دهشة البدايات
05 نوفمبر 2026
0
198

 

د. زامل عبدالله شـعراوي .

ثمة شعور جميل ينتاب الإنسان حين يستعد لخوض تجربة مختلفة، شعور قد يبدأ قبل أن تحدث التجربة نفسها، وكأن السعادة قررت أن تسبقه إلى لحظته الجديدة. نراه بوضوح لدى من يستعدون للسفر تتغير ملامحهم، وتزداد حماستهم وينشغلون بالتخطيط للأماكن التي سيزورونها والتجارب التي سيعيشونها ، وقد قرأت ذات مرة فكرة لافتة تتحدث عن أن سعادة الإنسان في يوم سفره قد تفوق سعادته في مناسبات كبيرة من حياته، ومنها يوم زواجه. وبعيداً عن دقة هذه المقارنة أو مصدرها، فإن الفكرة تستحق التأمل فما الذي يجعل مجرد الاستعداد لتجربة جديدة يمنحنا كل هذا الشعور بالفرح ؟
ربما تكمن الإجابة في حاجتنا الإنسانية إلى التغيير، فنحن نعيش معظم أيامنا وسط إيقاع متشابه ، نستيقظ على مواعيد محددة ، ونمضي بين مسؤوليات العمل ومتطلبات الحياة والتزامات الأسرة حتى تصبح الأيام متشابهة إلى درجة أننا نؤدي تفاصيلها أحياناً دون أن نشعر بها ومع مرور الوقت، قد لا يتعبنا ما نفعله بقدر ما يتعبنا تكراره بالطريقة نفسها وهنا تأتي أهمية التغيير، لا باعتباره هروباً من حياتنا أو تنكراً لمسؤولياتنا، وإنما بوصفه فرصة لاستعادة شيء من الشغف الذي قد تستهلكه الأيام المتشابهة.
واللافت أن متعة التجربة الجديدة لا تبدأ دائما عند حدوثها، بل قد تبدأ منذ اتخاذ القرار بها. يكفي أن نخطط لشيء نحبه، أو ننتظر موعداً مختلفاً، أو نفكر في مكان لم نزره من قبل ، حتى نشعر بأن هناك شيئاً جميلا ينتظرنا وربما لهذا السبب يمنحنا السفر شعوراً بالبهجة قبل الوصول إلى الوجهة لأننا لا ننتظر مكانًا جديدا فحسب، بل ننتظر أياما مختلفة، نتحرر فيها مؤقتا من بعض ما اعتدناه ، ونمنح أنفسنا فرصة للاكتشاف والاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة.
لكن التغيير لا يعني بالضرورة السفر أو الإنفاق أو البحث عن تجارب مكلفة، فليس كل إنسان قادراً على السفر متى أراد، وليس من العدل أن نربط السعادة بقدرتنا المادية قد يكون التغيير في نزهة قصيرة، أو لقاء مع أشخاص نحبهم ، أو قراءة كتاب مختلف ، أو تعلم مهارة جديدة ، أو حتى تخصيص وقت لأنفسنا بعيداً عن ضغوط العمل والانشغال المستمر، فالأمر لا يتعلق بحجم التغيير بقدر ما يتعلق بأثره في نفوسنا، وبقدرته على إخراجنا من دائرة التكرار إلى مساحة نشعر فيها بالحيوية والتجدد.
المشكلة أننا كثيرا ما نؤجل راحتنا إلى حين انتهاء مسؤولياتنا، وننتظر الظروف المثالية لنفعل ما نحب، بينما تمضي الأيام ولا تنتهي الالتزامات ، ننشغل بتأمين متطلبات الحياة إلى درجة أننا قد ننسى الاستمتاع بها، ونؤجل لحظات الفرح وكأنها أمر يمكن تعويضه في أي وقت ، والحقيقة أن الحياة ستظل مليئة بالمسؤوليات، لكن ذلك لا يعني أن نتركها تستحوذ على كل أوقاتنا، أو ننسى أنفسنا ونحن نسعى إلى تلبية متطلبات الآخرين.
لسنا بحاجة إلى تغيير حياتنا بالكامل كي نشعر بالفرق، فقد تكفي خطوة صغيرة أو عادة جديدة أو قرار نمنح به أنفسنا بعض الوقت ، المهم ألا نسمح للروتين بأن يجعل أيامنا نسخًا متشابهة ، وألا ننتظر مناسبة كبيرة حتى نشعر بأننا نستحق الفرح ، فالحياة لا تتجدد دائمًا بتغييرات كبيرة، بل قد تبدأ من تفاصيل بسيطة نقرر أن نراها بطريقة مختلفة.
وقفة:
أحياناً لا نحتاج إلى مكان جديد ، بل إلى شعور جديد يعيد إلينا شغف .


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com