صحيفة شبكة الاعلام السعودي
د. شذى علي مختار عمر.. حين يصبح الإعلام أكثر من صوت وتتحول الكلمة إلى مسؤولية إنسانية..
05 نوفمبر 2026
0
1188

اعداد وحوار :
د. وفاء ابوهادي

تمتلك شخصية ذات طابع إنساني متميز روحاً شفافة وقلباً يحتوي الجميع ويداً تصنع من الحرف كلمات مواساة وفرح للجميع
الإعلام لها رسالة والكلمة عندها مسؤولية
وكليهما يصبان في صرح كبير في تجربتها
فليست كل الأصوات التي تعبر الأثير تترك أثراً وليست كل الكلمات التي تصل إلى الناس قادرة على أن تلامس وجدانهم أو تغير شيئاً في طريقة رؤيتهم للعالم.
فبين من ينقل الخبر ومن يفهم ما وراءه ومن يدرك أن الكلمة قد تبني جسراً بين الشعوب أو تترك بينها مسافة تتشكل حكاية الإعلام بوصفه مسؤولية إنسانية قبل أن يكون مهنة.
ومن هذه المساحة التي تلتقي فيها الكلمة بالوعي والإعلام بالإنسان والوطن بالذاكرة تأتي تجربة الإعلامية والأكاديمية السودانية الدكتورة شذى علي مختار عمر التي لم تتوقف رحلتها عند حدود الميكروفون أو الشاشة بل امتدت إلى البحث العلمي وقاعات الجامعات حيث يصبح السؤال عن الإعلام سؤالاً أعمق عن المجتمع وعن قدرة الإنسان على أن يرى نفسه والآخرين بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
في مسيرتها لم تكن دراسة الإعلام مجرد تحصيل أكاديمي بل محاولة لفهم الدور الذي يمكن أن تؤديه الكلمة في تشكيل الوعي وتعزيز الانتماء الوطني وفتح مساحات للحوار والسلام والتنمية.
ومن هنا جاءت دراساتها التي تناولت دور الإذاعات في التنمية
ثم دور الفضائيات السودانية في تعزيز الانتماء الوطني لتضعها أمام سؤال يتجاوز حدود البحث النظري: كيف يستطيع الإعلام أن يكون جزءاً من بناء الإنسان لا مجرد انعكاس لما يحدث حوله؟
وبين العمل الصحفي والإذاعي والتلفزيوني وإدارة البرامج والتدريس الجامعي والتدريب والاستشارات الإعلامية تشكلت تجربة مهنية جمعت بين معرفة الميدان وعمق البحث وبين حضور الإعلامية أمام الجمهور ومسؤولية الأكاديمية في إعداد أجيال جديدة من الإعلاميين.
تجربة جعلت من الإعلام مساحة للتأمل في الحقيقة وفي حدود المسؤولية وفي العلاقة المعقدة بين ما يُقال وما يتركه القول من أثر.
ولعل السودان بما يحمله من تاريخ وثقافة ووجدان إنساني يظل أحد أكثر الأسئلة حضوراً في هذه التجربة فالوطن ليس جغرافيا فحسب ولا صورة تختزلها الأخبار بل حكايات الناس وذاكرتهم وقدرتهم على الاحتفاظ بالأمل في أكثر اللحظات صعوبة.
ومن هنا تتجاوز رؤيتها للإعلام حدود نقل الأحداث إلى البحث عن القصص التي تمنح الإنسان مكانه في المشهد وتعيد إلى المجتمعات صوتها حين تطغى عليها الأزمات.
وفي وجودها بالمملكة العربية السعودية تتخذ هذه التجربة بعداً آخر حيث تتطلع إلى توظيف خبرتها الإعلامية في إبراز الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية والإنسانية بين الشعبين السعودي والسوداني والإضاءة على تفاصيل التقارب التي لا تصنعها الاتفاقيات وحدها بل تصنعها أيضاً العلاقات اليومية والذاكرة المشتركة والحكايات التي تنتقل بين الناس جيلاً بعد جيل.
في هذا الحوار لا نقترب من الدكتورة شذى علي مختار عمر بوصفها صاحبة مسيرة أكاديمية ومهنية فحسب بل بوصفها إعلامية تحمل أسئلة عن معنى الكلمة وحدود تأثيرها ومسؤولية من يمتلك القدرة على إيصالها. نحاورها عن الإعلام الذي يؤثر في الانتماء وعن السلام الذي يبدأ أحياناً من اللغة وعن السودان الذي يستحق أن يُروى بأكثر من صورة وعن العلاقة بين السعودية والسودان حين تصبح الثقافة والإنسان جسراً للتواصل وعن مستقبل الإعلام في عالم تتسارع فيه التكنولوجيا وتتزايد فيه الحاجة إلى الحقيقة.
إنه حوار مع امرأة اختارت أن تجعل من الإعلام مساحة لفهم الإنسان ومن الكلمة فرصة للتواصل ومن تجربتها المهنية رحلة مستمرة في البحث عن المعنى حيث لا يكون السؤال فقط ماذا نقول للناس بل ماذا نترك فيهم بعد أن تنتهي الكلمات
في لقاء شيق تشرفت به مع هذه الشخصية المتميزة الدكتورة شذى
وكان لي شرف ذلك
وقفت أمام حوارها بحيرة حتى اختار طريقة تناسب مقامها العالي
وحتى اكون محاورة اتجاوز عجز الكلمات والحروف في حضرة عمالقة في اوقات معينة
وبدات الأسئلة تنحني لها احتراماً

