Latest News
من ساحات الدمام إلى ملاعب الشرقية.. صلاح الريح يوثق مسيرة الرياضة السودانية وجسور التواصل السعودي السوداني
18 أغسطس 2026
0
4752

د/شذى على مختار

في صفحات التاريخ الرياضي بالمنطقة الشرقية، لم تكن كرة القدم مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل كانت مساحة للتعارف والتواصل، وجسرًا جمع أبناء الجالية السودانية بأشقائهم في المملكة العربية السعودية، وأسهم في بناء علاقات إنسانية ورياضية امتدت عبر عقود.
ومن بين الذين عاصروا تلك البدايات وأسهموا في تأسيس النشاط الرياضي السوداني بالمنطقة الشرقية، يبرز الرياضي المعروف صلاح الريح، الذي يستعيد في هذه الشهادة جانبًا من الذاكرة الرياضية، منذ البدايات الأولى في سبعينيات القرن الماضي، مرورًا بتكوين الفرق وتنظيم الدورات الرمضانية، وصولًا إلى تطور الكيانات الرياضية واستمرار عطائها.
وفي شهادته، لا يتحدث صلاح الريح عن تجربته الشخصية فقط، بل يستحضر أسماء رجال رحلوا، وفرقًا شاركت، وملاعب احتضنت المنافسات، وشخصيات سعودية ساندت النشاط الرياضي السوداني، لتبقى تلك المرحلة جزءًا من الذاكرة المشتركة.
يقول صلاح الريح:
«بخصوص بداية تأسيس النشاط الرياضي السوداني بالمنطقة الشرقية، حسب علمي أن الوجود السوداني ضارب في قديم الزمان، وقد وصلنا للمنطقة عام 1976 ميلادي، وسمعنا ببعض الإخوان لديهم تمارين غير منتظمة».
وكان من بين هؤلاء في الدمام الأخ مبارك كرار من أبناء الحماداب، ومجموعة من الميكانيكيين في ورشة المرحوم أحمد تايوتا، وفي الخبر المرحوم الجوكر والمرحوم المقبول الباشا.
«و كانت تمارين تنشيطية وأحيانًا مباريات مع بعض فرق الحواري، لكن في صورة مبسطة جدًا».
وفي نهاية عام 1976، تم تكوين فريق في الدمام، وسافر الفريق إلى الأحساء لملاقاة فريق سوداني هناك بقيادة المرحوم محمد صالح كوبر والدقيل وفريد كابو وآخرين.
وكان الفريق في الدمام آنذاك يتمرن أيام الجمع فقط في ساحات ترابية، وظل النشاط حتى تلك المرحلة متقطعًا.
«في عام 1979 زارني المرحوم أحمد خليفة موسى المشهور بلقب حموري، وهو رياضي معروف، زارني في العمل وطرح عليّ فكرة تكوين فريق سوداني، وهو أيضًا كان مساعد مدرب متعاون في فريق النهضة السعودي بالدمام».
ويقول إنه رحب بالفكرة، وبدأ مع حموري في التواصل مع اللاعبين السودانيين، وجمع عددًا مقدرًا يكفي لانطلاق التمارين، مع التركيز على من سبق لهم اللعب في الأندية السودانية، لإنجاح التمارين وإضفاء جانب المتعة الكروية لجذب الجمهور السوداني.
«وفعلًا الانطلاقة كانت جدًا رائعة ومبشرة، وازداد عدد اللاعبين أصحاب المستويات الجيدة، وانضم إلينا حاج الطيب، أمد الله في عمره، وكذلك أحمد صالح لاعب الهلال السوداني».
مع توسع النشاط، ظهرت الحاجة إلى إيجاد ملاعب للتدريب خلال أيام الأسبوع مساءً، خصوصًا أن هناك شحًا كبيرًا في الملاعب.
«فاستخدمت أنا بطاقتي الجامعية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وكنت بحجز الملعب 3 مرات في الأسبوع، حيث كان يسمح لحاملي البطاقة الجامعية حجز الملاعب».
واستمر الفريق على هذا النهج، وشارك في الدورات الرمضانية، ومن أشهرها دورة نادي القادسية السعودي، وكذلك أندية النهضة والاتفاق، إلى جانب مباريات مع الجاليات البريطانية واليمنية وفرق الحواري السعودية.
ومع مرور الوقت، أصبح الفريق معروفًا جدًا في المنطقة بين الأوساط الرياضية.
عام 1980.. الإدارة الرسمية والدورات الرمضانية
يقول صلاح الريح:
«قررنا عمل إدارة رسمية للفريق تتولى كافة الشؤون الإدارية».
وقد تم الاتفاق في عام 1980 على أن يكون الرئيس الراحل يوسف يعقوب، ونائبه خليفة حاج الصديق، وأمين المال أحمد حسين، ونائبه مهدي، والمدرب مدني العقاب، إلى جانب بقية أعضاء اللجنة.
كما تم الاتفاق على إقامة دورة رياضية رمضانية كل عام تحت إشراف فريق الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية، وهو اسم الكيان الجامع في ذلك الوقت.
ملعب الميناء.. خمس سنوات من المنافسات
«وحصلنا على ملعب الميناء حصرًا لفريق الجالية السودانية وتسلمنا مفتاح الملعب من سليمان عبدالعال عضو الشرف الاتفاقي، ومساعدة كل من المدرب القدير خليل الزياني واللاعب الكبير صالح خليفة».
وأقيمت الدورات على الملعب لمدة خمس سنوات، وشاركت فيها فرق عديدة، من بينها فريق جوازات المنطقة الشرقية، وشركة سكيكو، ونجوم الجلوية، والدواسر، وآخرون.
