رجل من زمن آخر .. د . محمد عبده يماني .. الوزير الإنسان ،،، والشخصية المتطوّرة ،،، ورائد العمل الخيري ،، والمفكر الإسلامي ،،، والباحث في السيرة النبوية
31 أغسطس 2026
0
1089

 

خالد حناوي – ش ا س

هو إبن مكة ، وأحد عشّاقها .
وُلد بأحد أحياها العتيقة ( أجياد ) عام ١٩٤٠ م .
تلقّى التعليم في طفولته على يد ثلاث من النساء .. مريم البغدادية وخديجه الجاوية ومريم الآشية .
وكان الأطفال حينها يتلقّون العلوم وهم جالسون على الأرض . ثم تلقّى تعليمه الأوّلي على أيدي المشايخ في الحرم المكي الشريف ..
ألتحق بمدارس الفلاح العريقة بمكة ، ودرس المراحل الثلاث .. الإبتدائية والمتوسطة والثانوية ..
ولعل أكثر الأمور إثارة وطرفة في سيرة الدكتور محمد عبده يماني ، هو كثرة إصطدامه بالتقاليد الرسمية عن غير قصد .
فعندما حصل على الشهادة الثانوية بمجموع يؤهّله للإبتعاث إلى مصر ، وجد أنه قد أُستبعد . وعندما تقصّى ، وجد أنّ المسألة لها علاقة بالإسم ، فقد ظنّه القائمون على البعثة أنّه غير سعودي ، فتجاوزوه . وهكذا صار إلى الخيار الثاني الذي لم يكن يرغب فيه ، وهو كلية العلوم بجامعة الرياض ( جامعة الملك سعود حاليآ ) .
في أمريكا حين ذهب للدراسات العليا ، رشّحته ملكاته لأن يصبح إمامآ يصلّي بالطلاب ، ومؤذونآ يعقد الزواجات ، ومن ثم أُختير رئيسآ لمجموعة الطلاب المسلمين ، وبذلك أصبح عضوآ في ما يسمّى في أعراف الجامعة ، حكومة الطلاب ، الأمر الذي أزعج سفارة المملكة حين نما إليها الخبر . فأرسلوا أحد أعضاء الملحقية الثقافية للتحقيق معه .
كان الظن أنّ إسم حكومة الطلاب يعني أنّ أعضاءها أصبحوا ضمن حكومة الولاية الأمريكية .
تبيّن للمحقّق أنّ المسألة لاتعدو أن تكون جماعة طلابية تخوّلها إدارة الجامعة الإشراف على بعض شؤون الطلاب .. وانتهت المسألة بسلام .
عمل الدكتور محمد عبده يماني بعد عودته من أمريكا أستاذآ للجيولوجيا الإقتصادية في جامعة الرياض ( جامعة الملك سعود ) ، ثم نُقل للعمل وكيلآ لوزارة المعارف ، لكن لم يمكث سوى فترة وجيزة بهذا المنصب ، حيث تم تكليفه مستشارآ للوزير ،، فرفع شكوى الى الملك فيصل لمعرفة السبب ، فسأل جلالته وزير المعارف آنذاك الشيخ حسن آل الشيخ ، خلال إجتماع مجلس الوزراء .
فقال الوزير أنّ الوزارة أرادت جمع مهمّات الوكلاء عند وكيل واحد .
لكن أعيدت مناقشة الموضوع ، وأعيد الدكتور إلى منصبه ..
في عام ١٩٧٢ م تولّى منصب وكيل جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ، قبل أن يتولّى إدارتها عام ١٩٧٣ م .. وبالرغم من مكوثه عامان فقط بمنصب مدير الجامعة . إلا أنه نجح خلالها في تأسيس كلّيات الطب والهندسة وعلوم البحار .
وأنجز برنامج تطويري هام جدآ ، بل كان قرار غير مسبوق ، تمثّل بإلحاق البنات بالجامعة ، وإنشاء جهاز إداري لذلك .
أشتكت الرئاسة العامة لتعليم البنات ، باعتبار أنّ تعليم البنات في كل المراحل من إختصاصها ، ولايصح أن يتدخل طرف آخر . فصدر قرار يلغي ما عُمل في الجامعة .
واحتاج الأمر الى عدة مشاورات . حتى سُمح للجامعة بتعليم البنات ..
