ماهر العثمان يحلم بهديةٍ استثنائية للسعودية.. فنٌّ يترجم الوفاء والولاء فهل يتحقق ؟؟
29 أكتوبر 2026
0
1485

اعداد وحوار 

د. وفاء ابوهادي – ش ا س

من اللقاءات القليلة جداً التي وقفت امام صاحبها بعجز تام في أن أكتب عنه مقدمة واصف تلك الشخصية وما تمتلك من إنسانية ذات ابعاد تلاشت في زمننا هذا للأسف ومُزجت بمواهب عديدة مدفونة في دهاليز ظروف الحياة التي ظلمت الكثير ممن يستحقون أن يكونون في القمة
فهناك ثمة عقول لا ترى في الأشياء حدودها بل احتمالاتها ولا تقف عند ما تمنحه المادة من ظاهرها بل تنفذ إلى ما تختزنه من إمكانات تنتظر عينًا تكتشفها ويدًا تحررها وخيالًا يمنحها حياة لم تكن في الحسبان ..
هناك في المسافة الفاصلة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون يولد الإبداع الحقيقي لا بوصفه مهارةً في تطويع الأدوات فحسب بل باعتباره قدرةً إنسانية على إعادة اكتشاف العالم وإعادة صياغة علاقته بالجمال والذاكرة والمشاعر.
في هذا الأفق تتشكل تجربة الفنان متعدد المواهب ماهر العثمان تجربة لا يمكن اختزالها في لوحة تشكيلية أو منحوتة تتخذ هيئةً من الحجر والخشب أو قطعة فنية تستعيد قيمتها من مواد ظنّها الآخرون جديرة بالنسيان إنها تجربة تتجاوز تعدد الأدوات إلى وحدة الرؤية وتتخطى براعة الصنعة إلى فلسفة خاصة ترى في كل خامة لغة وفي كل تفصيل احتمالًا وفي كل عمل حكايةً تحمل شيئًا من روح صاحبها.
لم تكن البداية إعلانًا مبكرًا عن فنان يعرف الطريق الذي سيسلكه بل كانت دهشة طفل في السادسة من عمره تقريبًا يعبث بالأشياء الصغيرة ويجمع المواد المتاحة حوله ويحاول أن يمنح أفكاره أشكالًا ملموسة وحين صنع مروحته الآلية الأولى من قطع الخشب والكرتون والمطاط وبعض الأدوات البسيطة لم يكن يدرك أنه يختبر في تلك اللحظة البريئة جوهرًا سيلازمه طوال رحلته أن الخيال ليس ترفًا ذهنيًا وأن الفكرة لا تبلغ اكتمالها بمجرد أن تولد في العقل بل حين تجد طريقها إلى الواقع.
ومع اتساع التجربة لم تعد الخامات مجرد وسائل للتنفيذ بل أصبحت شريكةً في الحوار الإبداعي فالخشب بعروقه ودفئه وذاكرته الطبيعية ليس كالمعدن بصلابته وخصائصه والأسطح ليست مساحات صامتة تخضع ليد الفنان بلا مقاومة لكل مادة طباعها وإمكاناتها ولكل منها لغة تتطلب معرفةً وصبرًا وقدرةً على الإصغاء .
وبين هذه الخصائص وما يملكه الفنان من رؤية تنشأ معادلة دقيقة يقودها الخيال وتهذبها الخبرة وتمنحها اليد صورتها الأخيرة.
ولعلّ أكثر ما يُلفت في تجربة العثمان أنه لا يتعامل مع محدودية الإمكانات باعتبارها نهايةً للطموح بل بدايةً لاكتشاف مسارات أخرى ..
فحين لا تتوافر الخامة المطلوبة لا يتوقف عند غيابها بل يبحث عما يمكن أن يؤدي دورها أو يكتشف في مادة غير مألوفة ما يفتح أمامه بابًا جديدًا للإبداع.
وقد يصل به الأمر إلى توظيف حبيبات البرغل في تشطيب واجهة خشبية أو تحويل أشياء مهملة إلى عناصر تتآلف في تكوين فني متكامل وفي هذه القدرة على رؤية ما وراء الاستخدام المعتاد للأشياء تتجلى إحدى أهم سمات تجربته فالمادة لا تستمد قيمتها الفنية من وظيفتها الأصلية أو ثمنها بل من الرؤية التي تعيد اكتشاف إمكاناتها وتمنحها معنى جديدًا.
غير أن الحكاية لا تقف عند حدود الابتكار والتشكيل ففي عالم ماهر العثمان ثمة مساحة خفية تتحول فيها الأعمال إلى لغة وجدانية وتغدو الألوان والأشكال والخطوط وسيلةً للبوح بما قد تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه ..!
فبعض الأعمال تحمل من مشاعر صاحبها ما لا يظهر في صورتها الأولى وبعض آثارها لا يمكن فصلها عن اللحظة الإنسانية التي وُلدت فيها حتى إن دمعةً سقطت يومًا على إحدى لوحاته تركت أثرها فاختار أن يُبقيها جزءًا من حكايتها. وكأن الفن في تلك اللحظة لم يعد صناعةً للجمال فحسب بل أصبح أثرًا حيًا لشعور صادق وشاهدًا على أن الإنسان قد يقول بيديه ما لا يجرؤ على قوله بلسانه.
ومن هذا المنظور يتجاور في تجربته شغف الإبداع مع الوفاء للذاكرة ففي ترميم القطع القديمة لا يرى مجرد إصلاح لما أفسده الزمن بل محاولةً لصون حكايات اختبأت في التفاصيل والحفاظ على هوية الأشياء دون محو آثار رحلتها. فليس كل ما غيّره الزمن عيبًا يستوجب الإزالة وليس كل ما فقد وظيفته فقد قيمته.
قد تحمل قطعة قديمة أثر حياة مضت وقد تختزن آلة موسيقية أو قطعة أثاث أو تحفة منسية شيئًا من ذاكرة أصحابها لتصبح المحافظة عليها شكلًا من أشكال الوفاء للماضي.
أما الموسيقى فتمنح هذا العالم الإبداعي بُعدًا آخر إذ لا يكتفي العثمان بصناعة الشكل الجميل بل يسعى إلى أن يمنح الخشب صوتًا وأن يجمع بين دقة القياس وحساسية الإصغاء وتكشف تجربته في صناعة الكمان التي استغرقت سنوات من العمل عن التقاء فروع متعددة من معرفته ومهارته فالفن التشكيلي والنحت والحرفة والهندسة والبحث والتجريب كلها تجتمع في آلة لا تُقاس قيمتها بما تراه العين وحدها
بل بما تستطيع أن تبثه في الفضاء من نغم وهكذا يصبح الإبداع انتقالًا من الصورة إلى الصوت ومن المادة الجامدة إلى أثر ينبض بالحياة.
ورغم هذا التعدد لا تبدو تجربة ماهر العثمان مجموعة مواهب متفرقة بل عالمًا تتوحد فيه الخيوط حول فكرة واحدة أن الجمال لا يُستنفد في شكل وأن الخيال لا ينبغي أن يُحاصر بخامة أو أداة أو قالب مألوف.
فهو فنان يجد في الرسم مساحةً للرؤية وفي النحت حوارًا مع الكتلة وفي إعادة توظيف المواد فرصةً لاكتشاف قيمة منسية وفي الترميم صونًا للذاكرة وفي صناعة الآلات الموسيقية لقاءً بين الحرفة والوجدان وفي الأدب نافذةً أخرى تطل منها الروح على العالم.
ولأن الشهرة لم تكن بحسب رؤيته الغاية التي من أجلها أحب الفن فقد وجد في إهداء أعماله إلى من يحبهم سعادةً خاصة وفي دهشة المتلقي حين يكتشف أسرار العمل مكافأةً تتجاوز المديح العابر ..
لكنه اليوم يتطلع إلى أن تتجاوز رسائل أعماله الدائرة القريبة وأن تجد طريقها إلى جمهور أوسع من خلال معرض فني يحمل اسم ( حكايا الروح ) اسم يبدو أقرب إلى خلاصة وجدانية لتجربته حيث لا تكون الأعمال مجرد قطع تُعرض بل حكايات تتجسد في المادة وتحتفظ بشيء من مشاعر صانعها وأحلامه ورؤيته للحياة.
في هذا الحوار نقترب من ماهر العثمان لا لنتوقف عند سؤال كم موهبةً يمتلك؟ بل لنتأمل كيف تتكامل هذه المواهب في رؤية واحدة وكيف تتحول التجربة إلى معرفة والعقبة إلى فرصة والمادة المهملة إلى قيمة والصمت إلى لغة والعمل الفني إلى امتداد لروح صاحبه ..
ونمضي معه إلى ما وراء الأدوات والخامات حيث تتكشف فلسفة فنان يؤمن بأن حدود اليد قد تفرضها المادة أحيانًا أما حدود الخيال فلا يرسمها إلا صاحبه.
إنها رحلة في عوالم فنان لا يكتفي بأن يصنع الأشياء بل يبحث عما يمكن أن تقوله لا يكتفي بأن يمنحها شكلًا جديد ، بل يسعى إلى أن يمنحها معنى يستحق البقاء. انها رحلة مع ماهر العثمان حيث يصبح الفن أكثر من مهنة أو موهبة ويغدو طريقةً في النظر إلى الحياة ووسيلةً لحفظ ما يستحق أن يبقى وصناعة ما لم يكن موجودًا وترك أثرٍ جميل قد يواصل حكايته حتى بعد أن تغيب اليد التي صنعته
انها حكاية كالأساطير بطلها في معارك طاحنة مع الحياة وظروفها
ولكنه متسلح بالصبر وبالأمل بالله أن فرصته ستاتي وأن حلمه سبتحقق
كان لي شرف اللقاء مع الفنان القدير متعدد المواهب
ماهر العثمان والذي بدات أول رحلتي في افق حالم في كوكب مختلف بسؤالي عن البدايات
والتي دائماً هي نتيجة المستقبل الذي نحن فيه فإذاعدنا إلى البدايات الأولى قبل أن تتحول الموهبة إلى مهارات متعددة ما اللحظة التي شعرت فيها بأن الفن ليس مجرد هواية
بل طريقة ترى بها العالم؟

لم تكن الموهبة في طفولتي اسماً أعرفه ، ولا لفظاً سبق أن طرق سمعي. كان ثمة شيء ينمو بصمت بين خيالي ويديّ ؛ كنت أحسبه مجرد عبث جميل لصبيّ يلهو بأشياء صغيرة ، دون أن أدري أنه كان يفتح أمامي باباً إلى عالم لم أكن أتخيّل اتساعه ، ويخطّ أول سطور حكاية اسمها الفن.
ربما كنت في السادسة من عمري حين بدأت تستوقفني نظرات الدهشة وكلمات المديح التي كنت أتلقاها ممن حولي ، دون أن أفهم سرّ ذلك الانبهار.
فما كنت أصنعه بعفوية وأراه أمراً بديهياً ، كان يبدو في أعينهم شيئاً غير مألوف يستحق الإعجاب.
ومن تلك المفارقة بدأت تتكشف لي ملامح موهبة لم أكن أعي وجودها ، وأدركت شيئاً فشيئاً أن وراء ذلك اللهو البريء إبداعاً فطرياً يمنح الخيال شكلاً ، ويضفي على أبسط الأشياء شيئاً من جمال الفن.
لم تكن دهشة الآخرين هي التي صنعت موهبتي ، لكنها كانت المرآة التي أبصرتها فيها للمرة الأولى.
وبدأ الفن يتجاوز في وجداني حدود الهواية والمتعة ليغدو حياتي ، وصارت أدواتي لغة أعبّر بها عن أحلامي ، ورأيت الجمال جسراً إلى العالم

هل تتذكر أول عمل فني أنجزته وشعرت بعده بأنك اكتشفت شيئًا مختلفًا في نفسك؟وما الذي بقي منه في ذاكرتك حتى اليوم؟

