د. وفاء ابوهادي – ش ا س
أمسية وفاء توثّق حكاية ( العميد ) في ذاكرة جدة الشعبية..
وأغانٍ اتحادية تعيد الأفراح وحنين البدايات
ليست الأندية الكبرى مجرد أسماء تتصدر منصات التتويج ولا بطولات تُضاف إلى خزائن التاريخ فثمة حكايات أعمق تسكن الأزقة القديمة وتختبئ في تفاصيل البيوت الشعبية وتنبض في ذاكرة أجيالٍ كبرت على حب الشعار وتوارثت الانتماء كما تتوارث المدن ملامحها وهويتها ..
ومن قلب جدة القديمة حيث تختلط حكايات البحر بذكريات الحارات استعاد الاتحاد شيئًا من روحه الأولى في أمسية أعادت إلى الأذهان زمنًا جميلاً من الوفاء والعشق الاتحادي تزامنًا مع الاستعدادات للاحتفاء بمئوية تأسيس النادي العريق.
وفي إطار التحضيرات الإعلامية للاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس نادي الاتحاد اختار المركز الإعلامي بالنادي أن تكون بعض مشاهد التوثيق من قلب الأحياء الشعبية التي احتضنت حكايات الاتحاديين فكانت الوجهة حي الرويس الشعبي بجدة وتحديدًا حارة البحّارة حيث احتضنت ديوانية النخلة الاتحادية مشاهد نابضة بالذاكرة عكست بساطة المكان وصدق المشاعر وعمق العلاقة التي جمعت الاتحاد بأبنائه عبر الأجيال.
وجاءت فكرة التصوير لتتجاوز حدود التوثيق التقليدي مستحضرةً تفاصيل الحياة الاتحادية في زمنها الجميل حين كانت الانتصارات تتحول إلى أفراح تعم الحارات وتصبح البطولات مناسبة يشارك فيها الجميع من دون حواجز أو تكلف في مشهد يجسد كيف أصبح الاتحاد جزءًا من الوجدان الشعبي لمدينة جدة ورمزًا تتقاطع عنده الذكريات والانتماءات والأحلام.
كان للأغنية نصيبها من هذه الرحلة إلى الماضي إذ شهدت الأمسية جلسة فنية شعبية أحياها الفنان القدير حمد محبوب وسط حضور من عشاق الاتحاد ومحبيه استعادوا معه مجموعة من الأغاني التي ارتبطت بتاريخ النادي وذاكرة جماهيره.
واستهل محبوب وصلته بأغنية
(أنا دمي اتحادي )
من كلمات الكاتب والإعلامي صالح العمودي قبل أن ينتقل بالحضور إلى أجواء أغنية ( ياما لعبنا في الصبان ) التي استحضرت ذكريات الملاعب والأيام الخوالي ثم أتبعها بأغنية ( إتي إتي يا در يا الماس ) في أجواء غلبت عليها مشاعر الفخر والاعتزاز بتاريخ النادي وإنجازاته.
ومع كل أغنية كانت الذاكرة تستعيد مشاهد من زمن مضى مدرجات تعج بالأصوات ووجوه تتقاسم فرحة الفوز وحكايات لا تزال حاضرة في وجدان من عايشوا تلك السنوات ..
ولم تكن الأغاني مجرد فقرات فنية في أمسية احتفالية بل بدت وكأنها مفاتيح تفتح أبواب الذاكرة الاتحادية وتعيد وصل الحاضر بماضٍ صنع كثيرًا من ملامح الهوية الرياضية والاجتماعية لجدة.
وأعرب الفنان القدير حمد محبوب عن سعادته بالغناء لجماهير الاتحاد والمشاركة في هذه المناسبة التاريخية مؤكدًا اعتزازه بأن يكون حاضرًا في احتفالات النادي بمئوية تأسيسه في مشهد يجمع الفن بالذاكرة والوفاء بنادٍ ارتبطت به حكايات أجيال من المحبين.
وشهدت الأمسية حضور قناة ( جدة اليوم ) لتغطية الحدث إلى جانب الشاعر عبدالرحمن الحداد كاتب أغنية مسلسل
( حارة الشيخ ) الذي وثّق جانبًا من أجواء الحواري الشعبية في جدة التاريخية بما تحمله من تفاصيل اجتماعية وإنسانية تعكس روح المكان وخصوصيته.
وأبدى الحداد سعادته بالمشاركة في هذه المناسبة فيما كرّمه أبناء الحي تقديرًا لعمله الفني الذي أسهم في استحضار ملامح من ذاكرة جدة الشعبية في لفتة جسدت تقدير المجتمع المحلي لكل جهد يحفظ تراث المدينة ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة.
كما تضمنت الفعالية لقاءات وتصويرًا مع عدد من مشجعي الاتحاد الذين استعادوا ذكرياتهم مع النادي ومواقفهم التي ارتبطت بمسيرته لتتحول شهاداتهم إلى حكايات شخصية تختصر جانبًا من علاقة الجماهير بناديها وتكشف كيف ظل الاتحاد حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية لا في الملاعب وحدها.
وبين عدسات التصوير وأصوات الأغاني ودفء اللقاءات بدت الأمسية أكثر من مجرد محطة ضمن الاستعدادات الإعلامية للمئوية فقد كانت احتفاءً بالإنسان الذي صنع ذاكرة الاتحاد وبالأحياء التي احتضنت أفراحه وبالجماهير التي ظلت على امتداد السنوات تحفظ للنادي مكانته في قلوبها.
واختُتمت الأمسية بتناول الحضور وجبة العشاء التي قدمها المركز الإعلامي بنادي الاتحاد وسط أجواء ودية عكست كرم الضيافة وأصالة أبناء الحي.
من جانبه، وجّه المخرج محمد سلامة وفريق عمل التصوير الشكر إلى أبناء حي الرويس وحارة البحّارة على حسن الاستقبال وكرم الضيافة مثمنين تعاونهم ومشاركتهم في إنجاح هذه التجربة التوثيقية.
وهكذا ومن بين جدران الحارة ودفء الديوانية وصدح الأغنيات الاتحادية استعاد ( العميد ) صفحة من حكايته الممتدة مؤكّدًا أن مئة عام من التاريخ لا تختصرها الكؤوس وحدها فهناك ذاكرة شعبية حيّة، وأغانٍ لا تشيخ وقلوب لا تزال تهتف بالحب ذاته وكأن البدايات لم تغادر المكان يومًا.

This site is protected by wp-copyrightpro.com