 


وكان اولها :

درستِ الإعلام أكاديمياً ومارستِه مهنياً، ووقفتِ أمام الجمهور مذيعةً وأستاذةً ومدربةً. بعد كل هذه التجارب، هل كوّنتِ شخصية مختلفة عما كنتِ عليه؟ وهل تغيّر تعريفكِ للحقيقة الإعلامية؟ وماذا اكتشفتِ من أسرار المهنة التي لا تكشفها الكتب وقاعات الدراسة؟

الإعلام لم يغيّر شخصيتي بقدر ما أعاد تشكيل وعيي بنفسي وبالآخرين. اكتشفت أن الإعلام رحلة لفهم الإنسان؛ فخلف كل خبر وموقف وكلمة حكاية وسياق ومسؤولية. وأدركت أن الحقيقة الإعلامية ينبغي أن تُقدَّم في سياقها الكامل، وبما يحفظ كرامة الإنسان. وأهم ما أدركته أن إتقان صناعة الخبر لا يكفي، لا بد من فهم المجتمع الذي ننقل أخباره.

هل مررتِ بتجربة شعرتِ فيها أن الخبر صحيح مهنياً، لكنه غير مكتمل إنسانياً؟ وكيف يتعامل الإعلامي مع الحقيقة حين تكون معرفة الجمهور بها مؤلمة أو صادمة؟

تعلمت أن ليس كل ما نعرفه يجب أن ننشره، وليس كل ما نستطيع تصويره ينبغي عرضه. أنا مع نقل الحقيقة مهما كانت مؤلمة، لكن بمسؤولية تحترم مشاعر الناس وكرامتهم. فالمهنية لا تنفصل عن الإنسانية، وعلينا أن نسأل: هل يضيف النشر وعياً ويحمي الحقيقة دون أن يحوّل الألم إلى مادة للاستهلاك؟

ما الذي يخيفكِ أكثر في الإعلام المعاصر: انتشار الأخبار الكاذبة، أم أن يفقد الناس اهتمامهم بالحقيقة حتى عندما تكون أمامهم؟

أخشى الأمرين، لكن فقدان الاهتمام بالحقيقة أكثر خطورة؛ لأن الأخبار الكاذبة يمكن كشفها بالتدقيق والوعي، أما فقدان الثقة بالحقيقة فيهدد قدرة المجتمع على الحوار والتمييز واتخاذ المواقف الصحيحة.

هل تعتقدين أن الإعلامي يستطيع أن يكون محايداً تماماً، أم أن الحياد المطلق مجرد فكرة أكاديمية لا تصمد أمام التجربة الإنسانية؟

لا أعتقد أن الحياد المطلق ممكن؛ فالإنسان يتأثر بخلفيته وقيمه وتجربته. لكن الإعلامي يستطيع أن يكون موضوعياً ومنصفاً ومستقلاً، وأن يكون أميناً على الوقائع. وهناك فرق بين الحياد تجاه الأطراف والحياد تجاه القيم؛ فلا حياد تجاه الكرامة والعدالة وحق الإنسان في الحياة.

