Latest News
نبض وروح الجدار ذاكرة الوقت وحارس ايقاع الحياة
02 مايو 2026
0
2475

 

سلطان سعيد 
كغيرها ممن تسلطت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عليهم وحيدتهم وأبعدتهم عن الزمان والمكان ساعة الحائط ولمن لم يعاصر هذه الجميلة فقد كان لها في البيوت القديمة سلطة غير معلنة تشبه سلطة كبار العائلة لا تتحدث كثيرا لكنها حين تتكلم يسمعها الجميع صوتها تك تك لم يكن مجرد حركة ميكانيكية بل كان بيان حضور دائم يذكرك ان الزمن لا يجامل ولا ينتظر احدا

كانت معلقة في مكان استراتيجي لا يختاره الديكور بل تفرضه الهيبة صدر المجلس او منتصف الصالة بحيث تقع تحت بصر الجميع حتى من لا يريد ان ينظر اليها يجد نفسه يتفقدها كأنها تراقبه وتكتب تقريرا يوميا عن التزامه وتأخره

الاب كان يتعامل معها كحليف استراتيجي يبرر بها قراراته ويضبط بها مواعيده والام كانت تتخذها مرجعا اخلاقيا اذا تأخر الابن دقيقة واحدة اصبحت الساعة شاهدا رسميا في القضية الاطفال بدورهم كانوا ينظرون اليها كعدو خفي يسرق وقت اللعب دون استئذان

ولساعة الحائط طقوس لا تقل اهمية عن وجودها اذا بدأت تدق في منتصف الليل او عند اكتمال ساعة معينة يصمت البيت للحظة كأن الجميع يستمع الى خطاب رسمي عدد الدقات ليس مجرد رقم بل رسالة مشفرة يعرفها الجميع دون ترجمة

اما اذا توقفت هنا تبدأ الدراما الحقيقية حالة استنفار عائلي الاب يحضر الكرسي ويقف امامها بثقة المهندس الخبير رغم انه لم يصلح شيئا منذ سنوات يفتح الغطاء الخلفي بنظرة عميقة وكأنه يفهم لغة التروس الام تراقب المشهد وتطلق تعليقات بين التشجيع والقلق الاطفال يقفون في الخلف بترقب هل ستنجح العملية ام سنعيش في زمن بلا زمن

واذا عادت للعمل فجأة يشعر الجميع بانجاز جماعي وكأنهم اعادوا تشغيل الكون نفسه اما اذا فشلت تبدأ مرحلة الاتهامات من الذي لمسها اخر مرة ومن الذي اسقطها ومن الذي دعا عليها بالتوقف

ولم يكن الامر يقف عند هذا الحد حتى ضبط الوقت كان طقسا مستقلا له قوانينه اذا تقدمت دقيقة واحدة فهذه كارثة ادارية تستدعي اعادة معايرة دقيقة واذا تأخرت تصبح حجة لتبرير كل تأخير في المنزل لعدة ايام قادمة

ثم جاء العصر الحديث بكل هدوء وسحب البساط من تحتها دون حتى ان يودعها اختفى صوت تك تك وحل محله صمت رقمي بارد الوقت اصبح ارقاما تضيء وتنطفئ على الشاشات لا صوت لا حضور لا شخصية لا احد يرفع رأسه الى الجدار بل الجميع ينحني نحو الهاتف وكأن الزمن انتقل من السماء الى الجيوب.

الاغرب اننا اليوم نعيش محاطين بالساعات اكثر من اي وقت مضى ساعة في الهاتف وساعة في السيارة وساعة في اليد وساعة في كل جهاز لكننا فقدنا الاحساس بالوقت نفسه لم يعد هناك ذلك التوتر الجميل الذي تصنعه الدقائق وهي تتحرك ببطء امام عينيك بل اصبح كل شيء سريعا لدرجة اننا لا نشعر به

ساعة الحائط القديمة لم تكن مجرد اداة قياس بل كانت مدرسة في الانضباط ومسرحا صغيرا للعلاقات العائلية ووسيلة ضغط نفسي خفيفة الظل كانت تذكرنا ان لكل شيء وقته حتى الشاي له موعد والحديث له موعد والنوم له موعد

اليوم لا يوجد موعد حقيقي كل شيء قابل للتأجيل وكل تنبيه يمكن تجاهله بضغطة زر لم نعد نخاف من تأخر الوقت بل اصبح الوقت هو الذي يلاحقنا باشعارات لا تنتهي

ربما المشكلة ليست في اختفاء ساعة الحائط بل في اختفاء الطقوس التي كانت تمنح الوقت معنى انساني بسيطا كنا نعيش مع الزمن لا بجانبه نسمعه ونراه ونحس به اما الان فنحن نحمله في جيوبنا لكننا بالكاد نشعر بوجوده

وفي زاوية ما من بيت قديم ربما لا تزال ساعة حائط معلقة تصدر صوتها العنيد تك تك غير عابئة بكل هذا التطور تذكر من يسمعها ان الزمن الحقيقي ليس في الشاشة بل في ذلك الصوت البسيط الذي كان يوما ما يضبط ايقاع الحياة كلها.


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com