مغالطة “المهن المضطربة”: عندما تسقط الدراسات النفسية في فخ الإثارة الصحفية
04 نوفمبر 2026
0
495

عزة الغامدي

تناقلت بعض المنصات الإخبارية مؤخراً، بشيء من الإثارة والغرابة، عناوين تزعم أن مهنتي “الصحافة والمحاماة” تصدرتا قائمة المهن التي يمارسها أشخاص “مضطربون عقلياً”. وفي حين أن مثل هذه العناوين قد تصنع رواجاً مؤقتاً أو نقرات إلكترونية سريعة، إلا أن تفكيكها علمياً ومنهجياً يكشف عن عمق السطحية في الطرح، والتشويه المتعمد والمغلوط لنتائج الدراسات النفسية الرصينة.
القصة تبدأ من القراءة الخاطئة للكتاب الشهير لعالم النفس البريطاني كافين دوتشان (Kevin Dutton) المعنون بـ “الحكمة في السيكوباتية”. إن الدراسة لم تتحدث يوماً عن “مرضى عقليين” بالمعنى السريري أو الجنائي، بل رصدت ما يُعرف بـ “السمات النفسية الصلبة وظيفياً” (Functional Traits) التي تفرضها طبيعة بعض المهن القيادية. وهنا يكمن الفارق الشاسع الذي أسقطت الإعلام العربي في فخ الترجمة والتأويل السطحي؛ حيث تم خلط “الصلابة النفسية” بالاضطراب العقلي.
إن نقد هذا الطرح المتداول يستند إلى حقائق موضوعية لا يمكن تجاوزها:
أولاً: قلب الحقائق العلمية وتشويه “الصلابة النفسية”
ما رصدته الدراسة الأصلية ليس خللاً في الدماغ، بل هو امتلاك ممارسي هذه المهن لمهارات استثنائية مثل: القدرة على العمل تحت الضغط الشديد، اتخاذ القرارات بعقلانية باردة في الأزمات، والجسارة في مواجهة المواقف المعقدة. هذه السمات القيادية، التي تُعد شرطاً موضوعياً لنجاح أي صحفي ميداني أو محامٍ أمام منصات القضاء، تم “شيطنتها” وتحويرها ليصبح أصحاب “الأعصاب الفولاذية” في نظر العناوين المضللة “مضطربين”!

ثانياً: تجاهل النوازع الإنسانية النبيلة
تدعي القراءات القاصرة لتلك الدراسة أن السعي وراء هذه المهن ينبع من الرغبة في “النفوذ والسلطة”. وهذا تجنٍّ صارخ يغفل عقيدة الممارسة الحقيقية؛ فالصحافة في جوهرها شغف بالبحث عن الحقيقة، وكشف المستور، ونقل معاناة الشعوب، وهي رسالة تنطوي على تضحيات جمة وإيثار يعرّض صاحبه للمخاطر. وبالمثل، تقوم المحاماة على حماية الحقوق، ونصرة المظلومين، وتفكيك القوانين المعقدة لتحقيق العدالة. إنها مهنٌ تتغذى على “الضمير الحي”، والضمير هو أول ما يفتقده المضطرب حقيقةً.

ثالثاً: الخلط بين “أدوات المواجهة” و”السلوك الفردي”
يتطلب النضال القانوني والعمل الإعلامي ذكاءً عاطفياً وميدانياً من طراز رفيع. فالصحفي بحاجة للجرأة لاقتحام بيئات الخطر لنقل الخبر دون ذعر، والمحامي يحتاج لتنحية العواطف جانباً ليتمكن من الدفاع عن موكله بوعي وقانون. إن استخدام هذه الأدوات المهنية الصارمة داخل بيئة العمل لا يعكس سلوكاً عدائياً أو شخصية مضطربة في الحياة الشخصية، بل هو “الفصل المهني الواعي” الذي يحمي الرسالة ويضمن استمرارها.
ختاماً: حصون الوعي والعدالة
إن مهنتي الصحافة والمحاماة ستظلان دائماً “حصون العدالة والوعي في المجتمعات المعاصرة”. وما تحاول التفسيرات السطحية والدراسات المبتورة وصمه بـ “الاضطراب”، ليس في حقيقته سوى “الصلابة النفسية الاستثنائية” التي يتحلى بها فرسان الكلمة والقانون. نحن لا نعيش اضطراباً، بل نمارس صموداً في خطوط المواجهة الأولى لتوعية المجتمع وحماية حقوقه، في مواقف قد ينهار في عتباتها الآخرون.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com