لو طُلب منكِ الاختيار بين خبر يحقق انتشاراً واسعاً لكنه لا يضيف وعياً، وخبر محدود الانتشار لكنه يغيّر طريقة تفكير الناس، فأيهما يمثل نجاحاً إعلامياً حقيقياً بالنسبة إليكِ؟

أختار الخبر الذي يغيّر طريقة تفكير الناس، حتى لو كان محدود الانتشار؛ فالانتشار يعني الوصول، لكنه لا يعني بالضرورة التأثير. النجاح الحقيقي للإعلام هو ما يضيف وعياً ويترك أثراً في المجتمع.

في رأيكِ، متى يتحول الصمت الإعلامي من موقف مهني إلى موقف أخلاقي لا يمكن تبريره؟

هناك صمت مسؤول تفرضه ضرورة حماية مصدر أو ضحية، أو انتظار التحقق من المعلومة. لكن الصمت يصبح غير مبرر حين يكون وسيلة للتستر على الحقيقة أو تجاهل الانتهاكات بدافع الخوف أو المصالح. فالإعلامي مطالب بألا يتخلى عن ضميره حين تصبح الحقيقة حقاً عاماً.

ما الفكرة الإعلامية التي كنتِ تؤمنين بها في بداياتكِ، ثم اكتشفتِ بعد سنوات من العمل أنها ليست بهذه البساطة؟

كنت أعتقد أن تقديم الحقيقة بوضوح كافٍ يجعل الجمهور يفهمها بالضرورة، لكنني اكتشفت أن الناس يستقبلون الرسائل وفق تجاربهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية. لذلك، فإن الاتصال هو أيضاً فهم للمتلقي والسياق واللغة والتوقيت.

لو استطعتِ حذف مفهوم واحد من قاموس الإعلام العربي لأنه أصبح مستهلكاً أو مضللاً، فما المفهوم الذي ستختارينه؟

سأختار مفهوم «الحياد السلبي» حين يُستخدم لتبرير الصمت عن الحقيقة أو المساواة بين الحق والباطل. فالإعلام يحتاج إلى الاستقلال والموضوعية والإنصاف، دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

في أطروحتكِ للدكتوراه تناولتِ دور الفضائيات السودانية في تعزيز الانتماء الوطني، لكن دعيني أطرح عليكِ سؤالاً معكوساً: هل يمكن للإعلام، وهو يحاول تعزيز الانتماء، أن يتحول دون أن يشعر إلى أداة لإقصاء من لا يشبهون الصورة التي يقدمها عن الوطن؟

بدايةً، دعيني أقدم خالص شكري للبروفيسور بدر الدين أحمد إبراهيم والبروفيسور هشام محمد عباس على رؤيتهما العلمية التي أثرت الأطروحة، وأسهمت في ترسيخ معايير التميز الأكاديمي.
نعم، قد يحدث ذلك إذا تجاهل الإعلام التنوع وصنع صورة نمطية للوطن. فالسودان وطن متعدد الثقافات واللهجات والهويات، وهذا التنوع مصدر ثراء لا تهديد. الإعلام الذي يعزز الانتماء هو الذي يجعل كل مواطن يرى نفسه في صورة وطنه، ويشعر أن صوته وكرامته جزء من المشهد الوطني.

حين درستِ الانتماء الوطني في أطروحتكِ، هل كنتِ تبحثين عن دور الإعلام في تعريف الناس بوطنهم، أم عن الأسباب التي تجعل الإنسان يشعر بأنه ينتمي إلى وطنه؟

كانت دراستي تبحث في دور الفضائيات السودانية في تعزيز الانتماء الوطني، لكن السؤال الأعمق هو: ما الذي يجعل الإنسان يشعر أن هذا الوطن وطنه بالفعل؟ الانتماء يحتاج إلى العدالة والكرامة والأمان والحقوق. والإعلام يعزز هذا الشعور، لكنه لا يستطيع أن يعوض غياب هذه المقومات.

هل يمكن أن يكون الانتماء الوطني أقوى في لحظات فقدان الوطن أو الابتعاد عنه مما يكون عليه في لحظات الاستقرار؟

ندرك عمق ارتباطنا بالوطن حين نبتعد عنه؛ فالغربة تجعلنا أكثر تعلقاً بتفاصيله ولهجته وأغنياته ووجوه أهلنا وذكرياتنا. لكنني أتمنى ألا يكون الفقد شرطاً لاكتشاف قيمة الوطن.

