو يتحدث عنكِ؟

أتمنى أن يقول أحدهم يومًا، لم أعرف مرفت بخاري، لكنني عرفت أثرها، قرأت لها كلمة غيّرت فيّ شيئًا، أو وجدت في مبادرة لها خيرًا وصل إليّ، ويكفيني أن أكون قد مررت في هذه الحياة وتركت فيها ما يجعلها أجمل، ولو في قلب إنسان واحد، فأجمل ما أتمناه ليس أن يتذكر الناس اسمي، بل أن يجدوا في أثري سببًا يجعلهم يؤمنون أن الخير يستحق أن يستمر.

و بعد الابحار في محيط عميق من الادارك الادبي والصحفي والمجتمعي مع شخصية متميزة ننزل على شط ذاك المحيط المليء بالدرر من مسيرة حافلة لمن لها بصمة في صفحات التاريخ الذي لا تمحوه السنين بل سيظل اثرها نبراساً يُقتدى به
وهذا يؤكد انه لا يمكن اختصار مرفت بخاري في لقب واحد فالصحافة أخذتها إلى الناس والأدب أخذها إلى ذاتها والعمل المجتمعي أعادها مرة أخرى إلى الناس.
وبين هذه المسارات تبدو الفكرة واحدة أن تكون للكلمة قيمة بعد لحظة كتابتها.
فالصحفي قد يكتب مئات الأخبار والمقالات والأديب قد يترك وراءه كتبًا كثيرة لكن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد الصفحات التي امتلأت بالحبر بل بعدد الأفكار التي تغيرت والقلوب التي لامستها الكلمات والقضايا التي خرجت من الظل إلى الضوء.
ولعل هذا هو الرهان الأصعب الذي اختارته مرفت بخاري لنفسها
أن تكتب لا لكي يُقال إنها كتبت وإنما لكي يبقى شيء مما كتبته بعد أن ينتهي صوتها بعد عمر طويل وهي بصحة وعافية
ففي نهاية المطاف قد ينسى الناس اسم الكاتب وقد تتغير الصحف والمنصات والأدوات لكن الكلمة التي تركت أثرًا حقيقيًا لا تعرف كيف تموت ..


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com