رمضان بين الوطن والمهجر
28 فبراير 2026
0
2079

د/شذى على مختار

رمضان ليس شهرًا عاديًا في حياة المسلمين؛ إنه شهر الخير والنِّعم، شهر القرآن والقيام، والعتق من النار.
لا يكون الصيام مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل مدرسة للتقوى، ومراجعة للنفس، واستدعاء للعِبر والدروس.
يستقبله المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها بقلوب متهيئة، يحتفلون بقدومه بطقوس تعبّر عن الفرح الروحي، ويغتنمون أيامه ولياليه كفرصة قد لا تتكرر… فرصة للرجوع إلى الله بقلبٍ صادق.
في السودان، يتجاوز رمضان كونه مناسبة دينية ليصبح حالة اجتماعية متكاملة؛ عبادةٌ تتجلى في صورة مجتمع متكاتف.
إلى جانب الصلوات والقيام وتلاوة القرآن، تنتشر “موائد الرحمن” والإفطارات الجماعية في الأحياء والطرقات، في مشهد يفيض رحمةً وألفة.
رمضان بجانب العبادات مساحة لتوثيق العلاقات، وتقوية الروابط بين الجيران والأقارب وأبناء الحي الواحد. فالنشاط الاجتماعي جزء أصيل من روح الشهر.
ان العادات المتجذرة في المجتمع السوداني عادة “الضَّرا”، حيث يخرج كل بيت بصينية تُسمى “صينية الإفطار”، محمّلة بما تيسّر من الطعام والشراب، ويتجه بها إلى الشارع أمام المنزل.
هناك، تُفرش “البروش” ويجلس الرجال والشباب وحتى الأطفال في انتظار أذان المغرب.
لا فرق بين غني وفقير، ولا قريب وغريب؛ الجميع على مائدة واحدة.
ومن الطرائف الجميلة أن من يكون “معزومًا” (مدعوًا) للإفطار في مكان آخر، يحرص على الخروج مبكرًا قبل فرش البروش في الحي، لأن عابر السبيل أو أي شخص يمر أمام تلك الموائد لا يُسمح له بالمغادرة دون أن يجلس.
يحلفون عليه أن يفطر، ويأخذ نصيبه من البركة… فالإفطار في السودان مشاركة في الأجر.
تجتمع عليه أطباق السودان المختلفة؛ العصيدة، القراصة، المديدة، ومشروب الإبري الذي تُعدّه النساء في طقس “العواسة”، حيث تتكاتف الأيادي كما في موسم الحصاد.
من خلال الطعام يمكنك أن تتعرّف على أصول الناس ومناطقهم، لكنك في النهاية لا ترى إلا صورة السودان الواحد،.
هذه الصورة لم تبقَ داخل حدود الوطن؛ بل انتقلت مع السودانيين إلى الدول العربية والأجنبية، وأصبحت علامة مميزة لهم في الاغتراب.
في مدن كثيرة، تتكرر مشاهد البروش الرمضانية، وكأن قطعة من السودان قد زُرعت هناك.
وفي المملكة العربية السعودية — بلد الخير والعطاء — اكتملت اللوحة السودانية من خلال الجاليات والأسر التي حافظت على هذا النهج الجميل.
، وخلقت هذه الموائد علاقات طيبة حتى مع الأشقاء من الشعب السعودي، الذين شاركوهم الإفطار وتذوقوا أطباقهم، فتداخلت الثقافات في أجواء من المحبة.
هو شهر يُعيد ترتيب القلوب قبل البيوت، ويزرع في النفوس معنى المشاركة قبل معنى الامتناع.
ومن “الضَّرا” إلى “البرش”، ومن موائد الأحياء في السودان إلى موائد الجاليات في المهجر، تبقى الرسالة واحدة: صيام تقوى ورحمة ومشاركة للجميع.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com