بيت الأجيال ..
03 يونيو 2026
0
7326

 

امل شلتوني ..

استاذ في المعهد الدبلوماسي

في وزارة الخارجية الأمريكية واشنطن

كنتُ أزور بيت جون وكأنني أدخل إلى عالمٍ لا يشبه العالم.

البيت كان جميلاً بطريقة تُربك العين من كثرة ما فيه من تفاصيل؛ قطع فنية من كل بلد، تماثيل صغيرة من آسيا، لوحات زيتية من أوروبا، أقنعة إفريقية معلّقة كأنها تحرس الجدران، وسجاد شرقي يلتقي مع زجاج حديث وإضاءة هادئة مدروسة بعناية.

كان جون دبلوماسيًا، يحمل في حضوره شيئًا من هدوء السفر الدائم بين الدول، وكأن الأماكن كلها تمرّ من خلاله ولا تستقر فيه تمامًا. أما زوجته، فكانت تجمع التحف كما لو أنها تجمع الذاكرة الإنسانية نفسها، قطعة قطعة، لتمنعها من الضياع. وكان والدها فنانًا تشكيليًا معروفًا، حاضرًا في البيت حتى وهو غائب، لأن لوحاته كانت تتكلم عنه في كل زاوية.

كانوا يتحدثون عن البيت كما يتحدث الناس عن مشروع حياة طويل: ليس مجرد جدران، بل فكرة ممتدة، أن يبقى الأثر بعدهم، وأن تنتقل الأشياء من جيل إلى جيل. كانوا يقولونها بثقة هادئة: هذا بيتٌ للأجيال.

“بيتٌ للأجيال” فتحت في داخلي بابًا آخر… بابًا لا علاقة له بالمكان، بل بي أنا.

عدتُ إلى معنى “الأجيال” ليس كفكرة جميلة، بل كرحلة طويلة من البحث عن الجذور. رأيت في قلبي وفي خيالي حضورًا أعمق من المكان، كأنه امتداد قديم يسكن الإنسان دون أن يراه، لكنه يشعر به.

ثم امتدّ المعنى أبعد من الجغرافيا، إلى هوية أوسع من المكان، إلى إحساس بالانتماء لجذور إنسانية ودينية تمتد عبر التاريخ، تاريخ لم يبدأ بي ولن ينتهي عندي.

وهنا تغيّر معنى “بيت الأجيال” في داخلي.

لم يعد بيت جون المليء بالتحف هو الصورة الوحيدة للفكرة، بل صار سؤالًا مختلفًا: كيف يُبنى بيت للأجيال عندما تكون الأجيال نفسها مشتتة بين تجارب وهوّيات واغتراب؟

كيف يكون للإنسان بيتٌ ممتد، وهو ما زال يبحث عن أرضه الداخلية أولًا؟

خرجتُ من هناك، وبيت التحف الجميل خلفي، لكن اسئلة كثيرة كانت قد خرجت معي.

“بيتٌ للأجيال” ليس فقط جدرانًا تُورث، بل معنى يُبحث عنه، وهوية تُستعاد، وجذورٌ تحاول أن تتذكر نفسها في عالمٍ واسع لا يتوقف عن الحركة.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد “البيت” مجرد مكان، بل سؤالًا عن الإنسان نفسه.

في داخلي، لم تكن الحكاية تبدأ من بيت جون أصلًا… بل من بيت أبي.

بيتٌ أول، لا يشبه الفخامة المتكلفة ولا الثراء المليء بالرموز، بل يشبه الدفء حين يكون بسيطًا وصادقًا. بيتٌ كان يحمل حضور أبي كأنه عموده الخفي؛ حضوره الذي منحني إحساسًا مبكرًا بأن هناك يدًا تمسك العالم من حولي حتى لا أسقط.

ذلك البيت لم يكن مكانًا عاديًا… كان أول معنى للانتماء.

ثم تعود الذاكرة كجذرٍ أعمق من المكان، كامتدادٍ غير مرئي يتجاوز الحدود، وكإحساس بأن هناك جزءًا من الحكاية لا يُفهم إلا كامتداد طويل من التاريخ والإنسان والانتماء.

لم تكن مجرد فكرة سياسية أو جغرافية، بل معنى أوسع للهوية، للذاكرة، وللأرض التي تبقى حاضرة في الوجدان مهما تغيّرت المسافات.

وهكذا، بين بيت أبي وبيت جون، وجدت نفسي أمام سؤال واحد لا يغادرني:

أين يبدأ البيت الحقيقي…
في المكان الذي نعيش فيه؟
أم في الذاكرة التي نحملها؟
أم في الجذور التي لا تموت مهما تغيّر

وأكملتُ طريقي بعد ذلك وكأن الفكرة لم تعد فكرة، بل صارت شيئًا يسير معي أينما ذهبت.
لم أعد أرى البيوت كما كنت أراها من قبل. كل بابٍ أصبح احتمالًا لحكاية، وكل نافذة تبدو كعينٍ مفتوحة على شكل مختلف من الحياة. لكن بيت جون ظل عالقًا في ذاكرتي، ليس بما فيه من جمال، بل بما قاله عن نفسه دون أن يتكلم: فكرة الاستمرار، فكرة أن الأشياء يمكن أن تبقى بعد أصحابها، وأن الذاكرة يمكن أن تتحول إلى مادة تُلمس وتُرى.

في المقابل، كنتُ أعود إلى بيتي الداخلي… إلى ما هو أقرب مني، وأقل انتظامًا.

لم يكن هناك ما يشبه ذلك التناسق الذي رأيته. كانت الحياة أقرب إلى حركة مستمرة، إلى انتقالات متتالية بين سفر وفقد ومسؤوليات وأسئلة وتحديات لا تنتهي.

وتسلل إلى ذهني سؤال أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:

كيف يُبنى “بيت للأجيال” حين لا تكون الحياة مستقرة بما يكفي لرسم ملامحه؟

ومع مرور الأيام بدأت أرى أن ما سمّاه جون “بيتًا للأجيال” ليس بالضرورة شيئًا ثابتًا في المكان، بل شيئًا يتكوّن ببطء في المعنى.

بيت يُبنى من القرارات الصغيرة التي تُتخذ تحت ضغط الحياة، ومن قدرة الإنسان على الاستمرار رغم التشتت، ومن محاولاته المتكررة لحماية ما يحب والحفاظ على ما تبقى من تماسكه الداخلي.

لكن السؤال لم يختفِ.

بل أصبح أهدأ وأعمق:

هل يمكن للإنسان أن يصنع “بيتًا للأجيال” وهو نفسه ما زال يبحث عن أرضٍ كاملة يقف عليها؟

وفي لحظات الصمت، كنت أرى الإنسان كما هو: يحمل مسؤولياته وذكرياته وأحلامه الصغيرة، ويواصل السير رغم ما يثقل قلبه

يُعاش في كل مرة يختار فيها الإنسان الاستمرار بدل الانسحاب.
وفي كل مرة يرفض فيها أن يتحول الألم إلى نهاية القصة.

وهكذا، لم يعد “بيت للأجيال” صورة مثالية بعيدة.

بل صار شيئًا نسانيًا، غير مكتمل…

لكنه حيّ.

ينمو معنا، ويتغير معنا، ويكبر بصمت داخل حياتنا التي ما زالت تُكتب

 


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com