ما زالت صور أعمالي الأولى حيّة في ذاكرتي ، وإن غاب عني ترتيبها ؛ فقد بدأت تجاربي في سن مبكرة ، وتتابعت واحدة تلو الأخرى.
ومع ذلك ، تبقى تلك المروحة الآلية الصغيرة ما أرجّح أنه أول أعمالي ، أو على الأقل أول ما احتفظت به ذاكرتي من تلك البدايات.
كانت الفكرة وليدة حاجة بسيطة ؛ فقد دفعني حرّ الصيف إلى التفكير في صنع مروحة صغيرة تمنحني بعض النسيم. بدأت بقصّ بعض الأخشاب المتوافرة وتشكيلها ، واستعنت بالكرتون المقوّى والمطاط وبعض المسامير والغراء لتجميع أجزائها ، واتخذت من قلم قديم محوراً لدورانها. ومن تلك المواد البسيطة استطعت أن أصنع مروحة صغيرة تعمل بآلية شبه ذاتية.
وما زلتُ أستحضر فرحتي الغامرة حين دبّت فيها الحركة للمرة الأولى ، وكأن الحياة قد تسللت إلى تلك القطع الجامدة.
ولعلّ أجمل ما بقي من تلك التجربة هو إدراكي أنني لست مضطراً إلى الاكتفاء بتمنّي الأشياء ، ما دام بوسعي أن أحوّل أفكاري إلى واقع ، وأصنع بعضها بنفسي.
الفن التشكيلي والنحت وكل أنواع الابداع عبارة عن قصة
تتبلور عند عمل معين

سمي ثلاثة أعمال من اعمالك بقصص من خيال فنك ؟

أؤمن بأن الفنون ، على اختلاف أشكالها وأساليبها ، تلتقي عند غاية أسمى من مجردإبداع شيء جميل ؛ فالفن الحقيقي في نظري هو ما يمنح الجمادات روحاً ، ويجعل منالأشياء الصامتة حكايات تُروى بلا كلمات ، وتلامس وجدان المتلقي. فمهما بلغ العملالفني من إتقان وجمال ، تبقى قيمته في المعنى الذي يحمله ، والأثر الذي يتركه فيالنفس.ومن أعمالي التي تجسّد هذه الرؤية لوحة فسيفسائية ، يتكرر فيها لفظ الجلالة «الله» بالخط الكوفي ، ضمن تكوين هندسي متناظر. اخترت لها درجات اللون السماوي ، لماتحمله من إيحاء بالرفعة والسمو ، وجعلت موضعها سقفاً بلون السماء ، ليكتملالمعنى بين قدسية الكلمة ورمزية اللون والمكان. فجاء التكوين يحمل في بساطتهإحساساً بالجلال والعظمة ، ويعبّر عن فكرته دون أن يحتاج الناظر إلى شرح أو تفسير.وفي عمل آخر ، رسمت لوحة لسيدة الغناء العربي أم كلثوم ، مستخدماً عصير الطماطممادةً للتلوين ، بعد أن لاحظت أن لونه يتحول تدريجياً مع مرور الزمن إلى البني العتيق ،فيكسب اللوحة مزيداً من الرونق والوقار. وقد وجدت في هذا التحول الزمني جمالاًيتجاوز اللون نفسه ، وكأن اللوحة تحاكي سيرة تلك الفنانة العظيمة ، التي لم يطوِ الزمنأثرها ، بل زاد إرثها عراقةً وقيمتها رسوخاً في الوجدان.

وهكذا أصبح مرور السنين جزءاً من فكرة اللوحة ، لا مجرد عامل يؤثر في ألوانها.

وفي تجربة مختلفة ، رسمت لوحة لقوله تعالى : ( نٓ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ )، بأسلوبفني جعلتُ فيه حروف الآية تتشكّل من رسومات لأدوات فنية وهندسية ، كالمنقلةوالمسطرة والقلم ، وقد جسّمت تلك الأدوات بالرسم لتبدو وكأنها عناصر حقيقيةتتآلف في تكوين الحروف. وهكذا تحوّلت الأدوات من مجرد وسائل للرسم والكتابة إلىلغة بصرية تنطق بمعنى الآية ، في تآلف بين جمال التشكيل وبلاغة المضمون.

وهذه ليست سوى نماذج من أعمال عديدة ، تختلف في موادها وأشكالها ، ولكل منهاحكايتها الخاصة ؛ لكنها جميعاً تعبّر عن إيماني بأن الفن لا ينتهي عند ما تراه العين ، بليبدأ أثره الحقيقي فيما يتركه في النفس

 

بعض الفنانين يبدأون من مدرسة فنية محددة بينما يقودهم الفضول الفني إلى تجاربمتشعبة ..

كيف تشكلت علاقتك بكل هذه الفنون وهل كان انتقالك بينها قرارًا واعيًا أم استجابةلشغف لا يعرف الحدود؟

لم يكن الشغف وحده ما قادني إلى عوالم الفنون المتنوعة ، بل كانت في أعماقيمشاعر متدفقة يخالطها الخجل ، وعواطف جياشة تضيق الكلمات عن البوح بها. ولمأجد لها متنفساً أصدق من الفن ، أروّض به جموحها دون أن أطفئ وهجها ، فأترجمهاإلى لغة تنطق بما أعجز عن قوله.ومع الأيام ، لم يعد الفن مجرد هواية أمارسها أو متعة ألتمسها ، بل أصبح جزءاً منكياني ، كالروح في الجسد ، أجد فيه نفسي ، وأبوح من خلاله بما أخفيه في أعماقي.ولعلّ هذا ما جعلني لا أكتفي بلون واحد من الفنون ؛ فكلما ارتويت من جمال أحدها ،أيقظ في نفسي شوقاً إلى تذوّق جمال سواه. وكأنني فراشة في حدائق غنّاء ، أتنقّل بينأزهارها وأرتشف من رحيقها ، فلا تكاد تستقرّ بي نشوة زهرة حتى يأسرني عبير أخرى ،في رحلة لا ينتهي فيها البحث عن أسرار الجمال ، ولا يفتر فيها الشوق إلى المزيد

إلى أي مدى أسهمت البيئة المحيطة بك والمواد والأشياء التي كنت تراها في حياتكاليومية في تشكيل خيالك الفني؟

من حسن حظي أنني أمضيت طفولتي في بيت كان يوماً قصرَ الباشا مصطفى الحسيني ،ويُعدّ من أشهر المعالم التاريخية في مدينة حمص. شُيّد القصر على الطراز الدمشقيالعريق ، بكل ما يحمله من تفاصيل معمارية آسرة ، ولمسات فنية تنطق بالأصالة والجمال وفي قلبه ساحة سماوية كنا نطلق عليها (أرض الديار) ، تتوسطها البحرة ،وتحيط بها ملامح عراقة طالما أسرتني بسحرها.لكن بعيداً عن جمال القصر وأجوائه التي كانت تستهويني ، كانت هناك غرفة كبيرةتتوارى في أحد أطرافه ، اتخذت منها مملكتي الخاصة ، وكانت عالمي الصغير الذيأطلق فيه العنان لخيالي. كانت الغرفة تزخر بشتى المواد والأدوات والخرداوات التيتراكمت فيها على مرّ السنين ، حتى غدت في عيني كنزاً نفيساً من الاحتمالات. فماداعبت خيالي فكرةٌ لصنع شيء أو إنجاز عمل فني ، إلا وجدت بين محتوياتها ضالّتي.وهناك كنت أقضي ساعات طويلة بين التجربة والصنع ، أرى في أبسط الأشياء إمكاناتلا تنتهي ، وفي كل قطعة مهملة بداية لفكرة جديدة.

وفي تلك المملكة الصغيرة كان لوالدتي الحبيبة حضور لا يشبهه شيء.كانت تطلّ عليّ بحنانها المعهود ، تتأمل ما أصنع باسمةً ، وتغمرني بكلمات التشجيعالتي غرست في نفسي ثقةً ما زالت ترافقني حتى اليوم وها هي اليوم ، أطال الله في عمرها ، ما زالت تقف إلى جانبي ، وتفخر بي بالمحبة ذاتها.ومهما كبرتُ ، سأظل في عينيها ذلك الطفل في مملكته الصغيرة.

شكراً أمي ..

الغربة وعلاقتها بأعمالك كيف تصفها ؟

كثيراً ما تترك الغربة أثرها في وجدان الفنان ، فتوقظ فيه الحنين ، وتستحضر الذكريات، وربما تصبغ إبداعه بشيء من الشجن ، أو تصبح مصدراً لإلهامه ، يستمدّ منه مشاعرهوأفكاره.

أما تجربتي فكانت مختلفة ، إذ لم أشعر في المملكة العربية السعودية بذلك الإحساسبالغربة الذي طالما سمعت عنه ، بل وجدت فيها بلداً مضيافاً ، وأناساً أحاطونيبكرمهم وطيب معشرهم ، حتى غدت الألفة والطمأنينة عنواناً لإقامتي بينهم.

ولم يقتصر أثر تلك الأجواء على راحتي النفسية ، بل امتدّ إلى عالمي الفني ؛ فاتسعتآفاقي ، وتنوّعت تجاربي ، وازداد عطائي ، وكأن تلك الأرض الطيبة قد هيّأت لموهبتي منأسباب النمو ما جعلها تزهر على نحو أجمل ، وتمنح خيالي مساحات أرحب للإبداع.ولم يُطفئ ذلك حنيني إلى وطني وذكريات طفولتي ، بل منحني شعوراً جميلاً .فالجذور التي تمتدّ في أعماق الروح لا تقتلعها المسافات ، وربما يجد الإنسان في أرضأخرى وطناً من الألفة والاحتضان يجعله يزهر من جديد.

هل ترى أن الفنان يولد بعين مختلفة أم أن هذه العين تُصقل

بالممارسة والتجربة والقدرة على التأمل؟

مع أن الفنان لا يولد وفي يديه مهارة مكتملة ، لكنه قد يولد بعين ترى في الأشياء ما لاتلتقطه النظرة العابرة ، وتكتشف في أبسط التفاصيل ملامح جمال قد لا تستوقفالآخرين.ولا يمكننا أن نغفل قيمة الفن الذي تصقله المعرفة ، وتصنع مهاراته الممارسةوالتدريب ؛ فالإبداع لا ينضج بالفطرة وحدها ، وإنما يحتاج إلى التجربة والخبرة والصبر. غير أن الموهبة حين تكون حاضرة في الأصل ، فإنها تمنح تلك المهارات بُعداً آخر ،حيث يمتزج ما اكتسبته اليد بما تختزنه الروح من إحساس وخيال ، ليولد من هذاالتآلف فنّ يحمل بصمة صاحبه ، لا مجرد عمل متقن الصنعة.ولعلّ في مسيرة كثير من الفنانين العظام الذين تركوا بصماتهم في ذاكرة الفن ما يؤيدهذه الرؤية ؛ فقد كانت الموهبة بذرة إبداعهم الأولى ، لكنها لم تبقَ على حالها ، بلنمت بالتجارب ، وازدادت ثراءً بالمعرفة ، واتسعت آفاقها كلما نضجت خبراتهم ، حتىغدت أعمالهم أكثر عمقاً ونضجاً وتفرّداً.ولهذا أرى أن الموهبة ليست بديلاً عن التعلّم ، فالموهبة تمنح الفنان عينه التي يرى بهاالعالم ، والخبرة تمنح يديه القدرة على نقل ما يراه للآخرين.

