جدة تحتضن معرض (جماليات الخط العربي والتذهيب التركي ) إبداع يستحضر عراقة التراث الإسلامي ويعزز جسور التبادل الثقافي
05 نوفمبر 2026
0
1089

 

د. وفاء ابوهادي – ش ا س

تصوير : حوراء احمد

حين تتحدث تركيا بلغة الفن فإنها تستحضر قروناً من الإبداع الذي صاغته حضارات متعاقبة وبلغ ذروته في العهد العثماني حيث ارتقى الخط العربي إلى آفاق استثنائية من الجمال والابتكار وتحولت الحروف إلى لوحات تنبض بالروح فيما اكتسبت الزخرفة الإسلامية والتذهيب مكانة فنية رفيعة تجلت في المصاحف والمخطوطات والعمارة الإسلامية تاركة إرثاً بصرياً خالداً لا يزال يشكل أحد أبرز روافد الفنون الإسلامية في العالم .
ولم تكن المدرسة التركية في الخط العربي والتذهيب مجرد امتداد لتقاليد فنية عريقة بل أسهمت في تطويرها وإثرائها عبر أجيال من كبار الخطاطين والفنانين الذين أبدعوا في تطويع الحرف وتشكيل الزخارف الهندسية والنباتية جامعِين بين دقة التفاصيل وثراء التكوين وانسجام الألوان لتصبح هذه الفنون شاهداً على حضارة جعلت من الجمال قيمة ثقافية وإنسانية راسخة.
ومن هذا الإرث الحضاري الممتد احتضنت مدينة جدة فعاليات معرض ( جماليات الخط العربي والتذهيب التركي.. ) تضمن آيات ونقوش من التراث الإسلامي في تظاهرة فنية وثقافية تستعيد جماليات الحرف العربي وأصالة الزخرفة الإسلامية وتقدم تجربة إبداعية تعكس ثراء المدرسة الفنية التركية وما تحمله من خصوصية تاريخية وجمالية وبمشاركة نخبة من الفنانين التشكيليين والخطاطين والمتخصصين في فنون التذهيب والزخرفة من تركيا
ويأتي المعرض ليؤكد أن الفنون الإسلامية تمثل مساحة رحبة للتلاقي الحضاري وأن ما يجمع الثقافتين العربية والتركية يتجاوز الروابط التاريخية إلى إرث فني وثقافي مشترك تتجلى فيه وحدة القيم الجمالية وتنوع الرؤى الإبداعية بما يعزز الحوار الثقافي ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون الفني بين البلدان
وأقيمت الفعاليات في مدينة الطيبات العالمية للعلوم والمعرفة بجدة، بتنظيم وكالة ( لاقونا )(LAGUNA AGENCY) وبرعاية ودعم من القنصلية العامة للجمهورية التركية بجدة والممثلية الدائمة للجمهورية التركية لدى منظمة التعاون الإسلامي وسط حضور دبلوماسي وثقافي وفني لافت.