السودان الحبيب اليوم ليس مجرد خبر في وسائل الإعلام الدولية، بل تجربة إنسانية يعيشها ملايين الناس. بصفتكِ إعلامية سودانية، ما الصورة التي تشعرين أن العالم لم يفهمها عن السودان حتى الآن؟

أعتقد أن العالم لم يرَ السودان بما يكفي بوصفه وطناً للحياة والإنسان، وليس ساحة للأزمات. لم يدرك عمق مجتمعه وتنوعه وروابطه القوية وقدرته على التكافل. أريد للعالم أن يرى شعباً لا تختصره المعاناة، لأنه يمتلك طاقة للحياة والبناء والإبداع.

هل يمكن أن تكون كثافة التغطية الإعلامية للأزمات سبباً في اختزال بلد كامل في أزمته؟ وكيف يمكن للإعلام أن ينقل الألم دون أن يجعل الألم هو الهوية الوحيدة للشعب؟

نعم، حين تركز التغطية على زاوية واحدة قد تختزل وطناً كاملاً في أزمته. المطلوب توسيع الصورة لتشمل الثقافة والفنون والتعليم والمبادرات المجتمعية وقصص الصمود والنجاح، حتى لا تصبح المعاناة الهوية الوحيدة للشعب.

عندما يتحدث الإعلام عن السودان، كثيراً ما تكون السياسة والحرب في مقدمة المشهد. ما القصص التي تعتقدين أن العالم ينبغي أن يسمعها عن السودانيين، لكنها لا تجد طريقها إلى العناوين الكبرى؟

أتمنى أن يسمع العالم قصص المتطوعين والمبادرات الإنسانية، والنساء اللاتي تحملن مسؤولية الأسرة والمجتمع، والأطباء والمعلمين والشباب الذين تمسكوا بالحياة رغم الظروف. هناك قصص كثيرة تكشف معدن المجتمع السوداني، وليس لها حصر.

 

بصفتكِ إعلامية وأكاديمية سودانية، هل تشعرين أن مسؤوليتكِ تجاه وطنكِ تفرض عليكِ أحياناً أن تكوني أكثر من صحفية، وأن تكوني شاهدة على مرحلة تاريخية؟

نعم، خاصة في هذه المرحلة التي يمر بها السودان. وأستحضر تجربة البث المشترك عبر تلفزيون السودان في بدايات الحرب، وهي من أعمق التجارب المهنية في مسيرتي. كنا ننقل الأحداث لحظة بلحظة، بينما نعيش في داخلنا الخوف والقلق أمام مشهد بالغ الصعوبة.
كان التحدي أن نحافظ على تماسكنا أمام الكاميرا ونؤدي رسالتنا بمهنية، مع إدراك أهمية توثيق هذه المرحلة للأجيال القادمة. وأعتز بأنني كنت شاهدة على تلك اللحظات، فالتوثيق بالنسبة لي مسؤولية وطنية وأخلاقية.

لو أتيح لكِ أن تقدمي برنامجاً تلفزيونياً دولياً عن السودان بعيداً عن السياسة والأخبار العاجلة، فما أول قصة إنسانية ستختارينها؟ ولماذا؟

سأختار قصة روح الإنسان السوداني؛ بما تحمله من صبر وكرم وتكافل وإصرار على الحياة. أريد أن يرى العالم السودان من خلال إنسانه، لا من خلال أزماته.

حصلتِ على درجة الماجستير في دراسات السلام والتنمية، ودرستِ دور الإذاعات في التنمية. بعد سنوات من البحث والممارسة، هل ترين أن الإعلام يستطيع أن يمهد للسلام، أم أن دوره يبدأ فقط عندما تكون هناك إرادة سياسية للسلام؟

أؤمن أن الإعلام يستطيع التمهيد للسلام من خلال تشكيل الوعي، ومواجهة خطاب الكراهية، وتصحيح الصور النمطية، وفتح مساحات الحوار. لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإرادة السياسية. فالسلام ليس اتفاقاً سياسياً فقط، بل هو عملية اجتماعية وإنسانية تحتاج إلى وعي مجتمعي يحميها ويمنحها الاستمرار.

أين ترى الدكتورة شذى حقيقة السلام؟

السلام ليس مجرد توقف الحرب، بل يجب أن نتعلم كيف نعيش معاً، ونختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى عداوة. إنه عدالة وكرامة وأمان وقدرة على قبول الآخر.