عندما تصبح الخامة لغة فهنا تتغير مفاهيم كثيرة
كيف استطعت أن لا تحصر الرسم في خامة أو أداة أو سطح بعينه وماذا يمنحك هذا التنوع من حرية في التعبير عما بداخلك ؟
وما الذي تبحث عنه في الخامة قبل أن تبدأ الرسم عليها؟

في رأيي المتواضع أنَّ الفن أرحب من أن يُحصر في سطح محدد يحتضنه ، أو خامة بعينها تمنحه قيمته ، أو أداة تحتكر التعبير عنه. فما كان يستوقفني في الأشياء لم يكن صورتها المألوفة أو الغاية التي صُنعت من أجلها ، بل ما يمكن أن تصبح عليه حين يلامسها الخيال.
ومع تنوّع تجاربي ، أدركت أن لكل خامة طبيعتها وخصائصها الجمالية ، وأن اختلاف الألوان والملامس والتكوينات يفتح أمام الفنان آفاقاً جديدة للتعبير. فلم تكن المواد بالنسبة إليّ مجرد وسائل لتنفيذ أفكاري أو لإثارة دهشة المتلقي ، بل عناصر تشارك في صياغة الأعمال ، وتمنح كل عمل طابعه الخاص وروحه المتفرّدة.
ومن هنا ، لم أجد ما يدعوني إلى قصر الرسم على سطح مألوف ، أو تقييد الإبداع بأدوات تقليدية. بل وجدت في تعدّد الخامات متعة الاكتشاف وحرية الاختيار ، حتى أصبحت أنظر إلى الأشياء من حولي بعين تتجاوز وظائفها المعتادة ، لأرى فيها إمكانات فنية تنتظر من يكشف عنها.
وحين تراودني فكرة فنية ، أجرّب لها أحياناً أكثر من خامة وسطح وأداة ، متأملاً خصائص كل منها ، حتى أجد ما ينسجم مع روح العمل ويخدم معناه. وقد تكون خامة بسيطة أقدر على تجسيد الفكرة من مادة أكثر شيوعاً أو فخامة.
ولعلّ أجمل ما منحني إياه هذا التنوع هو أنني لم أعد أبحث عن مادة تصلح لتنفيذ الفكرة فحسب ، بل عن مادة تستطيع أن تكون جزءاً من حكايتها.
فالفن في نظري لا تحدّه طبيعة الخامة ولا مساحة السطح ، وإنما تتسع حدوده بقدر ما يستطيع الخيال أن يرى فيهما من احتمالات.

حين تقف أمام سطح فارغ هل تبدأ بفكرة مكتملة تريد تنفيذها أم تترك للخامة والألوان والمصادفات أن تقترح عليك مسار العمل؟

حينما أشرع في عمل فني جديد أو أقف أمام سطح خالٍ ، فإن ذلك الفراغ لا يكون خالياً في مخيلتي. فغالباً ما تكون صورة العمل قد اكتملت في ذهني قبل أن تمتد إليه يداي ، وتكون مراحل تنفيذه قد انتظمت في تصوّري ، بتسلسل مدروس يمتد إلى أدق التفاصيل.
ولا أميل إلى ترك العمل رهينة للمصادفات ، فلو تركت الأمور تسير دون رؤية مسبقة ، لأصبح دوري أقرب إلى مستكشف يترقّب ما ستؤول إليه التجربة ، بدلاً من أن أكون صاحب الرؤية الذي يقودها نحو غايتها. فلكل خطوة عندي سببها ، ولكل تفصيل موضعه ، وما أفعله أثناء التنفيذ ليس سوى ترجمة لما رسمه الخيال ، ومنحه وجوداً ملموساً.
ومع ذلك ، لا أنكر أن للمصادفة حضوراً أحياناً ، وإن كان محدوداً.
فقد تكشف لي أثناء العمل عن تفصيل لم أتوقّعه ، أو تمنحني نتيجة أجمل مما تصوّرت ، فأحسن توظيفها بما يخدم الفكرة ويثريها ، دون أن أفقد زمام العمل أو أحيد عن رؤيته الأساسية.
وهكذا ، تبقى المصادفة عندي ضيفاً قد يحمل إضافة جميلة ، لكنها لا تتولى قيادة العمل ؛ فالخيال يرسم الطريق ، والخبرة تهدي الخطوات ، واليد تمنح الرؤية صورتها الأخيرة.

هل تختلف علاقتك النفسية والإبداعية حين ترسم على القماش عنها حين تستخدم الخشب أو المعدن أو الأسطح غير التقليدية؟
وكيف تنعكس طبيعة السطح على التعبير الفني؟

تتباين علاقتي بالأسطح والخامات تبعاً لطبيعتها وما اختزنته من تجارب معها ؛ فبعضها أشعر أمامه كأنني فارس متمرّس يقود فرسه بثقة ومهارة ، يعرف طباعه ، ويستجيب الفرس لأدق حركاته ، حتى يبدو الانسجام بينهما وكأنه لغة لا تحتاج إلى كلمات.
وفي المقابل ، هناك أسطح أتعامل معها بشيء من الحذر والترقّب ، لما أعرفه عن حساسيتها ودقة التعامل معها ، فأحسب لكل خطوة حسابها ، وأوازن بين جرأة التنفيذ واحتمالات الخطأ. أما الخامات الجديدة التي لم أطرقها من قبل ، فتثير في نفسي فضولاً ممزوجاً برهبة المجهول ، أشبه بمتعة اللقاء الأول بشخصية غامضة ، لا تكشف أسرارها دفعة واحدة ، بل تدعوني إلى اكتشافها شيئاً فشيئاً.
ولا تنحصر علاقتي بالخامة في سهولة التعامل معها أو صعوبته ، بل تمتد إلى أثرها في روح العمل الفني. فلكل سطح طبيعته ولغته الخاصة ؛ فالأسطح ذات الملامح الحيّة ، كالخشب بعروقه وتفاصيله ، قد تمنح العمل دفئاً وحيوية ، بينما يضفي المعدن ، بصلابته وبرودة ملمسه ، إحساساً بالحدّة والصرامة ، وإن كانت براعة التشكيل قادرة على تطويع تلك الصفات وتغيير إيحاءاتها.
ولهذا لا أرى السطح مجرد مساحة صامتة أتصرّف فيها كيفما أشاء ، بل عنصراً له دوره في العمل ، أتعرّف إلى طباعه ، وأستفيد من خصائصه ، وأبحث عن ذلك الانسجام الذي يجعل الخامة والفكرة تتحدثان بلغة واحدة

هل تعتقد أن الفنان هو من يمنح الخامة قيمتها الفنية ؟
أم أن لكل خامة شخصية كامنة لا يستطيع الفنان إلا أن يكتشفها ويحررها؟

ومع إيماني بأن لكل خامة طبيعتها وخصائصها وقيمتها الفنية ، فإنني لا أرى في ذلك ما يُلزم الفنان بالخضوع لأساليب التعامل التقليدية معها ، أو يجعل من حدودها المألوفة حدوداً لخياله. فالمعرفة بطبيعة المادة لا تعني التسليم بما اعتدنا عليه من استخداماتها ، بل تمنحني القدرة على استكشاف إمكاناتها وتطويعها ، وربما اكتشاف ما لم يكن ظاهراً منها.
وكثيراً ما أجد في التحديات التي تفرضها بعض الخامات حافزاً للبحث عن أساليب جديدة ، تجعل مما يبدو عائقاً فرصة للإبداع.
فالخامة في نظري ليست صاحبة القرار في العمل الفني ، بل شريك له طبيعته وإمكاناته ، أما الرؤية التي تقود هذا التآلف فتبقى للفنان.

ما التجربة الفنية التي دفعتك إلى الخروج من المألوف في الرسم وجعلتك تعيد التفكير في الأدوات أو الأسطح التي يمكن أن تتحول إلى وسيط فني؟

لم يكن خروجي عن المألوف في اختيار الأدوات والخامات ترفاً فنياً أو رغبة في الاختلاف ، بل كان عشقي للفن أكبر من إمكاناتي المادية التي لم تكن تتيح لي دائماً اقتناء ما أحتاجه من أدوات ومواد.
غير أن تلك الظروف لم تكن سبباً للتراجع ، بل دافعاً للبحث عن بدائل أصنعها أو أطوّعها من الأشياء المتاحة حولي ، لأمنح أفكاري فرصة الخروج إلى النور.
ومع تنوّع تجاربي ، ترسّخت لديّ قناعة بأن أي مادة ، مهما بدت بعيدة عن عالم الفن ، قد تحمل إمكانات فنية تنتظر من يكتشفها.
فلم أكن أبحث عن بديل يؤدي الغرض فحسب ، بل عن وسيلة تنسجم مع روح العمل وغايته ، وكم كانت دهشتي كبيرة حين منحتني بعض تلك البدائل نتائج أجمل مما كنت أتوقعه من الأدوات والخامات التقليدية.
وهكذا ، تآلفت الحاجة مع الشغف ، وأصبح ما افتقرت إليه من إمكانات حافزاً لابتكار ما يعوّضها ، بل ويفتح أمامي آفاقاً لم أكن لأطرقها لولا تلك الظروف.
ومن هنا تعلّمت أن محدودية الوسائل قد تقيّد اليد أحياناً ، لكنها لا تملك أن تضع حدوداً للخيال ، وأن قيمة الإبداع لا تكمن في وفرة ما نملك ، بل فيما نستطيع أن نصنعه بما نملك

هل مررت بتجربة قاومت فيها الخامة محاولتك للسيطرة عليها ثم قادتك هذه المقاومة إلى نتيجة أجمل مما خططت له؟
حدثنا عن تلك التجربة ..

لم تكن الخامات دائماً طيّعة بين يديّ ؛ فقد عاندتني أحياناً ، وأبت أن تستجيب لما أردته منها ، حتى بدا لي في بعض الأعمال أن بيني وبينها صراعاً صامتاً ، تختبر فيه صبري بقدر ما أختبر إمكاناتها. غير أن ذلك لم يكن يدفعني إلى التراجع ، بل إلى مزيد من الإصرار على فهم طبيعتها ، والبحث عن السبيل الذي يجعلها تستجيب للفكرة كما أريدها.
ومن الأعمال التي تجسّد هذا المعنى بورتريه أنجزته لشخص عزيز ، لم أكتفِ فيه برسم ملامحه على نحو مألوف ، بل سعيت إلى بناء العمل من تفاصيل كثيرة ، صنعت بعضها على هيئة مجسّمات صغيرة لأشياء حقيقية. وكانت تلك العناصر تتوزّع بين أجزاء من ملامحه ، وبعض مقتنياته ، وأجزاء أخرى من مكوّنات اللوحة نفسها ، حتى يغدو العمل أقرب إلى عالم متكامل ، لا إلى صورة جامدة.
وقد تطلّب تنفيذ تلك التفاصيل دقة وصبراً ، ومواجهة مع خامات لم تكن تستجيب دائماً بسهولة ، لكنني كنت أرى في كل عقبة تحدّياً يستحق المحاولة ، حتى استطعت أن أجعل تلك العناصر تتآلف في عمل واحد ، كما تخيّلته وأردته.
ولعلّ أكثر ما كان يمنحني الرضا في مثل هذه التجارب ليس اكتمال العمل وحده ، بل تلك اللحظة التي أشعر فيها أن مادة استعصت عليّ قد أصبحت أخيراً طيّعة بين يديّ. فلم يكن هدفي الانتصار على الخامة لمجرد إثبات القدرة ، بل أن أصل بها إلى حيث أردت للفكرة أن تصل ، وأن أجعل من مقاومتها حافزاً لإبداع ربما لم يكن ليولد لولا ذلك التحدّي.

هل تشعر بأن بعض الأعمال تقول عن الفنان ما يعجز عن قوله بالكلمات؟

وما الذي تحاول التعبير عنه فنيًا ولا تستطيع التصريح به مباشرة؟
أقول من واقع تجربتي الشخصية ، لا على سبيل التعميم ، أن معظم الأعمال الفنية تستطيع أن تقول عن صاحبها ما تعجز الكلمات عن البوح به ، وأن وراء بعض تفاصيلها حكايات ومشاعر قد لا يعرف أسرارها أحد سواه.
فأنا أحمل في داخلي كثيراً من الحب ، وتفيض نفسي بأحاسيس لا أجد دائماً الجرأة على الإفصاح عنها ، إذ كثيراً ما يقف الخجل بين ما أشعر به وما أستطيع قوله. وحتى الهموم التي تثقل خاطري أحياناً ، لا أجد دائماً سبيلاً إلى البوح بها. وحين تعجز الكلمات عن مجاراة مشاعري ، أجد في الفن ملاذاً أودع فيه شيئاً مما أخفيه في نفسي ، فتتسلل تلك المشاعر إلى الألوان والأشكال والتفاصيل ، وتصبح جزءاً من روح العمل ، وكأنني أشكو إلى ما أصنعه ما أعجز عن قوله ، فيغدو الصمت نوعاً آخر من الكلام.
وأذكر أن دمعة سقطت من عيني ذات مرة على لوحة كنت أعيش تفاصيلها بكل وجداني ، وتركت على سطحها أثراً واضحاً. ولم أشأ أن أمحو ذلك الأثر ، بل أبقيته كما هو ، وكأن تلك الدمعة قد أضافت إلى اللوحة شيئاً لا تستطيع الألوان وحدها التعبير عنه. فبقي أثرها شاهداً صامتاً على لحظة شعور صادق ، وجزءاً من حكاية العمل لا مجرد أثر عابر على سطحه.
ولهذا أشعر أن بعض أعمالي لا تعبّر عما أراه جميلاً فحسب ، بل تحمل شيئاً من حقيقتي ، ومن حبّي وأحلامي وهمومي ، وربما تقول عني ما لم أجرؤ يوماً على قوله عن نفسي.