في عام ١٩٧٥ م تقلّد سدّة وزارة الإعلام ، وكان العمل الإعلامي حينها يعتمد على الإجتهاد . ويخلو من الترتيبات المكتوبة ، والتنظيمات الحقيقية .
لكن الدكتور كان شخصية غير تقليدية . وقام ببعض التطوير في العمل الإعلامي والإداري .
فقد أطلق بيانآ من وزارة الإعلام ، بعد كل جلسة لمجلس الوزراء . يتضمّن جدول أعمال المجلس ، وما بحثه وأقرّه من أمور . وكان هذا العمل ( الأسبوعي ) باكورة عمله كوزير .
ثم قام بنقل لوقائع الآذان من البيت الحرام ، والحرم المدني ، ونقله كذلك وقائع صلاة التراويح في شهر رمضان .
وتذكيره من خلال ( التلفزيون ) بأهمية ( بوم عرفة ) و (يوم عاشوراء ) وسنيّة صيامهما .
كذلك شهد عهده إطلاق البث الملوّن للتلفزيون السعودي ، وتأسيس القناة الثانية الناطقة بالإنجليزية .. وأفتتح إذاعة القرآن الكريم ،، ومنح الصحفيين مساحات أوسع . وكان يتدخّل لحمايتهم ..
أيضآ من التنظيمات التي أدخلها ، وبقرار عفوي منه ، مرافقة رؤساء تحرير الصحف للملك في رحلاته الرسمية . بعد أن كانت هناك تقاليد تمنع ذلك .
عُرف بلقب ( الوزير الإنسان ) لتواضعه الشديد وقربه الدائم من الناس . فلم تغره المناصب ، بل ظل خدومًا للصغير والكبير ، ومسارعًا في قضاء مصالح المحتاجين .
وفي مجال الفكر والدعوة ، ألّف العديد من الكتب الإسلامية القيّمة ، واهتم كثيراً بالسيرة النبوية ، والدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ..
ولعل توظيفه لنفسه عند إنتهاء خدمته في ( وزارة الإعلام ) للعمل في المجالات الخيرية والإنسانية ، كان من الأمور الجليلة والهامة في مسيرته .
فقد عُرف بسعيه الدائم في العمل الخيري وجهوده الكبيرة في العمل الإنساني حتى لُقّب بـ ( أبو الفقراء ) .
وساهم في تأسيس وتفعيل عدة جمعيات مثل جمعية أصدقاء القلب الخيرية ، وجمعية الإيمان لرعاية مرضى السرطان ، والجمعية الخيرية لرعاية الأيتام .. كما أنشأ صناديق خيرية لدعم ومساعدة المرضى غير القادرين على العلاج ..
وترأّس مؤسّسة ( إقرأ ) الخيرية ، فتحوّل مكتبه لمد العون لمن يحتاج .
فقد جعل من نفسه وعلمه ومكانته وعلاقاته ، ( وسائل ) تخدم حفظة القرآن وتشجّع على تلاوة كتاب الله ، وتمسح دمعة الأيتام ، وتحنو على الأرامل ، وتعين الضعفاء والمعوزين والفقراء ، وتُسْمِعُ صوت الناس إلى من يستطيع مساعدتهم ودعمهم .
ثم شغل منصب نائب رئيس مجموعة دلة البركة ، وكان هذا آخر منصب مؤسّسي يتولّاه بالقطاع الخاص ..
وأخيرآ وليس آخرآ ، كان الدكتور بارآ بوالديه عليهما رحمة الله .
فبأحد مواسم الحج ، وكان حينها وزير للإعلام ، حمل والدته على ظهره صاعداً بها سُلّم مبنى وزارة الإعلام في منى ، ليوصلها إلى مقر إقامتها !
رحل الدكتور محمد عبده يماني عن دنيانا عام 2010 م ، لكنه بقي في ذاكرة كثيرين رمزًا للوزير المثقف ، والعالم المتواضع ، والرجل الذي جمع بين الإدارة والفكر والدعوة ،، وترك خلفه سيرةً تزداد جمالًا كلما مرّ الزمن


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com