كما التحق فريق الرابطة العريق كأول فريق سوداني بدورة الجالية السودانية، بعد أن انفصل عن فريق الجالية نتيجة زيادة عدد اللاعبين.
وكانت لدى بعض الإخوة رؤية لتكوين كيان آخر، وهو ما أيده صلاح الريح، وشارك في أول جلسة تكوينية للفريق، كما ساهم في إيجاد ملعب شركة ساكو في طريق الميناء.
ملعب الجوازات.. محطة بارزة في المسيرة
انتقل النشاط بعد ذلك إلى ملعب الجوازات في حي الأثير، حيث تم تسلم الملعب بأمر من اللواء سعد الراجحي ليكون ملعبًا حصريًا لفريق الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية.
وفي تلك الفترة أصبحت الدورات الرمضانية حديث الناس، لما شهدته من قوة المنافسات والأداء الممتع، ووجود أسماء لامعة جدًا في كرة القدم السعودية، من بينهم عمر باخشوين، ومروان الشيحة، وسلمان النمشان، وفيصل الدين، وجمال الفرحان، وعادل المجنون، وآخرون كثر.
وكان رئيس لجنة التحكيم في الدورات الأستاذ عمر المهنا، الذي ترأس لجنة الحكام في الاتحاد السعودي.
أما الأيام الختامية فكانت تقام برعاية كريمة من اللواء سعد الراجحي، ومندوب من رعاية الشباب، وممثلي أندية الاتفاق والنهضة والقادسية، وسط حضور إعلامي كبير ومميز، ومتابعة من كشافي الأندية وجمهور عريض.
من «دورة الجالية السودانية» إلى «دورة جوازات المنطقة الشرقية»
هذا الزخم الكبير والنجاح الباهر حاز على إشادة وإعجاب اللواء سعد الراجحي، مدير جوازات المنطقة الشرقية آنذاك، الذي استأذن القائمين على الدورة لتسميتها باسم «دورة جوازات المنطقة الشرقية» بدلًا من «دورة الجالية السودانية».
وكان ذلك، بحسب صلاح الريح، فخرًا وتكريمًا لهم، وإيمانًا منهم بدعمه المتواصل، فوافق الجميع، وسط فرحة وسرور وتصفيق حار من الحاضرين.
بعدها أصدر اللواء سعد الراجحي أمرًا بتسليم مفتاح ملعب الجوازات ليكون مقرًا رسميًا وحصريًا لفريق الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية.
«استمر هذا الحق زهاء 10 سنوات».
وفي استكماله للحديث عن المسيرة الرياضية للسودانيين في المنطقة الشرقية، يشير صلاح الريح إلى كثير من الرياضيين الذين قدموا منذ أوائل الثمانينيات، فمنهم من توفاه الله، ومنهم من غادر السعودية، بينما بقي عدد قليل منهم في المملكة.
وشارك فريق الجالية بعد توقف دوراته الرياضية في بطولة السفارة السودانية، باشتراك ثلاثة فرق هي: الدمام والأحساء والرياض.
بعدها تجمد النشاط على مستوى البطولات، حتى قامت الرابطة الرياضية وحملت الراية لمدة ليست بالقصيرة.
ثم تكونت رابطة السودان الرياضية الموجودة حاليًا بالساحة، بنشاطها الذي ملأ الفراغ، وما زال عطاؤها مستمرًا إلى الآن.
وقد ساهمت في تأسيس هذا الكيان الكبير مع نفر كرام قدموا الغالي والنفيس للنهوض برفعة هذا الكيان، ووصل دعمهم إلى المنتخب القومي.
وفي الختام
«أولًا أشكر المملكة العربية السعودية لدعمها الكبير في أنشطتنا الرياضية وتذليل كافة العقبات في ذلك وتوفير الملاعب لنا منذ تواجدنا في هذا البلد المضياف».
وأشكر جميع الزملاء الذين عملوا معي طوال هذه المسيرة، وإدارات رابطة السودان الرياضية المتعاقبة على جهودها في تسيير النشاط، وكل الفرق الرياضية التي دعمتني وكرمتني خلال هذه المسيرة.
ويخص بالشكر الإخوة في رابطة السودان على تخصيص دورة باسمه، معتبرًا ذلك «وسام شرف» يعتز به ما حيِي.
ويستذكر صلاح الريح عددًا من الذين غيبهم الموت، وما زالوا في حنايا القلب:
اللواء أبوايمن كمال عباس ، والعميد صديق بابكر، والصادق بابكر، وشهاب علي سليمان، وكمال شريف، وعثمان أحمد الحاج، وشريف محمد محمود، ومجدي الأمين، وغسان بشري سعيد و ايهاب عبد الحميد (بطانية)
كما يوجه الشكر إلى الأحبة في الأحساء، وعلى رأسهم:
الريس الغالي محمد جعفر، والريس كوتش صلاح بوكو، والريس محمد إدريس، والطريفي حاج أحمد، وشيخ الأمين، وعبدالوهاب مجمد علي، وعثمان أبوحنين، وعبدالكريم.
ويقول عن أبناء الدمام والخبر والجبيل:
«وإذا تحدثت عن الدمام والخبر والجبيل فلن يكمل الحديث لأني والله أعزهم أجمعين فردًا فردًا وصعب حصر هذا الكم الهائل».
وفي ختام شهادته، يقدم صلاح الريح اعتذاره لكل من أخطأ في حقه بقصد أو دون قصد، قائلًا إن لهم جميعًا السماح التام والعفو والعافية.
ويختتم حديثه بالشكر على إتاحة هذه السانحة لإلقاء الضوء على جزء مختصر جدًا من تاريخه الرياضي بالشرقية.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com