في زمن أصبحت فيه الصورة سريعة الاستهلاك كيف تحافظ
على العمق والخصوصية في عمل فني تريد له أن يبقى لا أن يلفت الانتباه للحظات فقط؟

لا أسعى في أعمالي إلى إبداع ما يُبهر العين فحسب ، بل أحرص على أن أُنجزها بصدق وجداني ، وأن أودع فيها من روحي ومشاعري ما يمنحها قيمة تتجاوز جمال الشكل وبراعة الصنعة.
فقد يستوقف العمل الفني أنظار المتلقين بما فيه من إتقان وجمال ، ثم لا يلبث أثره أن يتلاشى. أما ما يحمل إحساساً صادقاً ، فأؤمن بأن له قدرة أعمق على ملامسة الوجدان ، وإيقاظ مشاعر تبقى حيّة في النفس حتى بعد أن تغيب الصورة عن العين. وغاية ما أرجوه أن يجد المتلقي في أعمالي ما يلامس روحه ، ويترك لديه أثراً لا ينتهي بانتهاء لحظة التأمل.
ولعلّ تلك هي القيمة التي أبحث عنها في الفن ؛ فما يُصنع بإتقان قد يستحق الإعجاب ، أما ما يُبدع بصدق ومن أعماق القلب ، فقد يجد في قلوب الآخرين حياة أطول من عمر اللحظة.

لماذا لم تخض تجربه المعارض لأعمالك ؟

لعلّ أبرز الأسباب التي جعلتني لا أفكّر جدياً في إقامة معارض لأعمالي أنني كنت أجد في إهدائها لمن أحبّهم ، ولمن يقدّرون قيمتها ، سعادة لا تضاهيها عندي أصداء أكبر المعارض نجاحاً. فلم تكن فرحتي بالعمل تبلغ ذروتها حين أضع عليه اللمسة الأخيرة ، بل حين أقدّمه هدية إلى إنسان عزيز ، وأرى الدهشة والسعادة تضيئان عينيه. وما أجمل أن ترى شيئاً أودعت فيه من روحك ومشاعرك وقد وجد له مكاناً في قلب آخر.
عدا ذلك ، فإن الشهرة لم تكن يوماً غايتي ، ولا كان الفن وسيلتي للبحث عن الأضواء ، فقد أحببته لذاته ، ووجدت في إبداع أعمالي وإهدائها متعة أغنتني طويلاً عن التفكير في المعارض ، وإن ظلّ يراودني أحياناً شيء من الندم على عدم إقامتها.
ومع ذلك ، أدركت مؤخراً أن بعض الرسائل التي تحملها أعمالي تستحق أن تصل إلى جمهور أرحب ، لا طلباً للشهرة ، بل رغبة في أن تترك أثراً يتجاوز دائرة المقرّبين.
واليوم ، أنا بصدد الإعداد لمعرض فني أعتزم أن أضع فيه خلاصة خبرتي وتجاربي ، وأن أمنحه من جهدي ووجداني ما يليق برسالته السامية. أما تفاصيله ، فأفضّل أن أؤجل الحديث عنها حتى تكتمل معطياته وتنضج عناصره ، وحينها سأترك للعمل نفسه أن يروي حكايته.

اعادة التدوير بحياتك جعل للأشياء حياة اخرى
وهذا ينطبق على رؤية الآخرون إلى شيء مهمل بوصفه نفاية بينما تراه أنت مادة قابلة للتحول إلى عمل فني فما الذي تراه ولا يراه الآخرون؟

لقد ترسّخت لديّ قناعة بأن لكل مادة في هذا الكون قيمتها ، وإن اختلفت قدرتنا على إدراكها. فما نعدّه نفاية قد يكون قد فقد وظيفته الأصلية ، لكنه لم يفقد بالضرورة قدرته على أداء وظيفة أخرى. ومن هنا أرى أن وصف الأشياء بالمهملات أمر نسبي ، يتوقف على ما نعرفه عن إمكاناتها ، وما نستطيع أن نصنعه منها.
لم تكن إعادة التدوير في حياتي مجرد وسيلة للاستفادة من الأشياء المهملة ، بل كانت فرصة لأمنحها حياة أخرى.
فكثيراً ما كنت أرى فيما يعتبره الآخرون شيئاً فقد قيمته ، مادة تنتظر أن تتخذ شكلاً جديداً ، أو جزءاً من عمل فني لم يولد بعد. ولم أكن أنظر إلى تلك الأشياء منفردة ، بل أتخيّل ما يمكن أن تصبح عليه حين تتآلف مع مواد أخرى ، فتجتمع قطع متفرقة لا رابط بينها في ظاهرها ، لتشكّل عملاً فنياً متكاملاً ، تكتسب فيه كل قطعة معنى وقيمة جديدين.
ولعلّ أجمل ما في هذه التجارب أنني لا أصنع من الأشياء المهملة أعمالاً فنية فحسب ، بل أمنحها منزلة جديدة ترتقي بها من أشياء منسية إلى عناصر تحمل قيمة فنية وجمالية. فما يراه البعض نهاية لشيء ، قد أراه أنا بداية لشيء أجمل.

هل تبدأ أعمال إعادة التدوير من فكرة تريد تجسيدها أم من قطعة تستوقفك وتوقظ في خيالك تصورًا جديدًا؟

الفكرة والمادة في تجاربي عنصران متكاملان ؛ فتارة أبحث عن خامة تجسّد فكرة أريدها ، وتارة تقودني خامة بسيطة إلى فكرة جديدة ، وفي الحالتين أجد متعة خاصة في تحويل ما يبدو بلا قيمة إلى شيء يحمل معنى وجمالاً.
أحياناً تولد الفكرة في خيالي أولاً ، فأبحث بين الأشياء المهملة عمّا يمكنني تطويعه وتشكيله وتجميعه لتجسيدها في عمل فني ، فأمنح تلك المواد دوراً جديداً لم تكن مهيّأة له في الأصل ، وأجعل منها عناصر تتآلف لتحقيق الصورة التي رسمتها في مخيلتي.
وأحياناً يحدث العكس ، إذ تستوقفني مادة مهملة بملمسها أو شكلها أو طبيعتها ، فتوقظ في خيالي فكرة لم تكن تخطر لي من قبل ، وكأن تلك المادة هي التي ألهمتني العمل ودعتني إلى اكتشاف ما يمكن أن تصبح عليه

أين تنتهي وظيفة إعادة التدوير البيئية وأين تبدأ القيمة الفنية المستقلة للعمل؟
وهل يكفي أن يكون العمل مصنوعًا من مواد مستهلكة ليصبح
فنًا؟

حين أستعين بالأشياء المهملة في أعمالي الفنية ، فإنني لا أنظر إلى ما أفعله بوصفه إعادة تدوير بمفهومها الواسع ، بل محاولة لإعادة توظيف مواد فقدت دورها السابق ، ومنحها قيمة جديدة في عالم الفن. وهي ممارسة فردية محدودة ، لا تُقارن في نطاقها وأثرها بما تحققه عمليات إعادة التدوير الصناعية من إسهامات واسعة في حماية البيئة.
ومع أن غايتي الأولى فنية وإبداعية ، فإنني أرى في إعادة توظيف المهملات إسهاماً متواضعاً في حماية البيئة. غير أن قيمة العمل الفني لا تتوقف على ما إذا كانت مواده جميعها من المهملات أم أُعيد توظيف بعضها فقط ، بل تتجلى في حسن اختيار تلك المواد وتوظيفها بوعي ودراسة ، بحيث يكون لكل منها مكانه ودوره في خدمة الفكرة والتكوين الجمالي.
فمتى تحقق هذا الانسجام ، واستطاعت المواد أن تؤدي غايتها الفنية ، غدت عناصر أصيلة في عمل متكامل ، مهما كانت قيمتها أو وظيفتها السابقة

هل واجهت يومًا صعوبة في إقناع الآخرين بأن مادة بسيطة أو مهملة يمكن أن تحمل قيمة جمالية وفكرية تتجاوز قيمتها المادية؟

لم تكن الصعوبات التي واجهتني في تحويل الأشياء المهملة إلى أعمال فنية مقتصرة على ملائمة المواد وتشكيلها ، بل امتدت أحياناً إلى إقناع الآخرين بأن شيئاً بسيطاً ، لا يرون فيه سوى مادة عديمة النفع ، قد يحمل في طبيعته إمكانات جمالية وفكرية تستحق الاكتشاف.
وكثيراً ما قوبلت بعض أفكاري بالاستغراب ، بل بالاستخفاف أحياناً ، حين كنت أتحدث عما أنوي صنعه من مواد لا تبدو في أعينهم جديرة بالاهتمام. لكنني كنت أرى في خيالي ما لم يكن قد تجسّد أمام أعينهم بعد ، وأثق بأن تلك الأشياء المتواضعة قادرة على أن تصبح جزءاً من عمل يحمل معنى وجمالاً.
ولم أكن أميل إلى الإكثار من الجدل لإثبات وجهة نظري ، بل كنت أترك للعمل فرصة الدفاع عن نفسه. وكم كانت سعادتي حين يكتمل ما تصوّرته ، وتتحول نظرات الاستخفاف إلى دهشة وإعجاب ، فأشعر أنني ربحت الجولة ، لا لأنني غلبت أحداً في الرأي ، بل لأن الفكرة أثبتت قيمتها ، ولأن شيئاً كان يُنظر إليه باستخفاف استطاع أن ينتزع لنفسه مكانة لم تكن متوقعة.
ولعلّ أجمل ما في ذلك الانتصار أنه لم يكن انتصاراً لي وحدي ، بل لتلك الأشياء البسيطة التي آمنت بإمكاناتها قبل أن يراها الآخرون.

ما أكثر مادة غير مألوفة استخدمتها في عمل فني وكانت نتيجتها مفاجئة حتى بالنسبة إليك؟

( البرغل ) من أغرب المواد غير التقليدية التي استخدمتها في أحد أعمالي ، وذلك أثناء تشطيب الواجهة الخشبية لطقم من الكنب. فقد وجدت في حبيباته الصغيرة ، وتفاوت أشكالها ، وملمسها الخشن ، خصائص مناسبة لتشكيل سطح زخرفي محبّب ذي ملمس بارز ، يمكن تثبيته وتلوينه بما يتناسب مع التصميم المطلوب. وجاءت الفكرة حين لم تكن مواد التشطيب
اللازمة متوافرة لديّ بالقدر الكافي ، مما دفعني إلى البحث عن بديل يحقق النتيجة الجمالية المنشودة.
بدأت بطلاء الأجزاء الخشبية بالغراء ، ثم وزّعت البرغل عليها بصورة متجانسة حتى ثبت على السطح. وبعد ذلك ، أتممت التشطيب بطبقة من الورنيش ممزوجة بقدر قليل من الصبغة اللونية ، بما يحقق الانسجام مع لون قماش الكنب.
جاءت النتيجة مدهشة من الناحية الجمالية ، إذ اكتسبت الواجهة الخشبية ملمساً فريداً ومظهراً أنيقاً ومتناسقاً مع بقية عناصر الأثاث.
وقد أكدت لي هذه التجربة أن نجاح استخدام المواد غير التقليدية لا يتوقف على وظيفتها الأصلية ، بل على مدى فهم خصائصها وحسن توظيفها لتحقيق الغاية المطلوبة. فقد تتحول مادة بسيطة وغير متوقعة إلى عنصر جمالي مميز ، متى استُخدمت بأسلوب مدروس ومناسب.