هل يمكن أن تكون بعض الرسائل الإعلامية التي تُقدم باسم السلام سبباً في تعميق الانقسام إذا شعر طرف من المجتمع بأنها لا تمثله؟

بالتأكيد، فالرسائل التي لا تراعي التنوع ولا تعترف بتجارب المتضررين قد تعمق الانقسام بدلاً من معالجته. الإعلام الداعم للسلام يجب أن يمنح الجميع مساحة للتعبير عن مخاوفهم واختلافاتهم.

في المجتمعات التي تعيش صراعات، هل ينبغي للإعلامي أن يمنح جميع الأطراف المساحة نفسها، أم أن العدالة في التغطية قد تتطلب أحياناً ألا تكون المساحات متساوية؟

العدالة الإعلامية لا تعني المساواة الحسابية في المساحة، بل الإنصاف والالتزام بالوقائع والأدلة. فلا يجوز مساواة الحقيقة بالشائعة، أو الضحية بمن يبرر الانتهاك. المبدأ هو عدالة المعالجة واحترام المعايير المهنية.

ما الفرق بين إعلام يطالب بإنهاء الحرب، وإعلام يساعد المجتمع على تجاوز آثارها بعد توقفها؟

الأول يسعى إلى وقف النزيف، والثاني يساعد على التئام الجراح. والمجتمع يحتاج إلى الدورين معاً؛ فتوقف الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها في النفوس والمجتمع.

هل يستطيع الإعلام أن يعتذر عن أخطاء ارتكبها في تغطية أزمة ما؟ وهل الاعتذار الإعلامي يعيد الثقة، أم أن الثقة تحتاج إلى ما هو أكبر من الاعتذار؟

الاعتراف بالخطأ والاعتذار من علامات النضج المهني. لكنهما لا يكفيان وحدهما لاستعادة الثقة؛ فلا بد أن يصاحبهما تصحيح للمعلومات وشفافية ومراجعة للسياسات التحريرية، وضمانات تمنع تكرار الخطأ

عملتِ في الإذاعة والتلفزيون وإدارة البرامج والتدريس الجامعي. هل تغيرت نظرتكِ إلى المرأة الإعلامية عندما انتقلتِ من موقع المذيعة إلى موقع المسؤولة عن البرامج؟

تجربتي في البرامج بهيئة الإذاعة والتلفزيون بالبحر الأحمر أضافت لي الكثير من الخبرة والثقة والعمق في صياغة الأفكار وتقديمها بقالب جميل وإبداعي.
فقد انتقلت من التركيز على الأداء أمام الجمهور إلى فهم أوسع لصناعة المحتوى وإدارة الفرق واكتشاف المواهب واتخاذ القرار. وأدركت أن تمكين المرأة لا ينبغي أن يقتصر على الظهور أمام الكاميرا، بل يجب أن يمتد إلى مواقع القيادة وصناعة القرار.

هل تعتقدين أن المرأة في الإعلام مطالبة دائماً بإثبات كفاءتها، بينما يُمنح الرجل مساحة أكبر لارتكاب الأخطاء والتعلم منها؟

في بعض البيئات الإعلامية، نعم؛ فما زالت المرأة تواجه معايير مزدوجة، وتُطالب أحياناً بإثبات كفاءتها أكثر من مرة. لكن الكفاءة لا جنس لها، والعدالة تقتضي تقييم الجميع وفق المهنية.

من خلال كتاباتكِ للمقالات وبعض التقارير، كيف تغيرت نظرتكِ إلى الإعلام بشكل عام؟

تخصصي الأساسي هو الصحافة المكتوبة، رغم ممارستي للإذاعة والتلفزيون. وقد علمتني الكتابة أن أبحث عما وراء الحدث، وأدرك قوة الكلمة، وأن دور الإعلام لا يقتصر على نقل الخبر، بل يمتد إلى التفسير والتحليل ومساعدة الناس على فهم ما يحدث.

هل واجهتِ موقفاً اضطررتِ فيه إلى الاختيار بين الحفاظ على صورتكِ المهنية وبين التعبير عن قناعة شخصية؟ وكيف تعاملتِ معه؟

هذا تحدٍ يواجه كل إعلامي لديه قناعات شخصية ويعمل ضمن ضوابط مهنية. أحرص دائماً على التعبير عن مواقفي بمعرفة واحترام ومسؤولية، دون أن أسمح لها بالتأثير في أمانتي المهنية أو تشويه الحقيقة.

