ما بعد الاختبارات: مسؤوليات لا تنتهي بانتهاء آخر ورقة
20 يونيو 2026
0
1683

 

عبدالرحمن جبران

تنقضي أيام الاختبارات بحملها الثقيل وتوترها السائد، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة لا تقل أهمية عن فترة الدراسة نفسها؛ مرحلة حصاد النتائج، والتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأوراق. في هذه المحطة الانتقالية، تتنحى “طوارئ المذاكرة” جانباً، لتبدأ مرحلة أعمق عنوانها “بناء النفس واحتواء الموقف”. وهنا، تتبدل أدوار الأسرة وتتكامل في نسيج واحد، حيث يلتف الجميع حول مركب واحد يتشارك فيه الجميع الحقوق والواجبات.
أولاً: الأب.. قائد السفينة وصمام الأمان
يقف الأب في هذه المرحلة كقائد للمسيرة، ومصدر للأمان النفسي. تبدأ مسؤوليته من لحظة ظهور النتائج؛ فإن كانت ممتازة، بادر بالثناء والمكافأة، وإن جاءت دون التوقعات، تجلى دور الحكيم في كظم الغيظ، والابتعاد تماماً عن التوبيخ الجارح أو المقارنات المدمرة؛ فالابن في هذه اللحظة يحتاج أباً يثق به لا قاضياً يحاكمه.
هذا الاحتواء النفسي يمهد الطريق لجلسة تقييم هادئة وموضوعية، لا تهدف إلى اللوم، بل لتفنيد أسباب التقصير ووضع خطة علاجية للمستقبل، يتلوها مكافأة الأبناء بمساحة من الترفيه والترويح عن النفس (رحلة، نزهة، أو ليلة عائلية مميزة) تقديراً لجهدهم.

وفي مقابل هذه الواجبات، تبرز حقوق الأب المشروعة:
فالقائد الذي وفر المتطلبات طوال العام يستحق من أبنائه كل الاحترام والتقدير، كما أن توفيره للأمان يمنحه الحق في “الشفافية والصدق”، بحيث لا يخفي الأبناء عنه نتائجهم الحقيقية خوفاً، بل يشاركونه إياها ثقةً بإنصافه.

ثانياً: الأم.. مستودع العاطفة والمنظم اليومي
إذا كان الأب هو الأمان، فالأم هي الملاذ والعاطفة التي تخفف من وطأة التوتر؛ إذ يتجه الأبناء نحوها غريزياً بحثاً عن الطمأنينة بأن حبها لهم غير مشروط بـ “درجات” على ورق. ولا يقف دورها عند الدعم العاطفي، بل يمتد ليكون تنظيماً وعملاً؛ فهي المهندسة التي تعيد ضبط وتيرة الحياة اليومية تدريجياً بعد فوضى السهر، من خلال تنظيم ساعات النوم والتغذية السليمة.
ومع بداية الإجازة، تدير الأم طاقات أبنائها بذكاء، فتساعدهم على اختيار أنشطة مثمرة (كالقراءة، الدورات، أو الرياضة) حتى لا تضيع عطلتهم رهينة للشاشات.
هذا العطاء المستمر يتبعه بالضرورة حقوق للأم لا غنى عنها:
فبعد سهر المتابعة وجهد الطبخ، من حق جسدها وفكرها أن ينالا قسطاً من الراحة، وأن يبادر الأبناء بمساعدتها في شؤون المنزل كنوع من رد الجميل. كما أن من حقها أن تجد آذاناً صاغية لـتوجيهاتها ونصائحها في تنظيم وقت الإجازة دون تذمر أو تململ.
ثالثاً: الابن.. محور العملية والمسؤول الأول
في قلب هذه المنظومة يقف الابن، الذي انتهت اختباراته لكن لم تنتهِ مسؤولياته. الواجب الأول الذي يواجهه هو الشجاعة في تحمل المسؤولية؛ بأن يواجه نتيجته بصدق، فيعترف بنقاط ضعفه وتقصيره دون إلقاء اللوم دائماً على الظروف أو صعوبة الأسئلة.
يلي ذلك واجب الامتنان والبر؛ عبر المبادرة بشكر والديه على كل ما قدماه له من دعم مادي ونفسي. وأخيراً، يأتي واجب استثمار الوقت؛ فالإجازة وإن كانت حقاً للراحة، إلا أن الراحة لا تعني الخمول والنوم نهاراً والسهر ليلاً، بل تعني الانتقال إلى أنشطة ممتعة تنمي شخصيته وعقله.
ولأن المسؤولية متبادلة، فإن للابن حقوقاً أصيلة على والديه:
الراحة والترفيه: التخلص من ضغوط المذاكرة والاستمتاع بإجازته دون شعور بالذنب أو الملاحقة باللوم.
القبول والدعم: أن يشعر بأن قيمته ومكانته في الأسرة لا تهزها عثرة دراسية، وأن يجد يداً تمتد لتنهضه وتحفزه، لا لتضغط عليه وتثبطه.

إن مرحلة ما بعد الاختبارات ليست مجرد وقت مستقطع بل هي الجسر الذي يعبر بالأسرة من عام دراسي مضى إلى عام جديد مقبل. وعندما تتكامل الأدوار ويعرف كل فرد ما له وما عليه، تتحول هذه الفترة من “أزمة نتائج” إلى “فرصة حقيقية”؛ لتمتين الروابط الأسرية والتعلم من الأخطاء، والانطلاق نحو المستقبل بروح معنوية عالية وثقة متجددة.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com