في رأيكً هل يستطيع الفن المعتمد على إعادة التدوير أن يغيّر سلوك المجتمع تجاه الاستهلاك والهدر أم أن تأثيره يظل محصورًا في الجانب الجمالي؟

لا أعتقد أن الأعمال الفنية القائمة على توظيف الأشياء المهملة قادرة وحدها على تغيير سلوك المجتمع تجاه الهدر ؛ فالإعجاب بما تحققه تلك المواد من نتائج جمالية لا يعني بالضرورة أن يتغيّر تعامل الإنسان مع ما يستغني عنه من أشياء.
لكنني أثق تماماً بأن لهذه الأعمال أثراً آخر لا يقل أهمية ، يتمثل في توسيع نظرة المتلقي إلى قيمة الأشياء وإمكاناتها الكامنة ، وإثارة فضوله للتأمل فيما اعتاد اعتباره عديم الفائدة. فقد يدفعه مشهد مادة مهملة تحوّلت إلى عمل فني إلى إعادة التفكير في أشياء أخرى انتهت وظيفتها الأصلية ، لكنها ما زالت قابلة للاستفادة منها بطرق مختلفة.
ولعلّ القيمة الأعمق لهذه التجارب لا تكمن في جمال ما ننتجه من المهملات فحسب ، بل في قدرتها على إيقاظ فكرة بسيطة في الأذهان : أن انتهاء وظيفة الشيء لا يعني بالضرورة انتهاء قيمته ، وأن ما نستغني عنه اليوم قد يحمل بين طياته إمكانات لم نكتشفها بعد.

حلم يراودك ويشاركك في كل عمل تنجزه …
ماهو ذاك الحلم ..؟؟

حين أشرع في عمل فني جديد ، يرافقني حلم جميل أستحضره في كل مرحلة من تنفيذه ؛ أن أرى المتلقي يُعجب بالعمل إعجاباً كبيراً منذ النظرة الأولى ، ثم يتحوّل إعجابه إلى انبهار حين أشرح له خفاياه ، وما وراءه من أفكار وأسرار ومعانٍ ، وأسباب اختيار مواده وأساليب تنفيذه.
ولا تكمن غاية سعادتي في سماع المديح والثناء ، بل في أن أرى ما أودعته في العمل من خيال وفكر ومشاعر يجد صداه في وجدان المتلقي.
وكأن للعمل ميلادين ؛ أولهما حين يخرج من بين يديّ إلى الوجود ، وثانيهما حين تتكشف أسراره لمن يتأمله ، فيكتمل جماله بما يتركه من أثر في النفس.

يبدو الخشب مادة تحمل تاريخها في عروقها وتفاصيلها ماذا يعني لك التعامل معه وما الذي يجعله مختلفًا عن بقية المواد التي تنحت عليها؟

من بين الخامات الكثيرة التي تعاملت معها في أعمالي ، يبقى للخشب مكانة خاصة في نفسي ، فهو من أكثر المواد التي أجد فيها جمالاً فطرياً ودفئاً لا يشبه سواه. تأسرني ألوانه الطبيعية ، وتعرّجات أليافه ، وتنوّع عروقه وتشكيلاته التي رسمتها الطبيعة ، حتى إن قطعة الخشب قد تحمل في ذاتها جمالاً قبل أن تمتد إليها يد الفنان.
وما يزيد تعلّقي بهذه المادة ما تتميّز به من مرونة وقابلية للتشكيل والتطويع ؛ فهي تستجيب للنحت والحفر والقطع والثني والتجميع ، وتمنحني مساحات واسعة لتحويل أفكاري إلى واقع ملموس. ولكل نوع من الأخشاب طبيعته وخصائصه التي تفتح أمامي آفاقاً مختلفة للإبداع ، فأجد في بعضها الرقة والليونة ، وفي بعضها الآخر القوة والصلابة ، وفي جميعها إمكانات تستحق الاكتشاف.
ولعلّ أكثر ما يدهشني في الخشب حضوره في شتى تفاصيل الحياة ، من الأدوات والأثاث إلى المنحوتات والآلات الموسيقية ؛ فهو يجمع بين المنفعة والجمال ، والبساطة والفخامة ، في أشكال ووظائف لا تكاد تُحصى.
ولهذا لا أرى في الخشب مجرد خامة أستخدمها ، بل رفيقاً للإبداع تتسع إمكاناته باتساع الخيال.
في النحت هناك دائمًا شيء يُزال لكي يظهر شيء آخر. كيف تتعامل مع هذه المفارقة ؟

هل تشعر أنك تنحت الشكل من المادة أم تكشف شكلًا كان
مختبئًا فيها؟

قد أكون مُبدِعَ الشكل منذ ولادته في الخيال ، وقد أكون مكمّلاً لتكوين بدأت عوامل الطبيعة رسم ملامحه دون قصد. غير أن الغالب في أعمالي أن تولد الفكرة في مخيلتي أولاً ، ثم أمنح المادة هيئتها بالنحت والتشكيل ، بينما تستوقفني أحياناً مادة تحمل ملامح طبيعية أرى فيها تكويناً يستحق الإبراز والاستكمال.
فعندما تنشأ الفكرة في خيالي ، لا أتعامل مع المادة وكأنها تخفي في أعماقها شكلاً ينتظر من يكتشفه ويحرّره ، بل أراها خامة أستطيع أن أبدع منها ما تصوّرته ، وأن أمنحها هيئة لم تكن لها من قبل ، حتى يتجسّد الخيال في عمل ملموس.
أما في المسار الآخر ، فقد تستوقفني قطعة من الخشب أو الحجر نحتت عوامل الطبيعة تضاريسها عبر الزمن ، فألمح فيها هيئة مألوفة ، كحجر يوحي شكله برأس حصان مثلاً. وهنا لا تكون الطبيعة قد قصدت تشكيل تلك الهيئة ، بل تكون عيني الفنية قد التقطت من تكوينها العفوي ملامح تستحق الاكتمال ، فأتدخل لإبرازها وصقل تفاصيلها ، محافظاً على أصالتها وجمالها الطبيعي ، وكأنني أُكمل بيدي ما بدأ الزمن بنحته.
وفي كلا المسارين ، تبقى الرؤية الفنية جوهر الإبداع ؛ سواء ابتكرت الشكل من خيالي ، أم استلهمته من ملامح صاغتها الطبيعة.

إلى أي مدى تفرض طبيعة الخشب وعروقه وصلابته وحدوده تعديلات على فكرتك الأصلية؟
وهل سبق أن أنقذتك عيوب المادة من عمل كان يمكن أن يكون أقل تميزًا؟

مهما بلغت دقة تصوّري للعمل قبل تنفيذه ، فإن طبيعة الخشب تظل عاملاً لا يمكن تجاهله ؛ فعروقه وصلابته وتفاوت أليافه وخصائصه قد تفرض عليّ أحياناً إعادة النظر في بعض التفاصيل ، أو تعديل أسلوب التنفيذ بما ينسجم مع إمكانات المادة وحدودها.
وقد يحدث أن يكشف عيب في الخشب عن احتمال جمالي لم أكن قد تصوّرته ، فأجد فيه فرصة لتطوير الفكرة ، وربما يقودني إلى نتيجة أكثر تميّزاً مما خططت له. لكنني أفرّق بين عيب يمكن تسخيره ليصبح جزءاً من جمال العمل ، وآخر يحول دون بلوغ النتيجة التي أريدها.
وقد اضطررت بالفعل إلى استبدال قطعة خشبية بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في تشكيلها ، حين أدركت أنها لن تمنحني النتيجة التي رسمتها في خيالي. ولم يكن التخلي عنها قراراً سهلاً ، لكنني أفضّل خسارة ما بذلته من جهد على الاستمرار في عمل أعلم مسبقاً أنه لن يحقق غايته.
وهكذا ، أتعامل مع الخشب بمرونة تحترم طبيعته ، دون أن أتخلى عن رؤيتي الفنية ؛ فقد أغيّر الطريق الذي أسلكه إلى النتيجة ، لكنني لا أقبل أن تكون النتيجة مجرد تسوية فرضتها صعوبة الطريق.
هل ترى أن العمل النحتي الناجح يجب أن يكون جميلًا في صورته النهائية فقط أم ينبغي أن يكشف أيضًا عن أثر اليد والجهد والزمن الذي احتاجه إنجازه؟
ليس بالضرورة أن نجاح العمل النحتي يقتصر على جمال صورته النهائية ، بل ينبغي أن يعكس شيئاً من الرحلة التي مرّ بها حتى اكتمل ، بما حملته من وقت وجهد وصبر ، وما أودعه الفنان فيه من خبرة وإحساس وجمال صنعة.
فكل تفصيل أنحته يحمل أثراً من يدي ، وكل انحناءة أو ملمس أو انتقال بين الأشكال هو حصيلة تأمل وعناية ، وربما ساعات طويلة من العمل لا يدركها المتلقي من النظرة الأولى. ولا أعني بذلك أن تظل آثار الأدوات ظاهرة ، أو أن يكشف العمل عن كل مشقة صاحبت إنجازه ، وإنما أعني أن تتجلى تلك الرحلة في إتقان الصنعة وصدق التعبير وروح العمل.
وأجمل ما أرجوه أن يرى المتلقي في المنحوتة أكثر من شكل متقن ؛ أن يلمس فيها حضور الفنان ، ويشعر بأن وراء جمادها يداً أبدعت ، ونفساً أحسّت ، وزمناً مضى ليمنحها صورتها الأخيرة.

لوحة فنية او مجسم نحتي وطني لمن تكون ؟

هناك حلم فني يسكن وجداني ، لم تتحدد ملامحه بعد ، لكنني أعرف تماماً ما أريد أن يعبّر عنه : أن أقدّم للمملكة العربية السعودية عملاً فنياً كبيراً ، أجسّد فيه ما أحمله لهذه الأرض وشعبها من محبة ووفاء وامتنان.
لم أقرر بعد إن كان هذا العمل لوحة فنية أم مجسّماً أو إبداعاً يجمع أكثر من فن ، فالمشاعر التي تدفعني إليه أكبر من أن أحصرها الآن في شكل محدد. وكل ما أعرفه أنني أريد أن أضع فيه خلاصة خبرتي وموهبتي ، وأن أمنحه من روحي ووجداني ما يجعله عملاً استثنائياً ، يليق بما أحمله لهذا البلد المعطاء من تقدير وعرفان.
ولعلّ الأيام تهيّئ لي ما أحتاجه من إمكانات ودعم لأترجم هذا الحلم إلى واقع.

ما العمل النحتي الذي شعرت أنه اختبر قدراتك الحقيقية
سواء بسبب تعقيده أو بسبب ما تطلبه منك على المستوى النفسي والفني؟

في كل عمل نحتي أُقبل عليه ، أجد نفسي أمام اختبار جديد لمهارتي وصبري وقدراتي. فعلى الرغم مما اكتسبته من خبرة ، لا تزال تنتابني أمام الكتلة الجامدة رهبة تشبه رهبة الممثل حين يقف على خشبة المسرح ، مدركاً أن ما يمتلكه من موهبة وخبرة لا يعفيه من تحدّي الأداء في كل مرة. فبين الصورة التي تكتمل في خيالي والعمل الذي يتشكّل بين يديّ ، رحلة لا تخلو من المفاجآت والصعوبات.
وقد خضت تجارب راهنت فيها على قدراتي إلى حدّ الاستنزاف ، ولعلّ من أبرزها محاولتي نحت بعض قطع الشطرنج بحجم متوسط من الحجر الجيري. شدّني إلى اختيار هذا الحجر جمال لونه ، رغم هشاشته وطبيعته التي لا تساعد على إبراز التفاصيل الدقيقة ، وهي تفاصيل تُعدّ من أهم ما يمنح قطع الشطرنج شخصيتها وتميّزها.
وهنا وجدت نفسي أمام تحدٍّ حقيقي ؛ فكل تفصيل أريد إبرازه يحتاج إلى دقة وحذر بالغين ، وكل إزالة غير محسوبة من المادة قد تُفقد القطعة جزءاً لا يمكن استعادته. وكان عليّ أن أوازن بين جمال التكوين الذي أطمح إليه وطبيعة الحجر الذي اخترته ، في مواجهة اختبرت مهارتي وصبري معاً ، وجعلت من كل خطوة ناجحة انتصاراً صغيراً في طريق بالغ الصعوبة.

