حين كبرت عرفت ماذا فقدت …
20 يونيو 2026
0
1485

 

نجود عبدالله النهدي

في يوم الأب العالمي، يكتب الكثير عن آبائهم.

أما أنا، فأفكر في فكرة مختلفة تمامًا.

أفكر أن بعض الخسارات لا تؤلمنا عندما تحدث، بل تؤلمنا عندما نفهمها.

لقد فقدت والدي وأنا في عمرٍ لم يسمح لي بفهم معنى الفقد.

لم أكن أعرف آنذاك أن الحياة كانت تسحب من أيامي شيئًا لن يعود أبدًا.

كبرت كأي طفلة أخرى.

ذهبت إلى المدرسة.

ضحكت.

لعبت.

وحفظت أسماء الأشياء من حولي.

لكن الحياة كانت تؤجل لي درسًا طويلًا عن معنى الأب.

وفي كل مرحلة من عمري كانت تكشف لي جزءً منه.

كلما كبرت، فهمت أكثر.

وكلما فهمت أكثر، عرفت ماذا فقدت.

فهمت أن الأب ليس ذلك الرجل الذي يجلس في آخر المجلس فقط.

وليس الاسم الذي يُكتب في الأوراق الرسمية.

الأب شعور خفي يشبه الطمأنينة.

وجود لا ننتبه إلى عظمته إلا حين يغيب.

وظلٌّ كبير لا نشعر بقيمته إلا عندما نقف تحت شمس الحياة وحدنا.

ولهذا أؤمن أن أصعب أنواع الفقد ليست تلك التي تحدث مرة واحدة، بل تلك التي يعيد العمر شرحها لنا كل سنة.

كلما مررنا بمحطة جديدة.

كلما احتجنا إلى كلمة دعم.

كلما خفنا.

كلما نجحنا.

كلما تمنينا أن نشارك أحدًا فرحتنا أو تعبنا.

في كل مرة كان الغياب يعرّف نفسه من جديد.

لكن الله، في حكمته، لا يغلق بابًا إلا ويفتح بابًا آخر من رحمته.

فبعد أن فقدت أبي مبكرًا، كانت أمي هدية الله التي أبقتني واقفة.

ولم تكن تعلم، وهي تحاول أن تحمينا من الحياة، أنها كانت تنقذنا من أشياء كثيرة لا نراها.

كبرنا على قلبها.

وعلى دعواتها.

وعلى خوفها علينا.

وعلى قوة لم تكن تتحدث عنها أبدًا.

واليوم، حين يأتي يوم الأب العالمي، لا أتوقف عند فكرة الفقد.

بل أتوقف عند فكرة أخرى أكثر عمقًا:

كم من النعم نعيشها كل يوم دون أن ندرك قيمتها؟

وكم من الأشخاص لا نعرف حجم حضورهم إلا بعد أن يتحولوا إلى ذكرى؟

رحم الله أبي…

فقد علّمني غيابه ما لم أتعلمه من حضوره.

وحفظ الله أمي…

فقد علّمتني أن بعض القلوب تحمل من الغياب ما يكفي لانكسارها، ثم تمضي في الحياة وهي تمنح الحب للجميع.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com