وشهد المعرض تشريف سعادة السفير جنك أوراز سفير وممثل الجمهورية التركية الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي وسعادة القنصل العام للجمهورية التركية بجدة مصطفى أونال فيما استضاف الفعالية السيد محمد أمين أشان ممثل وكالة لاقونا وتواجد المهندس سيف الله حامي الدين مدير وشريك الوكالة والمنظم والمنسق للفنون التشكيلية.
كما شهدت المناسبة حضور نخبة من القناصل وأعضاء السلك الدبلوماسي ورجال الأعمال والإعلاميين والإعلاميات إلى جانب مجموعة من الفنانين التشكيليين الأتراك الذين قدموا أعمالاً تعكس ثراء التجربة الفنية التركية وامتدادها التاريخي في مجالات الخط العربي والتذهيب والزخرفة الإسلامية.
ويشكل المعرض إضافة نوعية للمشهد الثقافي والفني في جدة بما يتيحه من مساحة للتعريف بمدارس الفن الإسلامي وتبادل الخبرات بين المبدعين، فضلاً عن إبراز الدور الذي تؤديه الفنون الأصيلة في مد جسور التواصل بين الثقافات وترسيخ العلاقات السعودية التركية عبر لغة الإبداع والجمال.
وقد قام فريق من صحيفة شبكة الإعلام السعودي بزيارة المعرض والتقت بالمهندس سيف والذي كان في قمة الكرم في حسن الاستقبال وبالإضافة إلى لقاء مع الفنانة التشكيلية المشاركة في المعرض السيدة : هوليا قودو والذي قام بالترجمة المهندس سيف الله
وتحدثت عن المعرض بقولها :
أن فكرة المعرض تنطلق من الروابط التاريخية والثقافية العميقة التي تجمع تركيا بالعالم العربي مشيرة إلى أن الخط العربي شكّل جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والفنية للدولة العثمانية على مدى أكثر من ستة قرون حيث استُخدمت الأبجدية العربية في الكتابة العثمانية وازدهرت خلالها فنون الخط والتذهيب والزخرفة.
وأشارت إلى أن الأتراك أولوا الخط العربي عناية خاصة لا سيما في كتابة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية انطلاقًا من مكانتها الدينية والروحية وهو ما أسهم في تطوير مدارس فنية متميزة في الخط والزخرفة ..
واستشهدت بالمقولة الشهيرة:
( نزل القرآن في مكة وقُرئ في مصر وكُتب في إسطنبول ) تعبيرًا عن المكانة التي بلغها فن الخط العربي في الحضارة الإسلامية.
وأكدت أن الخط العربي يتميز بمرونة استثنائية تتيح للفنانين تشكيل حروفه بأساليب متعددة
وتحويلها إلى أعمال فنية تجمع بين جمال التكوين وعمق المعنى لافتة إلى أن هذه الخصائص جعلته أحد أبرز الفنون التي أسهمت في إثراء التراث البصري الإسلامي.
وأضافت : أن الاعتزاز بالخط العربي لا يقتصر على العرب وحدهم بل يمتد إلى الأتراك الذين حافظوا على هذا الإرث وطوّروا أساليبه الفنية عبر قرون ليصبح رمزًا ثقافيًا مشتركًا يجمع الشعوب على تقدير الجمال والإبداع.

وفيما يتعلق بالأعمال المشاركة أوضحت أن المعرض يضم إبداعات نحو ثمانية إلى عشرة فنانين تتنوع تخصصاتهم بين الخط العربي والتذهيب والرسم والزخرفة حيث يتولى الخطاطون تنفيذ الأعمال الكتابية فيما يضيف فنانو التذهيب والزخرفة اللمسات الجمالية التي تُبرز تفاصيل الحروف والتكوينات الفنية.
وأكدت أن المعرض يضم أيضًا أعمالًا في فن القاشاني وهو من الفنون الزخرفية التقليدية التي تعتمد على تزيين البلاط الخزفي والسيراميك برسومات نباتية وهندسية وألوان متناسقة وقد استُخدم تاريخيًا في تزيين المساجد والقصور والبيوت والقاعات.
وأضافت أن الأعمال المعروضة تشمل كذلك الرسم بالحبر وتقنيات فنية متنوعة بما يعكس ثراء الفنون الإسلامية وتكاملها، ويتيح للزوار التعرف على الأساليب التقليدية التي توارثها الفنانون وطوّروها عبر الأجيال.
وأشارت إلى أن المعرض لا يقتصر على تقديم أعمال فنية فحسب بل يحمل رسالة ثقافية تدعو إلى تعزيز التعاون والتبادل المعرفي بين الفنانين من مختلف الدول مشيرين إلى أن الجمع بين الخط العربي والتذهيب التركي يجسد نموذجًا للتكامل بين الفنون ويؤكد قدرة الإبداع على تجاوز الاختلافات الثقافية واللغوية.
وفي سياق الحديث عن مستقبل المبادرة كشف القائمون عليها عن تطلعاتهم لتوسيع نطاق المعرض فبعد انطلاقته من جدة بالتعاون مع جهات دبلوماسية وثقافية من بينها القنصلية والسفارة ومدينة طيبة للعلوم والمعرفة العالمية على أن تشمل المحطات المقبلة مدينة الرياض وصولًا إلى عدد من الدول العربية ودول أخرى.
وأوضحوا أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية تهدف إلى التعريف بجماليات الخط العربي وفن التذهيب التركي على نطاق أوسع وإتاحة الفرصة أمام مزيد من الفنانين للمشاركة وتبادل الخبرات فضلًا عن تقديم الموروث الفني الإسلامي بأساليب معاصرة تحافظ على أصالته وتعزز حضوره عالميًا