عندما تتحول الحرفة إلى صوت يكون هنا التميز وهذا ما صنعته فهل صناعة آلة موسيقية وترية تختلف عن إنجاز قطعة
فنية صامتة ؟
وهل السبب يعود لأن النتيجة لا تُرى فحسب بل تُسمع أيضًا ؟
كيف غيّر هذا الجانب علاقتك بالخامة والدقة والتفاصيل؟

لم تكن صناعة الآلات الموسيقية الوترية مجرد امتداد لأعمالي الفنية ، بل كانت هواية خضت من خلالها تجارب مثمرة فنياً ، أضافت إلى جمال الشكل جمال الصوت ، ومنحت الحرفة بُعداً جديداً من التعبير ، بعيداً عن أي هدف تجاري.
فقد تغيّرت علاقتي بالخشب ، ولم أعد أراه مجرد خامة قابلة للتشكيل ، بل مادة تحمل خصائص صوتية خفية تستحق الفهم والاكتشاف. وأصبحت الدقة تتجاوز صحة القياسات وتناسق الأجزاء ، بعدما أدركت أن تعديلاً بأجزاء من المليمتر قد يغيّر الرنين والدفء والاستجابة ، وأن الإتقان الهندسي وحده لا يضمن جمال الصوت.
وهكذا أصبحت أوازن بين القياس والتجربة والإصغاء ، وأتعامل مع كل تفصيل بوصفه عنصراً مشاركاً في تشكيل شخصية الآلة. ولأنني الصانع والعازف معاً ، فقد وجدت في هذه التجربة علاقة فريدة تجمع بين مهارة اليد وحساسية الأذن وإحساس الوجدان.
وإذا كانت أعمالي الفنية الصامتة تحمل شيئاً من روحي في أشكالها ، فإن الآلة الموسيقية منحتني فرصة أن أسمع شيئاً من تلك الروح أيضاً ، حين تتحول الحرفة بين يديّ إلى صوت ينبض بالحياة.

كيف توازن بين جمال الآلة من الناحية البصرية وبين جودة صوتها ووظيفتها الموسيقية؟
وأيهما يقود الآخر أثناء التصنيع؟

لا أفصل بين جمال الآلة الموسيقية وجودة صوتها ، فكلاهما في نظري جزء من هويتها الفنية. فكما أحرص على نقاء الصوت ودفئه ورنينه واستجابته ، أهتم أيضاً بجمال الخشب وتناسق الأجزاء وانسيابية الخطوط ودقة التشطيب ، حتى تكون الآلة عملاً فنياً متكاملاً ، يرضي العين ويُطرب الأذن.
وأثناء التصنيع ، أمنح المتطلبات الصوتية والوظيفية الأولوية في القرارات التي تؤثر في أداء الآلة ، دون أن أغفل الجانب الجمالي الذي يرافق العمل منذ بدايته ، لا أن يكون مجرد إضافة في مراحله الأخيرة. فأبحث دائماً عن التوازن الذي يحقق الانسجام بين الشكل والوظيفة ، دون التضحية بأحدهما لحساب الآخر.
وقد تعلمت من تجاربي أن الجمال البصري يمكن التخطيط له والتحكم في تفاصيله بدرجة كبيرة ، أما الجمال الصوتي فيحتاج ، إلى جانب المعرفة والدقة ، إلى التجربة والإصغاء والتعديل. ولذلك أترك للصوت الكلمة الحاسمة حين يتعارض مع المظهر ، مع حرصي على أن تظل الآلة جميلة في شكلها ، غنية في صوتها ، ومريحة في العزف عليها.
فالجمال في نظري لا يكتمل بما تراه العين وحدها ، ولا بما تسمعه الأذن وحدها ، بل بانسجامهما في عمل واحد يحمل بصمة صانعه وروحه.

ما الذي يجذبك إلى الآلات الشرقية والغربية معًا؟
وهل ترى أن لكل تقليد موسيقي شخصيته التي تنعكس على شكل الآلة وطريقة صناعتها؟

تستهويني الآلات الموسيقية على اختلاف أصولها وتنوّع أصواتها ، وقد عزفت على معظمها بدرجات متفاوتة من الإجادة ، مما أتاح لي التعرّف إلى خصوصية كل آلة وتذوّق جمالها. غير أن وجداني يميل أكثر إلى الموسيقى الشرقية ، بما تحمله من دفء وشجن ورهافة في التعبير ، وكأن نغماتها أقرب إلى لغتي الداخلية وأكثر قدرة على ترجمة مشاعري. وهذا الميل لا يقلل من تقديري للموسيقى الغربية ، التي أجد في ثرائها وتعدّد أساليبها آفاقاً أخرى للمتعة والإبداع.
وأرى أن الآلات الموسيقية ليست مجرد أدوات لإنتاج النغم ، بل هي نتاج ثقافات وأذواق وتجارب إنسانية متراكمة ، تركت آثارها في ملامحها وبنائها وخصائصها الصوتية. فلكل تقليد موسيقي روحه ومتطلباته التعبيرية التي انعكست على صناعة آلاته وتطويرها ، من اختيار الخامات والأبعاد والسماكات ، إلى أدق التفاصيل التي تصوغ طبيعة صوتها واستجابتها. ولعلّ هوايتي للعزف والصناعة معاً جعلني أنظر إليها نظرة تتجاوز الاستمتاع بموسيقاها ، إلى تأمل هندستها وفهم أسرارها ، والبحث عما يمنح كل آلة هويتها المميزة.

هل تعتبر صناعة الآلات الموسيقية امتدادًا لفنك التشكيلي أم عالمًا مستقلًا تحكمه معايير مختلفة لا يمكن تجاوزها بالخيال وحده؟

بكل تأكيد صناعة الآلات الموسيقية عالم مستقل بذاته ، تحكمه معايير هندسية وصوتية دقيقة ، ويأتي الفن التشكيلي عنصراً مساعداً يثري هذا العالم بالحس الجمالي والخيال والقدرة على تطويع الخامات ، دون أن يكون بديلاً عن المعرفة الفنية بمختلف جوانبها ، أو القواعد التي تفرضها طبيعة الآلة ووظيفتها.
ففي الفن التشكيلي أمتلك حرية واسعة في تشكيل رؤيتي وتوظيف الخامات وفق إحساسي ، أما في صناعة الآلات الموسيقية فإن هذه الحرية تصبح مشروطة بمتطلبات الصوت والأداء ؛ إذ لا تكفي براعة اليد أو جمال التصميم ما لم تؤدِّ الآلة وظيفتها بكفاءة.
ومع ذلك ، لا أرى في هذه القيود عائقاً للإبداع ، بل تحدياً يفتح أمامي آفاقاً جديدة للتجربة والابتكار. فالمعرفة تمنحني الأساس ، والخيال يقودني إلى احتمالات جديدة ، والتجربة تكشف لي مدى نجاحها. وهكذا يلتقي الفنان بالصانع في داخلي ، دون أن يفقد أحدهما هويته ، لأصل إلى عمل يجمع بين حرية التعبير وانضباط العلم ، وبين جمال التكوين وروعة الصوت.

موهبتك في ترميم التحف نابع من حفاظك على الذكريات حتى لا يمحوها الزمن
كيف تفسر ذلك من خلال هذه الموهبة الإضافية لديك ؟

لم تكن موهبتي في ترميم التحف والأشياء القديمة نابعة من شغفي بالحرفة وحدها ، بل من إحساسي بأن بعضها يحمل من الذكريات ما يجعل قيمته تتجاوز مادته وثمنه.
ففي كل قطعة قديمة أرى أثراً شاهداً على حياة مضت ، وحكاية تستحق البقاء ، وكأنني حين أعيد إليها تماسكها وجمالها أحفظ شيئاً من الماضي قبل أن تطمسه السنون.
وفي الترميم أجد متعة تجمع بين مهارة اليد والصبر والخيال ؛ فلا يقتصر عملي على إصلاح ما أتلفه الزمن ، بل يمتد إلى استعادة روح القطعة وهويتها ، مع الحفاظ على ما يشهد على أصالتها وتاريخها.
وأؤمن بأن الأشياء لا تشيخ جميعها بمرور الزمن ؛ فبعضها يزداد قيمة بما اختزنه من ذكريات.
ولهذا أشعر أنني لا أمنحها حياة جديدة فحسب ، بل أصون من خلالها حكايات قد لا يبقى من أصحابها سواها.

ترميم قطعة نادرة ليس مجرد إصلاح لما تلف فيها بل تعامل مع أثر من الماضي ..
كيف تحدد ما ينبغي استعادته وما يجب تركه شاهدًا على تاريخ القطعة؟

للخبرة عينٌ ترى في القطع القديمة ما قد لا تراه العين العابرة ، فليس كل ما يبدو تالفاً هو كذلك ، فقد يكون جزءاً أصيلاً من تكوين القطعة ، غيّرت السنوات ملامحه حتى أوحى بغير حقيقته.
وهنا تكمن الأهمية في التمييز بين ما ينتمي إلى أصل القطعة ، مهما بدا عتيقاً ، وبين ما فُقد منها أو أصابه تلف حقيقي يستوجب الترميم.
فالأول أحافظ عليه دون مساس ، والثاني أسعى إلى استعادته بما ينسجم مع هويتها ، حتى لا أمحو من أصالتها ما قد يبدو للوهلة الأولى جزءاً يستوجب الإحياء.
أثناء الترميم ، أين تقف حدود الفنان؟ هل يسعى إلى إعادة القطعة إلى حالتها الأصلية ، أم يقبل بأن بعض آثار الزمن جزء من هويتها التي لا ينبغي محوها؟
برأيي أن حدود الفنان في الترميم تبدأ من احترام هوية القطعة وتاريخها ؛ فليس الهدف دائماً إعادتها إلى صورتها الأولى ، بل الحفاظ على أصالتها وما تحمله من ذكريات.
فبعض آثار الزمن ليست عيوباً تستوجب الإزالة ، وإنما شواهد على رحلة طويلة تمنحها خصوصيتها وقيمتها الوجدانية.
ولهذا لا أسمح لرغبتي في تجميل القطعة أن تدفعني إلى تغيير ملامحها الأصلية أو فرض رؤية فنية غريبة عن طبيعتها.
وأجد أن نجاح الترميم لا يُقاس بمدى براعة إخفاء العيوب وحدها ، بل بقدرتي على إعادة الحياة إلى القطعة دون أن أمحو تاريخها.

هل واجهت قطعة قديمة كشفت لك تفاصيلها قصة لم تكن واضحة قبل البدء في ترميمها؟
وكيف أثرت هذه التجربة في فهمك لقيمة الأشياء؟  

نعم ، مررت بتجارب كشفت لي فيها بعض القطع القديمة عن تفاصيل لم أكن ألحظها قبل ترميمها ، وكأن أجزاءها المتفرقة كانت تخفي حكاية لا تتضح إلا باكتمالها.
ومن تلك التجارب ترميم جرامافون قديم ، أعدت بناء قاعدته الخشبية ، فاستعاد تناسقه واكتملت صورته ، وظهرت ملامح جماله التي كانت غائبة. وقد علّمتني هذه التجربة أن قيمة العمل لا تكمن في جمال أجزائه منفردة ، بل في تكاملها وانسجامها ، وأن نقصاً صغيراً قد يحجب الكثير من جماله الحقيقي. ومن هنا أدركت أن الترميم ليس مجرد إصلاح لما تلف ، بل استعادة لوحدة العمل وهويته ، وأن بعض الأشياء لا ندرك قيمتها كاملة إلا حين نراها مكتملة.

هل يمكن أن يتحول الترميم إلى فعل إبداعي مستقل ؟
أم أن نجاحه الحقيقي يكمن في ألا يشعر المشاهد بتدخل الفنان أصلًا؟

يعتبر الترميم عملاً إبداعياً بحد ذاته ، فهو لا يقتصر على إصلاح الأجزاء التالفة ، بل يتطلب خيالاً ومهارة وقدرة على استحضار الصورة الأصلية ، خصوصاً حين تكون بعض معالم القطعة مفقودة ، ويصبح على الفنان إعادة بنائها بما ينسجم مع هويتها.
وأجد أن الإبداع الحقيقي هنا لا يكمن في إبراز بصمتي الشخصية ، بل في استعادة تكامل القطعة وجمالها دون أن يبدو تدخلي غريباً عن تكوينها. ومن المهارات التي أعتز بها قدرتي على إتقان الترميم إلى درجة لا يدرك معها المتلقي أن القطعة قد رُممت أصلاً ، وإن كانت بعض آثار الترميم تستحق البقاء شاهداً على إنقاذها من الضياع. فالنجاح في نظري لا يُقاس بمدى خفاء يد الفنان وحده ، بل بقدرته على إعادة ما فقدته القطعة دون أن يفقدها ما بقي من روحها وأصالتها ، مهما تطلّب ذلك من ابتكار.