هل تعتقدين أن الإعلام العربي منح المرأة مساحة كافية لتروي قصتها بنفسها، أم أنه لا يزال يحكي قصتها نيابة عنها؟

هناك تقدم في حضور المرأة، لكن المساحة لا تزال بحاجة إلى تطوير. فكثيراً ما تكون المرأة موضوعاً للتغطية وليست صاحبة القرار في صياغة الرسالة. نحتاج إلى الانتقال من الحديث عنها إلى الاستماع إليها وتمكينها من قيادة المؤسسات وصناعة المحتوى.

هل سبق أن وجدتِ أن طالباً أو طالبة طرح سؤالاً أجبركِ على إعادة النظر في قناعة كنتِ تدرسينها بثقة؟

بالتأكيد، ومن أكثر ما يلفت انتباهي تساؤلات الطلاب حول الفجوة بين النظريات المهنية التي ندرسها وواقع الممارسة الإعلامية. هذه الأسئلة تدفعني إلى المراجعة والتأمل، وتؤكد لي أن دور الأكاديمي لا يقتصر على نقل المعرفة، وإنما إعداد جيل قادر على تطوير الواقع.

كيف يمكن للجامعات أن تخرج إعلاميين لا ينافسون الذكاء الاصطناعي في سرعة الكتابة، بل يتفوقون عليه في فهم الإنسان والسياق والمسؤولية؟

من خلال تطوير المناهج بحيث تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وتعزيز مهارات التفكير وفهم السياقات الاجتماعية والثقافية، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وتدريب الطلاب على توظيف الذكاء الاصطناعي بوعي.

في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي كتابة الأخبار وتقديم الأصوات وصناعة الصور، ما الذي سيبقى للإنسان الإعلامي ولا يمكن الاستغناء عنه؟

ستبقى للإنسان بصمته الإبداعية وقدرته على الفهم والتعاطف والحكم الأخلاقي. فالذكاء الاصطناعي أداة مهمة، لكنه لا يحل محل الموهبة التي منحها الله للإنسان.

الإعلامي يُفترض أن يكون قارئاً نهماً ومنفتحاً على شتى أنواع الأدب والمعرفة. لمن تقرئين؟ وما رأيكِ في الأدب النسائي اليوم؟

القراءة تمنح الإعلامي ثراء اللغة وعمق الرؤية. أحب التنوع في القراءة واكتشاف تجارب أدبية مختلفة.
وللحديث عن الأدب مع الدكتورة وفاء أبو الهادي خصوصية؛ فهي قامة أدبية تمتلك تجربة ثرية وعشرات المؤلفات. وأرى أن الأدب النسائي اليوم أكثر حضوراً وجرأة في تناول قضايا المرأة والمجتمع، وكتاب «إعصار أنثى» من مؤلفاتكِ نموذج يعكس قدرة الأدب على التعبير عن مشاعر المرأة ورفض الظلم، وتقديم التجربة الأنثوية بأبعاد إنسانية واجتماعية.

بعد انتقالكِ إلى المملكة العربية السعودية، ما الذي تغير في نظرتكِ إلى رسالة الإعلام؟ وكيف وجدتِ البيئة الإعلامية حولكِ؟ وهل تمتلك مقومات تخدم الإعلام العربي والدولي؟

أتاح لي وجودي في المملكة رؤية الإعلام من زاوية مختلفة، والتعرف على بيئة تشهد تحولات كبيرة ثقافياً وتقنياً وإعلامياً. وأرى أن المملكة تمتلك مقومات مهمة لخدمة الإعلام العربي والدولي، من بنية تقنية متطورة وكفاءات بشرية وحراك ثقافي وفرص للتدريب والتعاون.
وجودي في هذه البيئة يثري تجربتي، ويمنحني فرصة للمساهمة بما أحمله من خبرة سودانية وعربية، والاستفادة من التجربة السعودية.

تحدثتِ عن الإعلام باعتباره جسراً بين الشعبين السعودي والسوداني، لكن الجسور لا تُبنى فقط بما يجمع الناس، بل أيضاً بما يسمح لهم بفهم اختلافاتهم. ما الذي يحتاج الإعلام السعودي والسوداني إلى فهمه بصورة أعمق عن الآخر؟

أعتقد أن الإعلام السعودي يحتاج إلى الاقتراب أكثر من التنوع الثقافي والاجتماعي في السودان. كما يحتاج الإعلام السوداني إلى فهم أعمق للتحولات التي تشهدها المملكة. فالتقارب الحقيقي يبدأ بالمعرفة المتبادلة واحترام خصوصية الآخر.

