Latest News
كل ترند يسرق وقتك… فماذا يبني مستقبلك؟
19 أغسطس 2026
0
2079

صالح سالم

 

يبدأ الأمر بسيطًا.

تفتح هاتفك لدقائق، ترى مقطعًا جديدًا، فكرة غريبة، أغنية انتشرت، أو تحديًا يتحدث عنه الجميع. تقول لنفسك: سأشاهده فقط، ثم أعود لما كنت أفعله.

تمر الدقائق.

ثم يأتي ترند آخر.

وتبدأ من جديد.

وفجأة تنظر إلى الساعة، فتكتشف أن اليوم مضى، بينما الأشياء التي كنت تريد إنجازها ما زالت في مكانها.

المشكلة ليست في الترند نفسه، ولا في أن نضحك أو نستمتع أو نتابع ما يحدث حولنا.

المشكلة تبدأ عندما يصبح كل جديد قادرًا على انتزاع انتباهنا، حتى نتحول من أشخاص يختارون ما يشاهدون إلى أشخاص ينتظرون ما سيأتي بعده.

كل يوم هناك شيء جديد.

رقصة جديدة.

منتج غريب.

تحدٍ جديد.

مقطع ينتشر لساعات ثم يختفي.

حكمة مؤقتة.

قصة لا يعرف أحد لماذا أصبحت حديث الناس.

ثم ينتهي كل شيء، وننتظر ترندًا آخر.

لكن وسط هذا السباق، هناك أشياء أخرى لا تظهر في قائمة الأكثر تداولًا.

صلاة تحتاج إلى محافظة.

كتاب يحتاج إلى قراءة.

مهارة تحتاج إلى تعلم.

جسد يحتاج إلى رياضة.

صحة تحتاج إلى اهتمام.

مشروع يحتاج إلى بداية.

وحلم يحتاج إلى وقت طويل حتى يتحول إلى حقيقة.

هذه الأشياء لا تصرخ في وجهك كل دقيقة.

لا ترسل لك إشعارًا يقول: انظر إليّ.

ولا تخبرك بأن آلاف الناس يتحدثون عنها الآن.

ولهذا نخسرها بسهولة.

نحن نعيش في زمن أصبح فيه الجديد أكثر جاذبية من المهم، والسريع أكثر إغراءً من العميق.

نريد نتيجة فورية.

نريد أن نتعلم في دقائق، وننجح بسرعة، ونرى التغيير مباشرة.

لكن الحياة الحقيقية لا تعمل بهذه الطريقة.

الجسم لا يتغير من تمرين واحد.

والعلم لا يأتي من مقطع واحد.

والمهارة لا تولد من مشاهدة الآخرين وهم يمارسونها.

والنجاح لا يحتاج إلى ترند جديد، بقدر ما يحتاج إلى شخص يستمر عندما يتوقف الجميع عن التصفيق.

والأخطر أن بعض الناس أصبحوا يعرفون كل شيء يحدث على الإنترنت، لكنهم لا يعرفون ماذا يحدث في حياتهم.

يعرفون آخر ترند، وآخر مقطع، وآخر تحدٍ، وآخر قصة أثارت الناس، لكنهم يؤجلون أهدافهم الحقيقية كل يوم.

يقول أحدهم:

سأبدأ غدًا.

غدًا أقرأ.

غدًا أتمرن.

غدًا أتعلم.

غدًا أبدأ مشروعي.

ثم يأتي غد آخر، وترند جديد، وينتهي اليوم بالطريقة نفسها.

وهكذا لا يضيع العمر في حدث كبير.

أحيانًا يضيع في دقائق صغيرة متفرقة، لا نشعر بها وهي تغادرنا.

دقيقة هنا.

ونصف ساعة هناك.

وساعة قبل النوم.

وساعات طويلة نمنحها لأشياء لا نتذكر منها شيئًا بعد أيام.

لهذا ربما لا نحتاج إلى سؤال أنفسنا: ما الترند الجديد اليوم؟

بل نحتاج أحيانًا إلى سؤال أصعب:

ماذا أنجزت اليوم مما سيبقى معي غدًا؟

فليس كل ما يجذب انتباهك يستحق وقتك.

وليس كل ما يتحدث عنه الناس يستحق أن تتحدث عنه.

وليس كل شيء جديد يستحق أن تترك من أجله الشيء الذي كنت تبنيه.

استمتع، اضحك، تابع، وكن جزءًا من العالم من حولك، لكن لا تسمح له بأن يعيش حياتك بالنيابة عنك.

لأن الترند سينتهي.

والمقطع سيُنسى.

والتحدي سيأتي بعده تحدٍ آخر.

لكن الوقت الذي أعطيته لكل ذلك لن يعود.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال:

كم ترندًا شاهدت اليوم؟

بل:

كم خطوة قطعتها اليوم نحو الحياة التي تريدها؟

فكل ترند يمر…

قد يكون لحظة ترفيه.

وقد يكون دقيقة من عمرك.

والفرق بينهما تحدده أنت.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com