.
وشددت على أهمية الاستثمار في الإرث الثقافي والفني وتطوير طرق تقديمه مؤكدة أن الفنون التراثية تمتلك قيمة حضارية كبيرة يمكن إبرازها من خلال الإبداع والتجديد دون المساس بهويتها الأصيلة.
وفي ختام اللقاء، أعرب القائمون على المعرض عن شكرهم وتقديرهم للجهات الدبلوماسية والثقافية والإعلامية ولكل من أسهم في تنظيم المعرض ودعمه مؤكدين تطلعهم إلى استمرار هذه المبادرات وإقامة المزيد من الفعاليات التي تجمع الفنانين والمبدعين، وتعزز حضور الفنون العربية والإسلامية في المشهد الثقافي.
ويجسد معرض ( جماليات الخط العربي بالتذهيب التركي ) مساحة للتلاقي بين الأصالة والإبداع ورسالة فنية تؤكد أن الحرف العربي ليس مجرد وسيلة للتعبير بل إرث حضاري وجمالي قادر على مد جسور التواصل بين الثقافات والشعوب …


وفي ختام هذه الجولة الفنية واللقاء تجلى لنا عن عمق التجربة التركية في فنون الخط العربي والتذهيب والزخرفة الإسلامية بدا المعرض أكثر من مجرد مساحة لعرض الأعمال الفنية إذ قدم رسالة ثقافية تتجاوز حدود المكان وتعيد التأكيد على أن الفنون الأصيلة تظل إحدى أهم أدوات التقارب بين الشعوب وجسراً حياً للتواصل بين الحضارات.
كما عكست تطلعات القائمين على المعرض لنقل هذه التجربة إلى الرياض ثم إلى عدد من العواصم العربية والدولية إيماناً بأهمية صون هذا الإرث الفني وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة وفتح آفاق أرحب أمام الفنانين للتعريف بإبداعاتهم وتبادل الخبرات والتجارب.
ومن خلال ما رصدته صحيفة ( شبكة الإعلام السعودي ) من أعمال ومداخلات ولقاء تتضح قيمة هذه المبادرة في قدرتها على استحضار تاريخ عريق بلغة فنية معاصرة وتؤكد أن الخط العربي ليس مجرد حروف تُكتب ولا أن التذهيب والزخرفة مجرد تفاصيل تزيينية بل هي ذاكرة حضارية تختزن هوية أمة وتحمل بين ثناياها روح الفن الإسلامي وعبقرية مبدعيه.
ويبقى معرض ( جماليات الخط العربي والتذهيب التركي ) شاهداً على أن الجمال حين يستند إلى عمق التاريخ ويتسلح بروح الإبداع يصبح لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة ورسالة حضارية قادرة على جمع الثقافات وتوحيد الذائقة الإنسانية.
فالحرف الذي عبر القرون محتفظاً بجماله سيظل قادراً على عبور الحدود حاملاً إرثاً من الأصالة والإبداع وممهداً لمزيد من اللقاءات الثقافية والفنية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية خاصة وبين جمهورية تركيا والعالم بشكل عام ..

..


قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2026 All Rights Reserved صحيفة شبكة الاعلام السعودي Design and hostinginc Digital Creativity

This site is protected by wp-copyrightpro.com