التوب السوداني.. حكايات امرأة وهوية وطن
17 أكتوبر 2026
0
2376

د/شذى على مختار

في السودان، للثوب حكاية لا ترويها الخيوط والألوان وحدها، بل تختزنها تجارب النساء وملامح الوطن. ينساب على كتفي المرأة كأنه قطعة من روح المكان، ويرافقها في أفراحها وأحزانها، حاملًا من هويتها ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله. فهو علامة انتماء ومرآة لثقافة تناقلتها الأجيال،
قديمًا، كان التوب جزءًا أساسيًا من مظهر المرأة السودانية، ترتديه في حياتها اليومية ومناسباتها الاجتماعية، وتنسّقه بما يلائم طبيعة كل مناسبة. ومع مرور الزمن، تعددت استخداماته، فظهرت أثواب للأفراح وأخرى للحداد والبيت، إلى جانب توب الجرتق المرتبط بطقوس الزواج السودانية.
للثوب السوداني لغة خاصة تبدأ من أسمائه، التي تحمل أصداء التاريخ والمجتمع فمن المسميات المتداولة «عيون زروق»، و«رموش أولاد بري»، و«الحرية»، و«الجمهورية»، و«الاستقلال»، و«السلك الدبلوماسي»، و«القمر الصناعي». كما استلهمت بعض التسميات أسماء المدن والأماكن والمطربين والشخصيات السودانية، لتغدو سجلًا شفهيًا يعكس جوانب من تحولات المجتمع وتجاربه،
وفي استطلاع أوضحت انتصار الشيخ، العاملة في تصميم التياب وبيعها، أن أسماء الأثواب ترتبط أحيانًا بالمفردات المتداولة وما يلفت انتباه الناس في زمن معين. وأشارت إلى أن اختيار التوب لا يتوقف عند اسمه أو لونه، بل يرتبط كذلك بالمناسبة وطريقة تنسيقه مع الإكسسوارات، لافتةً إلى أن الأسعار تختلف باختلاف الزمان والمكان ونوعية القماش وتفاصيل إعداده.
ويمتد الاهتمام بالتنسيق أحيانًا إلى نقوش الحناء، إذ تُختار ألوان التوب وتفاصيله بما ينسجم معها، أو تُستلهم النقوش من ألوانه وتصميمه، في علاقة جمالية تجمع بين الزينة والأناقة وتمنح إطلالة المرأة طابعًا خاصًا.
ومن جانبهن، أوضحت الأخوات حباب ومعزة وابتهاج مهدي، المتخصصات في مجال التياب وأنواعها، أن الأسماء المتداولة ليست بالضرورة علامات تجارية أو أسماء شركات، بل تنشأ كثيرًا من المفردات السودانية العادية، وقد تولد خلال الأحاديث اليومية بين الناس، ثم تنتشر لتصبح أسماء معروفة لبعض الأثواب.
وتوضح معالي حمزة، المهتمة بمواكبة عالم الموضة والأزياء، أن الأحداث والتحولات التي يشهدها المجتمع انعكست بدورها على عالم التياب، وأسهمت في تغيير نظرة بعض المصممات إلى دور هذا الزي. فلم يعد الاهتمام مقتصرًا على الأناقة والزينة، بل امتد إلى التعبير عن الواقع ومواكبة مستجداته.
وظهر ذلك في تصميمات وتسميات استلهمت من الأحداث الراهنة، من بينها «توب القوات المسلحة» و«راجعين»، اللذان يحملان دلالات مرتبطة بالواقع السوداني ومشاعر الناس وتطلعاتهم، ويجسدان كيف يمكن للتوب أن يتحول من زي تقليدي إلى وسيلة للتعبير عن المواقف والانتماء والأمل في العودة إلى الوطن.
وامتد ، ليشمل أوصافًا مستوحاة من الحياة والخيال، مثل «جلد النمر»، و«صوت المطر»، و«جلد الأصلا»، و«أب قجيجة»، و«الدولار»، و«بنكك»، و«كرسي الوزير»، و«الخط السريع». كما تتداول أسماء ترتبط بالخامات والتصاميم، مثل الشيفون والتانيل والأحجار الكريمة والساري و«كامل الأوصاف»، إلى جانب تسميات أحدث، من بينها «التك توك»، في انعكاس لتفاعل هذا الزي مع مفردات العصر وتحولاته.
تتنوع الأقمشة ومسمياتها في السوق السودانية، ومنها الصفوي والزراق والطرقة والكرب والنقادة والسويسري والتوتل والراتي. ولكل خامة ملمسها وانسيابها، ولكل امرأة ذوقها الذي يقودها إلى ما يناسب شخصيتها والمناسبة التي تستعد لها. وبين اختلاف الألوان وطرائق التنسيق، تتجدد أناقة هذا الزي، جامعًا بين ملامحه التقليدية وما تستحدثه الأذواق المعاصرة.
ولم يغب التوب عن الأغنية السودانية والحكايات الشعبية؛ فقد ارتبط بصورة المرأة في المناسبات والأفراح، واستحضرت الأغنيات أوصافًا مثل «التوب المهفهف» و«أم الضفائر»، لتصبح هذه الصور جزءًا من المخيلة الشعبية التي تحفظ ملامح الجمال السوداني وتتناقلها الأجيال.
ومن أبرز صور ارتباط التوب بالوجدان الوطني ما ارتبط بالفنانة حواء الطقطاقة، التي عُرفت بأغانيها الوطنية وحضورها في الذاكرة السودانية. وترتبط سيرتها بالاحتفاء باستقلال السودان عام 1956، حين ارتدت، وفق الرواية المتداولة، ثوبًا بألوان علم الاستقلال: الأزرق والأصفر والأخضر، في مشهد يجمع بين أناقة المرأة وفرحة الوطن بحريته. وقد بقيت هذه الصورة حاضرة بوصفها تعبيرًا عن الاعتزاز بالوطن وحضور المرأة في لحظاته التاريخية.
وتختلف ألوان علم الاستقلال عن ألوان العلم السوداني الحالي، الذي يتكوّن من الأحمر والأبيض والأسود، مع مثلث أخضر. ويكشف هذا الارتباط بالرموز الوطنية كيف يتجاوز التوب حدود الزينة، ليصبح وسيلة تعبّر بها المرأة عن هويتها وانتمائها، وتستحضر من خلاله محطات من تاريخ وطنها.
لكن الحرب والنزوح أضافا إلى حكاية التوب معنى أكثر وجعًا. فقد ابتعدت نساء كثيرات عن بيوتهن وحياتهن، وتفرقت الأسر السودانية بين بلدان تختلف في ثقافاتها وعاداتها. وفي خضم هذا التشتت، حرصت بعض النساء على مواصلة ارتداء التوب في الغربة، بوصفه صلة بالبيت والوطن، وتعبيرًا عن هوية لا تمحوها المسافات.
فقد تتغير الأمكنة وتتبدل تفاصيل الحياة، لكن بعض الأشياء تظل حاضرة في الوجدان. والتوب، بما يحمله من ذكريات ومناسبات ودلالات، قد يستدعي بيتًا غائبًا، أو فرحة مضت، أو وجهًا عزيزًا، ويمنح صاحبته إحساسًا بأنها ما زالت تحمل شيئًا من وطنها معها، مهما ابتعدت عنه.
فبعض الأزياء لا ترتديها المرأة لتكتمل أناقتها فحسب، بل تحمل معها حكايتها وذاكرتها وانتماءها. وملامح وطن .


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com