كإعلامية وأكاديمية، كيف تصفين العلاقة بين المملكة العربية السعودية والسودان في كلمات موجزة؟

هي علاقة ذات جذور تاريخية عميقة، عززتها المواقف المشتركة التي تجاوزت حدود السياسة والجغرافيا، وامتدت إلى الوجدان.

هل العلاقات بين الشعوب تُبنى من خلال الأخبار الرسمية والاتفاقيات، أم من خلال التفاصيل اليومية التي لا تلتفت إليها وسائل الإعلام عادةً؟

الاتفاقيات تضع الأطر، لكن العلاقات الحقيقية تُبنى من التفاصيل والمواقف الصادقة. وأعظم ما تجلى في ذلك وقوف المملكة العربية السعودية وشعبها إلى جانب السودان في محنته؛ وهو موقف يعكس عمق الروابط بين الشعبين. لذلك أرى أن الإعلام يجب أن يلتفت إلى التفاصيل اليومية التي تكشف حقيقة العلاقات الإنسانية.

لو طُلب منكِ إعداد سلسلة وثائقية عن العلاقات السعودية السودانية، هل ستبدئين من التاريخ السياسي أم من قصة إنسانية بين أسرتين أو شخصين من البلدين؟

بدأت بالفعل في تناول هذا الجانب من خلال مقالاتي التي كتبتها عن التعايش والبعد الإنساني والعلاقات الاجتماعية بين الشعبين، وأعتقد أنني أسير في اتجاه جيد لتقديم صورة أعمق عن هذا التقارب.

ما القصة المشتركة بين الشعبين التي تعتقدين أنها تستحق أن تُروى للعالم، لكنها لم تأخذ حقها إعلامياً؟

قصة التداخل بين الشعبين؛ من علاقات الدراسة والعمل والإقامة والصداقة والتعاون. هناك سودانيون وجدوا في المملكة مساحة للحياة وبناء المستقبل، وسعوديون يحملون ذكريات وتجارب جميلة مع السودان وأهله. هذه التفاصيل تصنع تاريخاً مشتركاً يستحق التوثيق، حتى تتعرف الأجيال الجديدة على عمق هذه العلاقة.

ما الذي يمكن أن تقدمه الإعلامية السودانية في السعودية ولا يستطيع الإعلامي المحلي تقديمه بالطريقة نفسها؟ وما الذي تستطيع التجربة السعودية أن تضيفه إلى رؤيتكِ المهنية؟

تستطيع الإعلامية السودانية تقديم معرفة من الداخل بالمجتمع السوداني وتنوعه وثقافته، والإسهام في بناء التواصل. ولا أرى الأمر منافسة، فلكل تجربة قيمتها. أما التجربة السعودية فتضيف إلى رؤيتي المهنية من خلال تطورها. وأعتقد أن التكامل بين الخبرات هو ما يصنع إعلاماً أكثر تأثيراً.

بعيداً عن الألقاب والمناصب والشهادات، من هي شذى الإنسانة؟ ماذا تريد من الحياة، وكيف تنظر إليها؟

أريد أن أكون إنسانة خفيفة على قلوب الآخرين، وأترك أثراً جميلاً في حياة من ألتقي بهم. أرى الحياة رحلة قصيرة، وما يبقى في ذاكرة الناس الحب والمعرفة والمواقف.

ما الحلم الذي يراود الأكاديمية شذى والإنسانة قبل كل شيء؟

أن أكون صاحبة أثر يتجاوز الشهادة والمسمى الوظيفي، وأن أساهم في تدريب جيل إعلامي يمتلك المعرفة والمهارة. وعلى المستوى الإنساني، أحلم أن أرى السودان آمناً مستقراً، وأن أظل قادرة على التعلم والعطاء.