لديك قدرة على ابتكار ديكورات احترافية باستخدام مواد غير مألوفة ..كيف تضمن أن تظل القطعة عملًا فنيًا يحمل بصمتك لا مجرد عنصر يؤدي وظيفة جمالية داخل المكان؟

لا أقيس القيمة الفنية لما أصنعه بنوع المادة أو ثمنها ، بل بما أستطيع أن أودعه فيها من خيال ومهارة وإتقان. فكثيراً ما تمنحني أبسط الخامات مساحة واسعة للابتكار ، حين أكتشف خصائصها و أوظفها لتصبح جزءاً من تكوين يحمل رؤيتي الخاصة.
ولا أتعامل مع الديكور بوصفه مجرد عنصر لتجميل المكان ، بل أسعى إلى أن يكون لكل قطعة طابع فني مستقل ، تتجلى في فكرتها وتكوينها وتناسق تفاصيلها ، وأن تحتفظ بجمالها وقيمتها حتى لو انتُزعت من محيطها وعُرضت منفردة.
ولعلّ بصمتي الحقيقية تتجلّى في اكتشاف إمكانات الخامات غير المألوفة ، وتحويلها إلى أعمال يصعب تخمين موادها الأصلية أو أساليب صنعها ، فيجتمع جمال النتيجة مع دهشة الاكتشاف ، وتبقى فيها آثار خيالي ومهارتي حاضرة ، حتى وهي تؤدي وظيفتها الجمالية.

هل تتعامل مع الديكور بوصفه فنًا مستقلًا ؟
أم باعتباره مساحة لتطبيق خبراتك في الرسم والنحت والخامات والحرف اليدوية؟

أتعامل مع الديكور بوصفه فناً مستقلاً له هويته ومقوماته الجمالية والإبداعية ، وليس مجرد مجال لتطبيق مهارات اكتسبتها من فنون أخرى. فهو بالنسبة إليّ مساحة رحبة للابتكار ، تجمع بين جمال التكوين وتناسق الألوان والكتل والخطوط ، مع مراعاة طبيعة المكان والانسجام مع عناصره.
غير أن خبرتي في الرسم والنحت وتشكيل الخامات والحرف اليدوية تمنحني أدوات أوسع للتعبير ، وتتيح لي تجاوز الأساليب التقليدية وابتكار حلول فنية غير مألوفة. وأجد في هذا التنوع قدرة على تحويل أبسط المواد إلى أعمال تجمع بين الخيال والإتقان ، وتحمل شخصيتها الخاصة وبصمتي الفنية ، دون أن تفقد ارتباطها بالمكان الذي صُممت من أجله.

عندما تصمم قطعة لمكان معين كيف توازن بين رؤيتك الفنية واحتياجات المكان وذائقة الشخص الذي سيستخدمه؟

في مختلف أعمال الديكور التي أتولاها ، لا أكتفي برؤيتي الفنية وحدها ، بل أحرص على مراعاة طبيعة العمل ووظيفته ، وخصائص المكان وأبعاده وألوانه ، إلى جانب ذائقة أصحابه ومتطلباتهم. فنجاح العمل في نظري لا يقاس بجماله منفرداً فحسب ، بل بمدى انسجامه مع المكان وقدرته على إثرائه دون أن يفقد شخصيته المستقلة.
وأجد أن خبرتي الفنية تمنحني القدرة على التوفيق بين هذه العناصر ، فأتعامل مع رغبات صاحب المكان بوصفها أساساً أستند إليه ، لا قيوداً تحدّ من إبداعي. وقد أقترح أفكاراً تتجاوز تصوراته الأولى ، مستفيداً من معرفتي بالألوان والتكوين والخامات. وقد تستغرق الأعمال التي أنفذها يدوياً وقتاً أطول ، وهو أمر أوضّحه لصاحب المكان مسبقاً ، فيتقبّله برضا لما تمنحه هذه العناية من خصوصية وتفرّد. ولا أسعى إلى فرض رؤيتي أو التنازل عنها تماماً ، بل أبحث عن نقطة التقاء تجمع بين الجمال والوظيفة والذوق الشخصي ، ليشعر صاحب المكان بأن العمل يعبّر عنه ، بينما أرى فيه أنا أيضاً شيئاً من هويتي الفنية.

هل سبق أن اضطررت إلى التنازل عن جزء من فكرتك الفنية من أجل متطلبات التنفيذ أو الوظيفة؟
وكيف تتعامل مع هذا الصراع بين الإبداع والقيود العملية؟

لم أنظر يوماً إلى متطلبات التنفيذ أو القيود العملية بوصفها أسباباً للتنازل عن رؤيتي الفنية ، بل تحديات تدفعني إلى البحث عن حلول تحقق التوازن بين الفكرة وإمكانات تنفيذها ، دون التفريط بجوهرها أو قيمتها الجمالية.
فالإبداع في نظري لا يقتصر على ابتكار الفكرة ، بل يمتد إلى تكييفها مع الواقع ، وإيجاد بدائل تحافظ على روحها وتحقق غايتها. وكثيراً ما تدفعني هذه التحديات إلى اكتشاف أساليب وخامات وحلول لم تكن في الحسبان ، وقد تقود أحياناً إلى نتائج تفوق التصور الأول.
ولهذا أتعامل مع القيود العملية بعقلية تجمع بين خيال الفنان وخبرة الحرفي ومنطق التنفيذ ؛ فالحل الوسط الناجح بالنسبة إليّ ليس تنازلاً عن الفكرة ، بل طريقاً آخر للوصول إلى جوهرها.

الفن شعور فهل راودتك فكرة ترجمة عمل في كلمات خاطرة أو قصة ؟

لم تكن الكتابة بعيدة يوماً عن عالمي الفني ، فحبي للأدب لا يقل عن شغفي بالفنون ، بل ربما أجد في الكتابة عشقاً يفوق تعلقي ببقية أعمالي الإبداعية. وكثيراً ما أشعر أن ما أعجز عن التعبير عنه بالألوان والأشكال تستطيع الكلمات أن تبوح به ، وأن ما تعجز الكلمات عن وصفه قد تجسده لوحة أو منحوتة.
فالأدب والفن في نظري عالمان تجمعهما لغة الشعور والخيال ، وإن اختلفت أدوات التعبير بينهما. وأراهما يتكاملان في وجداني ، ويغذّي كل منهما الآخر. وقد تتحول فكرة فنية إلى خاطرة أو حكاية ، كما قد تولد من نص أدبي صورة تستحق أن تتجسد في عمل فني.
ولعلّ من أهم أحلام حياتي أن أؤسس ملتقى يجمع الفن والأدب تحت سقف واحد ، ويكون فضاءً للإبداع وتبادل الأفكار والتجارب ، وموطناً لأصحاب المواهب والذائقة الرفيعة.
فإن كانت الفنون تمنح مشاعري شكلاً يُرى ، فإن الأدب يمنحها صوتاً يُقرأ ، وكلاهما سبيل إلى التعبير عما يسكن روحي.

أنت تتحرك بين مجالات تحتاج إلى معارف ومهارات مختلفة من الرسم والنحت إلى التصنيع والترميم ..
هل ترى هذا التعدد قوة تمنحك رؤية أوسع ؟
أم تحديًا يتطلب منك جهدًا مضاعفًا للحفاظ على العمق في كل مجال؟

أجد في تنوّع اهتماماتي وتجاربي الفنية والحرفية فرصة لتوسيع معارفي واكتساب مهارات جديدة ، فالفنون على اختلاف مجالاتها تتداخل في كثير من أساليبها وتقنياتها ، وتفتح كل منها آفاقاً للاستفادة من الأخرى. وكثيراً ما أجد أن حلاً لمشكلة في النحت أو الترميم قد يأتي من تجربة سابقة في الرسم أو التصنيع ، وكأن هذه الفنون تتبادل فيما بينها المعرفة وتتكامل في ذهني.
ولا أنكر أن هذا التنوع يتطلب جهداً مضاعفاً ووقتاً طويلاً للتعلّم والممارسة ، فلكل حرفة أسرارها وتقنياتها التي لا تُكتسب بالموهبة وحدها. لكنني لا أتعامل مع هذا التحدي بوصفه عبئاً ، بل أجد في البحث والتجربة متعة لا تقل عن متعة الإنجاز نفسه. وأحرص على ألا يكون تنقلي بين المجالات مجرد معرفة سطحية ، بل سعياً متواصلاً إلى فهم تفاصيلها وتطوير مهاراتي فيها.
ولهذا لا أعد هذه الفنون مجالات متفرقة ، بل عالماً مترابطاً تتلاقى فيه المهارات والمعارف تحت مظلة الخيال والإبداع. فالتعدد في نظري لا يناقض التعمق ، بل قد يكون سبيلاً إليه ، حين تصبح كل تجربة رصيداً يغني التجارب الأخرى ويوسّع آفاقها.

هل توجد لغة واحدة تجمع أعمالك المختلفة حتى لو اختلفت الخامة والوظيفة والنتيجة النهائية؟
وكيف تصف هذه اللغة؟

من المواقف التي بقي صداها في نفسي كلمات طفل قال لي ذات مرة إنه يشعر بشيء مشترك بين أعمالي ، لا يستطيع تحديده أو وصفه ، لكنه يجعله يدرك أنها من صنعي. قال بعفوية : (عمو ماهر ، أنا بعرف شغلك من أول ما بشوفه ، بس ما بعرف كيف!). كانت ملاحظته بريئة وبسيطة في ظاهرها ، لكنها حملت معنى عميقاً ، ونبّهتني إلى بصمة لم أكن أتعمّد إظهارها.
وأعتقد أن هناك لغة خفية تجمع أعمالي على اختلاف خاماتها وأشكالها ووظائفها ، لغة تنشأ تلقائياً من إحساسي وطريقتي في التفكير والتشكيل. ومنذ ذلك الحين أصبحت أرى أن بصمة الفنان لا تكمن بالضرورة في أسلوب محدد أو تفاصيل متشابهة ، بل في روح تسري بين أعماله مهما اختلفت.
وهكذا وجدت وصفاً للغتي الفنية : إنها ذلك الشيء الذي لا أعرف كيف أُريه للآخرين ، لكنهم قد يشعرون به دون أن أشرحه لهم.

اعطيني ثلاثة اسماء في أي مجال كان لهم تاثير كبير في شخصيتك وإبداعك ؟

نعم ، هناك شخصيات تركت أثراً عميقاً في تكوين شخصيتي ومسيرتي الإبداعية ، ولكل منها مكانة خاصة في وجداني. وسأذكر منها ثلاثاً ، اختلفت طبيعة تأثيرها في حياتي.
أولهم والدي الحبيب ، رحمه الله ، الذي أعتز بأنني نشأت في كنفه ، وتفتّح وعيي على ما تحلّى به من نبل الروح ورهافة الإحساس وحب الفن والجمال. كان واسع الأفق ، متفائلاً بطبعه ، مؤمناً بقيمة الموهبة والإبداع ، ولم يبخل عليّ يوماً بتشجيعه وثقته التي منحتني القوة والعزيمة. وقد تجاوز أثره حدود التشجيع إلى تشكيل وجداني ونظرتي إلى الحياة ، فبقيت قيمه وذكراه حيّة في نفسي ، شاهدة على أبٍ ترك في أبنائه شيئاً من روحه.
وثانيهم الأديب الكبير والأستاذ الفاضل رسلان طحان ، رفيع المكانة ، واسع الثقافة ، الذي أكنّ له عميق التقدير والامتنان. فقد حظيت خلال سنوات دراستي بعنايته وتشجيعه ، لما لمسه لديّ من بوادر مَلَكة أدبية. فكان لثقته بي أثر بالغ عزّز حماسي للتعبير بالحروف ، وفتح أمامي آفاقاً أرحب في عوالم الكلمة. وما زلت أعتز بأنني كنت من طلابه الذين خصّهم باهتمامه ، وأحمل له من الوفاء والعرفان ما يليق بأستاذ ترك في وجداني أثراً لا تمحوه السنين.
أما ثالثهم فهو الفنان القدير ياسر العظمة ، الذي استوقفني في تجربته تنوّع مواهبه في التمثيل وفنون الأدب ، وإلمامه بالموسيقى وأدائه اللطيف ، فضلاً عن أعماله الهادفة التي تناولت قضايا الإنسان والمجتمع بأسلوب يجمع بين المتعة وعمق الفكرة. فلم يكن مرآةً للمجتمع … بل كان (مرايا).
وقد وجدت في تجربته ما يلتقي مع ميولي الفنية ، ويعزّز قناعتي بأن الفن جمال وفكر ورسالة ، فكان أثره في مسيرتي كأثر المنارة في رحلة البحّار.
ولعلّ من أعزّ آمالي أن ألقاه يوماً ، فتُهديه يداي ما يروي مكانته عندي ؛ فربما تعجز كلماتي. وإن لم تجمعنا الدنيا ، فأسأل الله أن يجمعنا في الجنة.

