قراءة في كتاب السماء
25 يونيو 2026
0
891

 

امل شلتوني

استاذ في المعهد الدبلوماسي

في وزارة الخارجية الامريكية

 

في كل مرة أقود فيها سيارتي بين شقتي مع ابنتي وبيت ابني مع والده، أشعر أن الطريق ليس أربعين دقيقة كما تقول الساعة، بل مساحة زمنية مختلفة، كأنها معلقة بين عالمين من المحبة والرجاء.

أغادر من عند ابنتي، فأحمل معي شيئًا من دفء المكان؛ حديثًا لم يكتمل، أو ابتسامة عابرة، أو أثر حضور يبقى في الروح بعد أن يغيب عن العين. ثم أتجه نحو ابني، وكأن جزءًا من قلبي يسبقني إليه قبل أن أصل.

بين هذين البيتين يمتد الطريق طويلًا تحت سماء لا تشبه نفسها مرتين.

الأشجار مصطفة على جانبي الشارع كأنها شهود صامتون على مرور البشر وأحلامهم وأحزانهم. تمر الواحدة تلو الأخرى، حتى يبدو المشهد كأنه نهر أخضر يتدفق إلى الأفق.

أما السماء، فكانت في ذلك المساء مكتظة بالغيوم.

غيوم متراكمة فوق بعضها، ثم لا تلبث أن تتشقق في مواضع متفرقة، فتخرج الشمس من بينها بخجل مهيب، لا لتطغى على المشهد، بل لتكمله.

كانت أشعتها تنساب عبر الشقوق الصغيرة، فتلوّن أطراف السحاب بدرجات من الذهب والفضة والأزرق لا تستطيع اللغة أن تحصي أسماءها.

وفي تلك اللحظة لم أكن أفكر في الطريق.

كنت أفكر في الحياة.

كم تشبهنا هذه السماء.

كم مرة ظننا أن الغيم هو الحقيقة كلها، وأن ما يحيط بنا من ضيق أو خوف أو حيرة هو المشهد الكامل، ثم انشقّت سحابة صغيرة لنكتشف أن النور كان حاضرًا منذ البداية.

ليس لأن الشمس جاءت متأخرة، بل لأن أعيننا كانت منشغلة بالسحب.

تأملت الأشجار وهي تمر خلف النافذة، وخطر لي أن البشر يشبهونها.

كل شجرة مختلفة في شكلها ومسار نموها، لكنها جميعًا تتجه نحو الضوء.

وكذلك الأرواح.

لكل إنسان قصته الخاصة، وجراحه الخاصة، وأحلامه الخاصة، لكنه في أعماقه يبحث عن الشيء ذاته: معنى يضيء وجوده.

عندها فهمت أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي تمر فوق وجوهنا، بل بعدد المرات التي تغيّرت فيها رؤيتنا للأشياء.

فقد تمر عقود كاملة دون أن يتغير الإنسان، وقد تغيّر لحظة تأمل واحدة طريقة نظره إلى العالم كله.

وما نظنه أحيانًا نهاية، قد يكون بداية نافذة جديدة على الحياة.

رفعت بصري إلى السماء مرة أخرى.

كانت أشعة الشمس تشق الغيوم باستحياء على هيئة ممرات من نور، فتذكرت أن أجمل لوحات السماء لا تولد من الصفاء الكامل، بل من لقاء النور بالظل.

وكذلك الإنسان.

فالروح لا تنضج لأنها لم تعرف الألم، بل لأنها تعلّمت كيف ترى الحكمة من خلاله.

ولا تصبح أكثر عمقًا لأنها لم تسقط، بل لأنها نهضت وهي تحمل من السقوط بصيرة جديدة.

وفي امتداد الطريق ترددت في داخلي الآية الكريمة:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

وكأن الله يدعونا كل يوم إلى قراءة كتاب مفتوح فوق رؤوسنا.

كتاب لا تُكتب صفحاته بالحبر، بل بالغيوم والنجوم والشمس والرياح.

فالسماء ليست مجرد فضاء فوقنا، بل خطاب مستمر للروح.

والأرض ليست مكانًا نعبره، بل آية نمشي فوقها.

وحين تمر بنا الخسارات أو المخاوف أو التحولات الكبيرة، نكتشف أننا نشبه السماء أكثر مما نظن.

ففي داخل كل إنسان غيومه الخاصة.

وفي داخله أيضًا شمسه التي لا تنطفئ.

وكلما اتسعت رؤيته، ازداد تواضعًا أمام هذا الكون الهائل، وأمام الله الذي أودع فيه كل هذا الجمال وهذا الاتساع وهذا السر.

ثم أدركت شيئًا آخر.

أن الأم لا تعيش في منزل واحد.

فما بين بيت ابنة أحمل لها الدعاء والرجاء، وبيت ابن أحمل له المحبة والقلق والأمل، تعلمت أن قلبي موزع بين أكثر من عنوان.

ولهذا لا أشعر أنني أغادر أحدهما إلى الآخر.

بل أنتقل من غرفة في قلبي إلى غرفة أخرى.

وعندما اقتربت من نهاية الطريق، شعرت أنني لم أصل إلى مكان جديد فحسب.

بل وصلت إلى معنى جديد.

أن الحياة ليست في نقطة الانطلاق، ولا في نقطة الوصول.

بل في الطريق الواقع بينهما.

في تلك المسافة التي أكون فيها وحدي مع الأشجار والغيوم وحديث قلبي مع الله.

هناك، بين بيت ابنتي وبيت ابني، لا أشعر أنني أقود سيارة فقط.

بل أشعر أنني أعبر صفحة من كتاب كوني عظيم، يفتح الله لي سطرًا منه كل يوم.

سطرًا يخبرني أن النور لا يغيب خلف الغيوم.

وأن الرحمة لا تغيب خلف الابتلاء.

وأن ما يبدو لنا طرقًا متفرقة، قد يكون في علم الله طريقًا واحدًا يقود الروح إليه.

فربما كانت أعظم الرحلات تلك التي لا تغيّر موقعنا على الخريطة، لكنها تغيّر موقع قلوبنا في هذا الوجود، وتقربنا خطوة أخرى من فهم ذلك الجمال الخفي الذي بثّه الله في الكون، وفي الإنسان، وفي الطريق بين بيتين يحملان قطعة من القلب.

امل شلتوني


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com