أشخاص لهم أثر وبصمة في حياتكِ، من هم؟ وماذا تقولين لهم؟

أبي هو أول من فتح لي أبواب الإعلام، ومنه تعلمت الكثير من فنون المهنة وأخلاقياتها، وأمي كانت مصدر المحبة والدعم، وإخوتي سنداً وتشجيعاً دائماً. كما أعتز بأساتذتي وزملائي وكل من رافقني في مشواري المهني؛ فقد أضافت كل تجربة إلى خبرتي ونضجي. وأقول لهم: شكراً، فما تعلمته منكم سيظل حاضراً في مسيرتي.

لو عاد بكِ الزمن إلى أول يوم أمام الميكروفون، ما النصيحة التي كنتِ ستقدمينها لنفسكِ؟ ولماذا لم تكوني تعرفينها آنذاك؟

كنت سأقول لنفسي: لا تستعجلي الوصول، فالمهنة رحلة تعلم ونضج وليست سباقاً نحو الشهرة. اقرئي، وأنصتي أكثر، ولا تجعلي الاهتمام بالصورة يسبق الاهتمام بالمضمون.

لو لم تكوني إعلامية، فما المجال الذي كان يمكن أن يمنحكِ المساحة نفسها لفهم الإنسان والتأثير فيه؟

لا أعرف إن كان هناك مجال آخر يمنحني المساحة نفسها؛ فالإعلام شغفي ومكاني ورسالتي.

ما السؤال الذي لم يسألكِ عنه أحد خلال مسيرتكِ الإعلامية، رغم أنكِ كنتِ تتمنين أن يُطرح؟

ربما السؤال الذي تمنيت أن يُطرح هو: ماذا كلفتكِ هذه الرحلة حتى تصلي إلى ما أنتِ عليه اليوم؟ فالناس يسألون عن النجاحات والشهادات، لكنهم لا يسألون كثيراً عن التضحيات واللحظات الصعبة التي تقف خلفها.

هل هناك لحظة شعرتِ فيها أن الميكروفون الذي كان يمنحكِ صوتاً أمام الناس أصبح في الوقت نفسه مسؤولية ثقيلة؟

نعم، خاصة في اللحظات التي أدركت فيها أن الكلمة قد تؤثر في حياة الناس ومشاعرهم ومواقفهم. فالوقوف أمام الميكروفون التزام تجاه الجمهور.

لو أمام البحر وقت الغروب، وأمسكتِ قلماً لتكتبي رواية، فما عنوان تلك الرواية؟ ولمن تهدينها؟

ربما يكون عنوانها «شذى البحر»، وأهديها لنفسي؛ فنحن الإعلاميين نحكي قصص الآخرين، وننسى أحياناً أن لنا قصصاً تستحق أن تُروى أيضاً.

كلمة تختمين بها هذا اللقاء؟

امتناني موصول للإعلاميين والإعلاميات السعوديين الذين تعرفت إليهم من خلال كتاباتهم وأفكارهم، وأتاحوا لي الاقتراب من تجارب إعلامية مختلفة.
وأخص بالشكر الدكتورة وفاء أبوهادي  على هذا الحوار، وعلى رقي أسئلتها وعمق تناولها. فمن خلالكِ تعرفت إلى روح مجتمع بأكمله.
شكراً لكِ على مساحة الحوار التي أعتز بها، وشكراً للمملكة العربية السعودية التي تجعل من طيب أهلها امتداداً للمحبة، ومن مواقفها ذاكرة جميلة تسكن القلب.
وللسودان، وطني الغالي، سيظل أكبر من كل المحن، وأحلامه بالحياة والسلام والبناء أقوى من كل الظروف.

وفي ختام هذا اللقاء اقف بكل احترام واجلال للدكتور شذى التي أبهرتنا بشخصيتيها الإنسانية والإستثنائية والتي تتجلى في روح شفافة وقلب رحب يتّسع للجميع ووجدان يعرف كيف يلامس الآخرين بكلمة صادقة ويدٍ تحوّل الحروف إلى رسائل مواساة وعبارات فرح وجسور من المحبة تمتد إلى كل من عرفها

فالإعلام بالنسبة إليها ليس مجرد مهنة بل رسالة تحمل في جوهرها مسؤولية الكلمة وأمانة التأثير. وبين إنسانيتها التي تمنح الآخرين دفئاً واحتواءً ورسالتها الإعلامية التي تؤمن بقدرة الكلمة على التغيير تتشكّل ملامح تجربة ثرية يلتقي فيها الحس الإنساني بالوعي المهني ليشكّلا معاً صرحاً متكاملاً في مسيرتها.

 


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com