ماهر العثمان ينطبق عليه المثل ( سبع صنايع والبخت ضايع )
ما شعورك اتجاه هذا الاحساس ؟

أما «سبع صنايع» ، فلا أدّعي استحقاق هذا الوصف ، ولم يكن تعدّد المهارات غاية أسعى إليها ، وإنما قادني فضولي وحبي للتعلّم والتجربة إلى خوض مجالات مختلفة ، فاكتسبت منها ما استطعت من معرفة ومهارة.
أما البخت ، فأحسب أن الحياة قد أنصفتني فيه بما هو أثمن من الشهرة والمال. فقد حظيت بمحبة الناس ومودتهم ، وأنعم الله عليّ بأسرة مترابطة يسودها الحب والتفاهم ، وهي نعمة لا تعادلها في نظري كنوز الدنيا ولا أضواء الشهرة.
ففضل زوجتي الغالية في مسيرتي كبير ، فقد ساندتني واحتوت طقوسي ، وصبرت على ما يصاحبها من انشغال وفوضى وعناء.
أما ولدَاي الحبيبان ، ففي فخرهما بي واعتزازهما بما أصنع سعادة لا تُقدّر بثمن ، ولهم جميعاً من قلبي كل الحب والامتنان.

لو طُلب منك اختيار عمل واحد فقط ليمثل تجربتك الفنية كاملة فهل ستختار لوحة
أم عمل منحوت أم عملًا من مواد معاد تدويرها، أم قطعة تحمل أكثر من فن؟ ولماذا؟

وهل تستطيع الأم أن تختار من بين أبنائها من هو الأغلى إلى قلبها؟ هكذا أنظر إلى أعمالي الفنية ، فكل منها وُلد من فكرة ورافقته مشاعر ، وبذلت في إنجازه شيئاً من وقتي وجهدي وروحي ، حتى أصبح يحمل مكانته الخاصة في وجداني.
ولكن إن كان لا بد من اختيار عمل واحد يمثّل تجربتي الفنية ، فربما أختار آلة الكمان التي صنعتها لنفسي بيدي ، وأمضيت أربع سنوات في بنائها ، وسنتين أخريين في استكمال تفاصيلها الجمالية. فقد كانت تجربة استثنائية التقت فيها جوانب متعددة من فنوني ومهاراتي.
حضر الفن التشكيلي في جمال التكوين وتناسق الخطوط والانحناءات ، وتجسدت مهارات النحت وتشكيل الخشب في صياغة أجزائها وملامحها بعناية. وكان للحرفة والهندسة دورهما في دقة القياسات والتوازن وفهم الخصائص الميكانيكية والصوتية ، بينما رافقني البحث والتجريب في مواجهة التحديات وإيجاد الحلول ، سعياً إلى بلوغ الصورة التي رسمتها في مخيلتي.
أما الموسيقى ، فقد منحت هذا العمل بُعده الوجداني الأعمق ، إذ لم أكن أصنع قطعة فنية للعرض والتأمل فحسب ، بل آلة أعزف عليها وأعبّر من خلالها عن مشاعري ، لأسمع بأذني ما صنعتُه بيدي.
وهكذا اجتمعت في هذا الكمان عين الفنان ومهارة النحات ودقة الحرفي وعقل الباحث وإحساس الموسيقي. ولا أختاره لأنه أحب أعمالي إليّ بالضرورة ، بل لأنه أقربها إلى تمثيل تجربتي الفنية بمختلف جوانبها.

ماذا تريد أن تترك خلفك؟

أتطلع إلى أن يوفقني الله لإنجاز عمل فني أرجو به الأجر والثواب في الآخرة ، والذكر الحسن في الدنيا ، يحمل رسالة إنسانية وقيمة نافعة ، ويجد فيه من يأتي بعدي ما يستحق التأمل والانتفاع. وما أجمل أن يبقى للإنسان بعد رحيله أثر طيب ، وتظل تصله من خلاله دعوة صادقة.

جات فرصة اليك بمعرض عالمي باسمك لمن ستُهدي أفضل عمل فيه
وما الاسم الذي سيحمله المعرض ؟

( حكايا الروح )
إن كان لي معرض عالمي ، فهذا اسمه.
وسأهدي أفضل أعماله لأول طفل يزور المعرض ، دون أن أعلن عن ذلك مسبقاً ، لعلّها توقد في نفسه شعلة الفن ، فيحملها من بعدي.

في رأيك هل قيمة العمل الفني فيما يراه الجمهور فيه أم في المعنى الذي أراد الفنان التعبير عنه ؟ أم في المسافة بين الاثنين؟

أرى أن العمل الفني يولد مرتين ؛ مرة في وجدان الفنان حين تتشكّل فكرته ، وأخرى في وجدان المتلقي حين يراه بعينيه ويقرؤه بإحساسه.
فالفنان يودع عمله معنى أراد التعبير عنه ، لكنه لا يستطيع أن يملي على الآخرين ما ينبغي أن يشعروا به. وقد يرى أحدهم فيه ما لم يخطر لصانعه على بال ، لا لأن الرسالة ضاعت ، بل لأن الفن الصادق يتسع لأكثر من قراءة ، دون أن يفقد روحه الأولى.
فما أجمل أن أترك في العمل شيئاً من نفسي ، فيعثر فيه المتلقي على شيءٍ من نفسه.

ما الذي لا يستطيع المال تعويضه في العمل الفني؟ وهل مررت بتجربة فضّلت فيها الوفاء لفكرتك على تحقيق مكسب مادي؟

لا أقلّل من أهمية المقابل المستحق للجهد ، لكن هناك أشياء لا يمكن شراؤها أو تعويضها ، كمتعة الاكتشاف ، ولذة تجاوز التحديات ، والرضا العميق عن إنجاز يحمل بصمتي ويوافق قناعتي.
وقد مررت بتجارب فنية كثيرة كان يمكن أن أحقق منها عائداً مادياً ، لكنني آثرت الوفاء لفكرتي والوصول بها إلى الصورة التي تخيّلتها. فقد كانت نشوة النجاح ، حين أرى ما كان مجرد تصور في ذهني يتحول إلى واقع بين يديّ ، أعذب من أي مكافأة أخرى.

لو أتيحت لك فرصة أن تنجز مشروعًا فنيًا كبيرًا فما الفكرة التي ستختارها، وما الذي تريد أن تقوله من خلالها؟

أحمل مشروعاً درستُ جوانبه بعناية ، وأحلم أن أراه واقعاً في صرح متكامل للفنون والأدب ، يجمع بين النشاط التجاري والعمل الخيري والرسالة التعليمية ، ويكون ملتقى للمبدعين من مختلف المجالات ، وفضاءً لعرض أعمالهم وتبادل خبراتهم وتنمية مواهبهم.
وأطمح إلى أن يجمع هذا المشروع بين الاستدامة الاقتصادية والعطاء الإنساني ، فتكون عائداته وسيلة لدعم المواهب ورعاية المبدعين ، وإتاحة فرص التعلّم والتجربة لمن يملكون الشغف وتحدّهم الإمكانات. وأن يجد فيه الفنانون والأدباء ، ولا سيما أصحاب المواهب الناشئة ، من يحتضن إبداعهم ويفتح أمامهم آفاقاً أرحب.
ولا أريده مجرد معرض تُعرض فيه الأعمال ، بل بيتاً للإبداع تتلاقى فيه الأفكار والتجارب ، وتتحول فيه المواهب إلى إنجازات تستحق أن ترى النور.
وأتمنى أن تختصر رسالته عبارة واحدة : (هنا ملتقى الفنانين والأدباء ، ومن هنا ينطلقون).

 

بعد كل هذه التجارب ما الذي لا تزال ترغب في تعلمه أو تنفيذه وتشعر أنك لم تصل فيه بعد إلى ما تطمح إليه؟

رغم تنوّع تجاربي ، لا يزال أمامي الكثير لأتعلّمه وأكتشفه ، فكل معرفة تدعوني إلى خوض تجربة جديدة ، وكل إنجاز يوقظ في نفسي طموحاً آخر. ولا أرى للإبداع حدوداً أقف عندها ، فما زالت في مخيلتي أفكار أطمح إلى تحويلها إلى واقع.

لو استطعت أن تجلس مع فنان من أي عصر كان فمن تختار
وما السؤال الذي ستطرحه عليه؟

أختار الفنان عميد الأدب العربي طه حسين.
وسؤالي له : أستاذنا طه حسين ، وقد بلغتم من العلم والمعرفة مبلغاً عظيماً ، وخبرتم مسالك الفكر والفلسفة ، فماذا أضافت هذه الرحلة إلى يقينكم وأنتم تتأملون أسرار الوجود وعظمة الخلق؟ ألم تجدوا في اتساع المعرفة ما يزيد ذلك اليقين رسوخاً ، ويمنح الروح طمأنينةً لا يبقى معها للشك موضع؟
فالعلم ، مهما اتسعت آفاقه وتعمّقت مسالكه ، فمُنتهَاه الإيمان.

ما النصيحة التي كنت تتمنى أن تسمعها في بداياتك قبل أن تخوض كل هذه التجارب؟

كنت أتمنى لو تلقيت نصيحة أن أستثمر هواياتي وموهبتي بشكل عملي.

بكلمة واحدة كيف تصف علاقتك بالفن؟ ولماذا اخترت هذه الكلمة؟
(التماهي)
اخترت هذه الكلمة لأنني لم أجد مفردة أخرى في اللغة العربية تسعفني للتعبير عن علاقتي بالفن ، بما تحمله من معنى فلسفي عميق لعملية لا شعورية من الترابط والانصهار.

رسالة لمن ترسلها من خلال هذا اللقاء ؟

رسالتي لكل الناس : جبر الخواطر لا يكلّف شيئاً ، لكنه يحيي قلوباً مكسورة.

بعد رحلتك الطويلة مع الفن ، وقد أصبح جزءاً منك ، لو عاد بك الزمن إلى البداية ، هل تختار طريق الفن مرة أخرى أم تسلك طريقاً آخر؟

رغم عشقي للفن ومكانته في نفسي ، فإجابتي : لا.
كنت سأختار الطب ، لا بوصفه مجرد مهنة ، وإنما رسالة إنسانية أسخّر لها كل ما وهبني الله سبحانه وتعالى من قدرات وإمكانات لخدمة الناس.
أما الفن ، فسيبقى رفيقي في رسالتي وهوايتي الحبيبة.

*************************************

وفي نهاية هذا اللقاء اعترف بعد مشوار طويل في الصحافة وفي قسم الحوارات واللقاءات اجزم انه من افضل اللقاءات التي تشرفت بها
فقد غصت في محيطات من الإبداع وحلقت مع شخصية تحمل من الإنسانية ما جعلت لإبداعها تميز مختلف و يبقى ماهر العثمان نموذجًا للفنان الذي لا يكتفي برؤية الجمال بل يخلقه حيث لا يراه الآخرون ويحوّل الخامات إلى أعمال تنبض بالحياة والخيال إلى واقع والفن إلى حكاية إنسانية تتجاوز حدود الشكل والمادة. فبعض الفنانين يصنعون أعمالًا تُرى أما هو فيطمح إلى أن يصنع أعمالًا تُلامس الروح وتبقى في الذاكرة… لأن الإبداع الحقيقي ليس فيما تصنعه اليد فحسب بل فيما تتركه الروح من أثر ..

 

 


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com